1) التعريف:

الوتر (بفتح الواو وكسرها) لغة: العدد الفردي، كالواحد والثلاثة والخمسة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله وتر يحب الوتر” رواه مسلم. ومن كلام العرب: كان القوم شفعاً فوترتهم وأوترتهم، أي جعلت شفعهم وتراً. وفي الحديث: “من استجمر فليوتر” رواه البخاري، معناه: فليستنج بثلاثة أحجار أو خمسة أو سبعة، ولا يستنج بالشفع.

والوتر في الاصطلاح: صلاة الوتر، وهي صلاة تفعل ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، تختم بها صلاة الليل، سميت بذلك لأنها تصلى وتراً، ركعة واحدة، أو ثلاثاً، أو أكثر، ولا يجوز جعلها شفعاً.

2) حكم الوتر:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوتر سنة مؤكدة، وليس واجباً، ودليل سنيته قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن” رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وواظب عليه.

واستدلوا لعدم وجوبه بما ثبت: “أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أعرابي: عما فرض الله عليه في اليوم والليلة؟ فقال: خمس صلوات، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع” رواه البخاري ومسلم.

وقال علي – رضي الله عنه – “الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكن سنة، سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم” قالوا: ولأن الوتر يجوز فعله على الراحلة لغير الضرورة، وثبت ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر – رضي الله عنهما -: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَل أي وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة” رواه البخاري، فلو كانت واجبة لما صلاها على الراحلة، كالفرائض.

3) وجوب الوتر على النبي صلى الله عليه وسلم:

صرح الشافعية والحنابلة: بأن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر عليه، قالوا: وكونه كان يصلي الوتر على الراحلة يحتمل أنه لعذر، أو أنه كان واجباً عليه في الحضر دون السفر. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاث هن عليّ فرائض، وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى”.

4) درجة السنية في صلاة الوتر عند غير الحنفية، ومنزلتها بين سائر النوافل:

صلاة الوتر عند الجمهور سنة مؤكدة للأحاديث التي تحض عليها، وحديث خارجة بن حذافة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله أمدّكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر”. رواه الترمذي والحاكم، وهي عند المالكية من آكد الرواتب وأفضلها.

5) وقت الوتر:

ذهب المالكية: إلى أن أول وقت صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء الصحيحة ومغيب الشفق، فمن قدم العشاء في جمع التقديم فإنه لا يصلي الوتر إلا بعد مغيب الشفق. وأما آخر وقت الوتر عندهم فهو طلوع الفجر، إلا في الضرورة، وذلك لمن غلبته عيناه عن ورده فله أن يصليه، فيوتر ما بين طلوع الفجر وبين أن يصلي الصبح، ما لم يخش أن تفوت صلاة الصبح بطلوع الشمس. فلو شرع في صلاة الصبح، وكان منفرداً، قبل أن يصلي الوتر، ندب له قطعها ليصلي الوتر. ولا يندب ذلك للمؤتم، وفي الإمام روايتان.

واتفق الفقهاء: على أنه يسن جعل الوتر آخر النوافل التي تصلى بالليل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً”. رواه البخاري ومسلم.

فإن أراد من صلى العشاء أن يتنفل يجعل وتره بعد النفل، وإن كان يريد أن يتهجد – أي يقوم من آخر الليل – فإنه إذا وثق باستيقاظه أواخر الليل يستحب له أن يؤخر وتره ليفعله آخر الليل، وإلا فيستحب تقديمه قبل النوم، لحديث: “من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل” رواه مسلم وحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: “من كلّ اللّيل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أول اللّيل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السّحر” رواه البخاري ومسلم.

6) عدد ركعات صلاة الوتر:

عند المالكية: الوتر ركعة واحدة، لكن لا تكون إلا بعد شفع يسبقها. واختلف: هل تقديم الشفع شرط صحة أو كمال؟ قالوا: وقد تسمى الركعات الثلاث وتراً إلا أن ذلك مجاز، والوتر في الحقيقة هو الركعة الواحدة، ويكره أن يصلي واحدة فقط، بل بعد نافلة، وأقل تلك النافلة ركعتان، ولا حدّ لأكثرها. قالوا: والأصل في ذلك حديث: “صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى”.

وقالوا: لا يشترط في الشفع الذي قبل ركعة الوتر نية تخصه، بل يكتفي بأي ركعتين كانتا.

7) صفة صلاة الوتر:

أولاً: الفصل والوصل:

المصلي إما أن يوتر بركعة، أو بثلاث، أو بأكثر:

أ- فإن أوتر المصلي بركعة – عند القائلين بجوازه – فالأمر واضح.

ب- وإن أوتر بثلاث، فله ثلاث صور:

الأولى: أن يفصل الشفع بالسلام، ثم يصلي الركعة الثالثة بتكبيرة إحرام مستقلة. وهي المعيّنة عند المالكية، فيكره ما عداها، إلا عند الاقتداء بمن يصِلُ.

الثانية: أن يصلي الثلاث متصلة سرداً، أي من غير أن يفصل بينهن بسلام ولا جلوس، وهي عند الشافعية والحنابلة أولى من الصورة التالية. واستدلوا لهذه الصورة بأن النبي صلى الله عليه وسلم: “كان يوتر بخمس، ولا يجلس إلا في آخرها”، وهذه الصورة مكروهة عند المالكية، لكن إن صلى خلف من فعل ذلك فيواصل معه.

الثالثة: الوصل بين الركعات الثلاث، بأن يجلس بعد الثانية فيتشهد ولا يسلم، بل يقوم للثالثة ويسلم بعدها، فتكون في الهيئة كصلاة المغرب، إلا أنه يقرأ في الثالثة سورة بعد الفاتحة خلافاً للمغرب، وهذه الصورة هي المتعينة عند الحنفية.

ج- أن يصلي أكثر من ثلاث:

وهو جائز عند الشافعية والحنابلة.

قال الشافعية: فالفصل بسلام بعد كل ركعتين أفضل، لحديث: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر بإحدى عشرة ركعة ويسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة” ويجوز أن يصلي أربعاً بتسليمة، وستاً بتسليمة، ثم يصلي ركعة، وله الوصل بتشهد، أو تشهدين في الثلاث الأخيرة.

وقال الحنابلة: إن أوتر بخمس أو سبع فالأفضل أن يسردهن سرداً فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث عائشة – رضي الله عنها -: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها” رواه مسلم. ولحديث أم سلمة  رضي الله عنها – قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس، وسبع، لا يفصل بينهن بتسليم” رواه النسائي.

وإن أوتر بتسع فالأفضل أن يسرد ثمانياً، ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلّم.

ويجوز في الخمس والسبع والتسع أن يسلم من كل ركعتين.

وإن أوتر بإحدى عشرة فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد عشراً، ثم يتشهد، ثم يقوم فيأتي بالركعة ويسلم، ويجوز أن يسرد الإحدى عشرة فلا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرها.

ثانيا: الجهر والإسرار:

قال المالكية: تأكد ندب الجهر بوتر، سواء صلاه ليلاً أو بعد الفجر.

ثالثا: ما يقرأ في صلاة الوتر:

اتفق الفقهاء على أنه يقرأ في كل ركعة من الوتر الفاتحة وسورة. والسورة عند الجمهور سنّة، لا يعود لها إن ركع وتركها.

وذهب المالكية والشافعية – كذلك- إلى أنه يندب في الشفع (سبح، والكافرون)، أما في الثالثة فيندب أن يقرأ (بسورة الإخلاص، والمعوذتين)، لحديث عائشة – رضي الله عنها – في ذلك. لكن قال المالكية: لا يندب ذلك إلا لمن له حزب، أي قَدْر من القرآن يقرؤه ليلاً، فيقرأ من حزبه في الشفع والوتر.

رابعا: القنوت في صلاة الوتر:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القنوت في الوتر مشروع في الجملة، واختلفوا في أنه واجب أو مستحب، وفي أنه يكون في جميع ليالي السنة أو في بعضها، وفي أنه هل يكون قبل الركوع أو بعده، وفيما يسن أن يدعو به، وفي غير ذلك من مسائله. وذهب المالكية إلى أن القنوت في الوتر مكروه.

8) الوتر في السفر:

لا يختلف حكم صلاة الوتر في السفر عنه في الحضر، فمن قال: إنه سنة، وهم المالكية والشافعية والحنابلة فإنه يسن في السفر كالحضر.

9) أداء صلاة الوتر في جماعة:

وقال المالكية: يندب فعلها في البيوت ولو جماعة إن لم تعطل المساجد عن صلاتها بها جماعة. وعللوا أفضلية الانفراد بالسلامة من الرياء، ولا يسلم منه إلا إذا صلى وحده في بيته.

10) نقض الوتر:

من صلى الوتر ثم بدا له بعد ذلك أن يصلي نفلاً، فإن ذلك جائز بلا كراهة عند الشافعية ولو صلى مع الإمام التراويح، ثم أوتر معه وهو ينوي القيام بعد ذلك، فلا بأس أن يوتر معه إن طرأت له النية بعده أو فيه. أما إن طرأت له قبل ذلك فيكره له على ما صرح به المالكية.

وإذا أراد أن يصلي بعد الوتر فله عند الفقهاء طريقتان:

الطريقة الأولى: أن يصلي شفعاً ما شاء، ثم لا يوتر بعد ذلك.

وقد أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة بهذه الطريقة وهو مروي عن أبي بكر وسعد وعمار وابن عباس وعائشة – رضي الله عنهم -، استدلوا بقول عائشة – رضي الله عنها – وقد سئلت عن الذي ينقض وتره فقالت: “ذاك الذي يلعب بوتره” رواه سعيد بن منصور. واستدلوا على عدم إيتاره مرة أخرى بحديث طلق بن علي مرفوعاً: “لا وتران في ليلة” رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ولما صح: “أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين” رواه ابن ماجه.

والطريقة الثانية: عند الشافعية: أن يبدأ نفله بركعة يشفع بها وتره، ثم يصلي شفعاً ما شاء ثم يوتر، وهو مروي عن عثمان وعلي وأسامة، وسعد وابن عمر وابن مسعود وابن عباس – رضي الله عنهم – ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً” رواه البخاري ومسلم.

11) قضاء صلاة الوتر:

ولا يقضي الوترَ عند المالكية إذا تذكره بعد أن صلى الصبح. فإن تذكره فيها ندب له إن كان منفرداً أن يقطعها ليصلي الوتر ما لم يخف خروج الوقت، وإن تذكره في أثناء ركعتي الفجر فقيل: يقطعها كالصبح، وقيل: يتمها ثم يوتر.

12) التسبيح بعد الوتر:

يستحب أن يقول بعد الوتر: “سبحان الملك القدوس” ثلاث مرات، ويمد صوته بها في الثالثة، لحديث عبد الرحمن بن أبزى قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة” رواه النسائي.