الدعوة إلى الله فن يجيده الدعاة الصادقون صناع الحياة، وكان لزاما على من يحمل هم الدعوة أن يجيد إيصالها قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فالحكمة مخاطبة العقل بالبرهان والموعظة تحريك سواكن الوجدان، فيشرف الداعية على النفوس من شرفات التأثير ويبصرها بحسن العاقبة أو سوء المصير يبرق وجهه بمعاني الحلم ويعيش مخموم القلب يسعد بسعادة الآخرين.

ونظرا لما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من انحلال خلقي وخواء روحي وانحطاط فكري لبعدها عن تحكيم شرع الله تعالى وزيغها عن المنبع الصافي والنهج الوافي أصبح لزاما على الدعاة مراجعة الخطاب الدعوي حتى يتم وضع المفتاح المناسب على قفل مآسي الأمة وتخبطاتها الكثيرة والمتنوعة.

يخطر في فكر بعض المفكرين أن السبب الأساس لعجز الأمة وتداعي الأمم عليها هو تأخرها التقني والعسكري وتفرقها، والحقيقة أنه سبب هام بلا شك ولكنه ليس السبب الرئيس لأن سنة الله اقتضت أن النصر الحقيقي لأمتنا لا يتحقق إلا بالعودة الصادقة إلى خالقها والاستقامة على دينه، قال سبحانه وتعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) “سورة الرعد الآية 11″، وقد لوحظ على بعض الدعاة والمصلحين والمفكرين التركيز على الحلول الجزئية بما فيها الإكثار من نقد التوجه العالمي والتحدث عن الأسباب السياسية والمادية أكثر من النظر إلى الخلفيات الشرعية المتعلقة بهذه الأحداث، وعلى الرغم من سرور قلوبنا بما نقرؤه ونسمعه من العديد من الصادقين من تألم على واقع المسلمين اليوم لكن دون التركيز بدقة وإيضاح تام على الحل الجذري والحقيقي الذي يصل إلى قلب ويقين كل مسلم ويشعره بواجبه في التغيير…

وينسب كثير من الدعاة والمصلحين خروج الأمة من تخلفها وهوانها إلى الجهاد والوحدة التي تحقق للأمة عزتها ولا شك أن هذا تذكير نحتاجه لكن كيف الجهاد وما هو السبيل إليه؟ كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عندما يرسلان جيش المسلمين وقد ضم خيار الصحابة والتابعين يوصونهم بتقوى الله والحذر من الذنوب وأنها أهم العدة على الأعداء، فلا يمكن فصل تذكير الأمة بالجهاد عن تذكيرها بالتوبة والرجوع إلى الله ومساعدتها على ذلك بمنهاج واضح يقوم على التدرج والفاعلية، ومن إشكالات الخطاب الدعوي الإصلاحي أن توهم الأمة أن السبب الأساس في تخلفها هو الجانب التقني الفكري وقلة الموارد الطبيعية والبشرية رغم ما تزخر به من طاقات على جميع المستويات، إننا اليوم في حاجة إلى خطاب دعوي شامل يؤكد للمسلمين أنه لا عزة للأمة ولا خلاص لها مما هي فيه إلا بتطبيقها لشرع الله وتحكيمه منهج حياة كامل، الخطاب الدعوي الذي يربط جميع شؤون حياتنا وتحركاتنا وانفعالاتنا بعبوديتنا لله.

وإن صدق الإخلاص لله في جميع أمورنا مع التزامنا بالنهج الصحيح من أهم سبل نصرنا، ولذا ينبغي أن يركز الخطاب الدعوي على التدقيق في تشخيص الداء الذي ألم بالأمة بدل الانشغال بأعراضه، فالأهم من ذلك هو وصف الدواء المناسب لعلاج المرض الضخم الأساس الذي نتجت عنه كل تخبطات الأمة وانحرافاتها، وتخلفها وتفرقها، وتشتت آرائها وتوجهاتها، وقلة البركة في رزقها وضعفها وذلها وتسلط الطغاة عليها وتمكن الأعداء منها، وكل حالها المأساوي الذي تعيشه… ألا وهو عدم استقامتها على الإسلام دينا كاملا وبعدها عن صدق التمسك به. قال الله تعالى: (و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) “الشورى 30”.

بعد طي سجل الرسل والأنبياء وانقطاع الوحي من السماء، يقع واجب التغيير والبناء على العلماء ورثة الأنبياء ولا سبيل إلى ذلك إلا بتجديد الدين في نفوس المسلمين وتربيتهم على الصدق والإخلاص والدعوة إلى الله، فالأمة اليوم في حاجة ماسة إلى خطاب دعوي يعرض بطريقة مفصلة دقيقة تبين مسؤولية كل فرد ودوره في العودة والبناء والتغيير.