تضمنت وثيقة: “جميعا من أجل الخلاص” التي أصدرها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان خلال دورته الثانية عشرة يوم27 ذي القعدة 1428هـ الموافق لـ: 08 دجنبر2007م تشخيصا شاملا لما يتخبط فيه المغرب، وما يعاني منه الشعب المغربي من معضلات مركبة، وبقدر ما تعددت المواقف من الوثيقة في بعدها السياسي، بقدر ما أجمع المتتبعون على الوثيقة في بعدها التشخيصي الوصفي للواقع المغربي، وهذا يسجل للوثيقة، أي أن الجهة التي أصدرتها تحرت الصدق والعلمية وربأت بنفسها عن المزايدات السياسية.

ونظرا لتشعب القضايا التي تناولتها الوثيقة، وسعيا للتدقيق نتناولها بشيء من التفصيل، ونبدأ بالمسألة الشبابية نظرا لمحورية الشباب في أي إقلاع أو تنمية؛ لقد رصدت الوثيقة الواقع الشبابي وما يشوبه من اختلالات يمكن حصرها في:

1. مأساة التعليم: “إن مأساة التعليم بالمغرب أشبه ما تكون بحرب شرسة تشن على أعز وأغلى ما تمتلكه الأمم، الأطفال والشباب: انقطاع عن الدراسة بنسب مرعبة في التعليم الابتدائي والثانوي، اكتظاظ أفقد العملية التعليمية كل طعم إلا طعم المرارة، بيع للمؤسسات التعليمية، نقص كبير في الأطر بكل الأسلاك مدرسين وإداريين وموظفين وأعوانا..” (ص:3)، “وإذا كان مد الهدر المدرسي يغذي هذه الفاجعة: (400.000) منقطع في سنة واحدة، اضربها في عشر سنوات مثلا..” (ص:5)

تقول الإحصاءات الرسمية: إن 13% فقط من التلاميذ الذين يسجلون بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي يحصلون على شهادة الباكالوريا، أي 87% تنقطع بهم السبل التعليمية في مختلف الأسلاك يتقدمها السلك الإعدادي، وأكبر ضحاياها من شباب الوسط القروي وتمثل الفتيات الأغلبية الساحقة، وهذا المعطى يشهد وبالملموس على فشل السياسة التعليمية قياسا على ضرورة خدمتها للتنمية من خلال تأهيل العنصر البشري وإكسابه المهارات والخبرات الإنتاجية: تعليم معزول عن تطلعات المجتمع وانتظارات شبابه، فعوض أن يكون قاطرة الإقلاع التنموي تحقيقا لرخاء اقتصادي يوفر للإنسان أسباب الكرامة، وينمي الاعتزاز بالانتماء للوطن، غدا عبئا على خزينة الدولة (26% من مجموع الميزانية العامة) ووسيلة لهدر الطاقات ووأد الكفاءات وإقبار النوابغ، ومن نجا من “أنفلونزا” الهدر يجد نفسه مضطرا للهجرة إلى حيث يحتفل بكفاءته ويعترف بنبوغه.

2. الانحراف والتشرد: “والأخطر من كل ما سبق الانهيار الخطير للمستوى التعليمي والخلقي للتلميذ في كل الأسلاك، إلا زهرات قليلة لا تملك إلا أن تذبل وسط أمواج من الشباب والأطفال أحالتهم سياسة القلوب والعقول المتحجرة إلى حطام بشري..” (ص:4)، “وأخرى أشد وأنكى. هذه الجحافل من الأطفال المشردين الذين أصبحوا يؤرقون كل من له أدنى حس أو أبسط تطلع لمستقبل البلاد: شرود خطير، وانحراف أخطر، وإجرام لا يتوقف. وثالثة الأثافي المخدرات في صفوف أطفالنا وشبابنا، ذكورا وإناثا، في صفوف المتمدرسين وغيرهم.

لقد أصبحت السلع القاتلة رائجة على أبواب المؤسسات التعليمية التي أصبحت أسواقا ومراتع خصبة للأمراض النفسية والعقلية والأوبئة الخلقية المرتبطة بهذه الآفة.”(ص:5).

من آفات “منظومتنا” التربوية هو إقصاؤها لكل ما هو تربوي يهتم ببناء الشخصية السوية القادرة على الاندماج والتفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي، وحصرها العلاقة بين المدرس والمتعلم ـ في أحسن الأحوال ـ في جانبها المعرفي، وتغييبها الأساس التربوي القائم من جهة المدرس على القدوة الحسنة والأبوة الحاضنة، والمؤسس من جهة المتعلم على التوقير والاحترام من خلال تكريس منظومة علائقية قاعدتها التشنج والتوتر ضيع العملية التربوية، وأذكاها غياب الأسرة واستقالتها من وظيفتها التربوية لاعتبارات متعددة يأتي على رأسها الكدح من أجل تحصيل المتطلبات الحياتية للأسرة، لتستفرد المخططات التخريبية للقيم والأخلاق مستعينة بخدمات وسائل الإعلام والشبكة العنكبوتية بثا لسموم الانحراف والرذيلة المعولمة.

لا جدال أن المكان الطبيعي للأطفال والشباب عموما هو الفضاء التربوي تهذيبا للنفوس وصقلا للمواهب واكتشافا للمؤهلات، وإلا فكبر على المجتمع أربعا؛ فلا خير في مجتمع يسكت عن استغلال أطفاله، ولا مستقبل لبلد يسلم أطفاله وشبابه للانحراف والضياع.

3. تشغيل الأطفال: “تشغيل الأطفال ذكورا وإناثا من الظواهر الخطيرة التي ترتبنا في أسفل السلم مع المجتمعات المتخلفة. فالإحصاءات الرسمية تنبئ بحقائق مخيفة: أزيد من 30% من الأطفال يشتغلون ما بين7 سنوات و17 سنة، و90% من هؤلاء المشغلين لهم من العمر ما بين 10 و14 سنة..”، “إن الصورة تزداد سوداوية إذا علمنا أن 30% من الأطفال المشغلين لم تر أعينهم سبورة قط… عن أي تشغيل نتحدث؟ تقول الأرقام الحكومية: 31% منهم يشتغلون بدون مقابل و53% تبتعد “أجورهم” عن الحد الأدنى بكثير وما أدراك ما الحد الأدنى؟ أما الحديث عن التغطية الصحية والتغذية والوقاية فحديث خرافة..” (ص:5)

إن آفة تشغيل الأطفال مؤشر بارز على غياب العدالة الاجتماعية في حدها الأدنى، فالفقر والعوز يدفع بالأسر للسماح بتشغيل الأطفال، ونفس العامل المادي للأسر كان ـ وبشكل مباشر ـ وراء التعثر الدراسي، أضف عاملا آخر هو عزلة الوسط القروي، عوامل تكاثفت لتحرم شريحة كبيرة من الأطفال من حقهم في التعلم والتأهيل، فصاروا “أدوات” تدير دواليب قطاعات ووحدات إنتاجية بأجور زهيدة وفي ظروف عمل تستبيح براءة طفولتهم، وتهييء لهم فرص انحراف متعددة.

4. البطالة والتهجيـر: “وأن تجد ـ أي المتتبع ـ أفواجا من العاطلين تجاوز عددهم مليونا ونصف مليون ثلثهم حملة شهادات عليا يجلد المطالبون منهم بالشغل على مدار السنة أمام المؤسسات التمثيلية في العاصمة وفي مختلف المدن المغربية..”، “وبسبب هذه الاحتقانات الاجتماعية، يغامر شبابنا المغربي عبر قوارب الموت محاولا عبور البحر إلى الضفة الأخرى في عمليات مأساوية مستمرة لسنوات خلفت آلاف القتلى لا بَواكي لهم، وفي استنزاف مستمر لزهرة عمر الأمة، الطاقة الشبابية، وسط لا مبالاة رسمية غريبة وكأن الأمر لا يتعلق بآدميين قبل أن يكونوا مغاربة لهم كل الحق أن يعيشوا في بلدهم بكرامة وشغل شريف.” (ص:6 و7).

البطالة أو العطالة شيء إذ هي قرار بعدم العمل سمَّى دليل مديرية الإحصاء صاحبه نشيطا عاطلا، “وهو كل شخص لا يقل عمره عن 15 سنة، وصرح خلال فترة الإحصاء أنه لا يتوفر على “عمل”، ولكنه بصدد البحث عنه.” (دليل ومناهج الإحصاءات السكانية والسكنية بالمغرب 1994.ص: 99)، والتعطيل شيء آخر وهو استيفاء شروط العمل واحتراق الأوداج صراخا ومطالبة بالشغل أمام البرلمان، فلا يجد إلا سواعد مكافحة الشغب المفتولة تهوي عليه بالهراوات المستوردة بالعملة الصعبة.

دولة تعطل أبناءها وتحرمهم من عنوان الكرامة الآدمية وتدفع أفواجا منهم لركوب البحر، لا لقلة ذات اليد، ولا لشح الموارد، بل لإفلاس أساليب التدبير وسوء توزيع خيرات البلد وموارده، والأنكى من ذلك أن يتحول هؤلاء المغامرون إلى أهم موارد الخزينة من العملة الصعبة في مفارقة عجيبة، أي أن هذه الفئة التي تنكرت لها السياسات والمقاربات الاجتماعية فاضطروا اضطرارا للمغامرة، هم من ينعش الاقتصاد الوطني بتحويلاتهم من العملة الصعبة المبللة بعرق العمل في الحقول البلاستيكية تحت وهج شمس الأندلس.

قضية الشباب أم القضايا لحيوية هذه الفئة ومحوريتها في تحديد مستقبل أي مجتمع، فلا مناص من مراجعة المنظومة التربوية انطلاقا من هوية المجتمع ومشروعه المجتمعي توفيرا لأسباب الكرامة وشروط إقلاع تنموي حقيقي يشارك الجميع في أعبائه مثلما يستفيد من ريعه وخيراته، فقيمة المجتمعات تقاس بحجم ما توفره لأبنائها من خدمات وحقوق وحريات عامة تضمن انخراط الجميع في البناء.