3- مقاصد القرآن الكريمأ- البعد العملي في نظرية التفسير البنائي للقرآن الكريم

إن الربط الحاصل، عند الحديث عن نظرية التفسير البنائي للقرآن الكريم، بين بناء الهرم المقاصدي للقرآن وبين بناء واقع إنساني يمتد من الفرد ويمر عبر الجماعة والأمة لقيام نظام عالمي إنساني تقام فيه مقاصد القرآن الكريم واقعا معيشا؛ إنما لتجنب الترف المعرفي الناتج عن البحث المجرد في القرآن الكريم، ذلك لأنه كتاب علم وعمل كما أقامته السنة النبوية المطهرة على كمال صورته ونموذجية عمله مع الصحابة الكرام. ولا يعني هذا إلغاء باقي المباحث المتعلقة باستكناه المضامين الإعجازية والعلمية من خلال ما يعرف بالتفسير العلمي للقرآن الكريم، ذلك أن لهذا فوائده، لكنه لا يجيب الجواب المباشر عن الضرورة العملية في البناء المرحلي والمتدرج في تحقيق المقاصد الكلية للقرآن الكريم وإن كانت له نتائج لا تنكر في الباب.

فسعي النظرية البنائية إلى كشف مقاصد القرآن الكريم الجامعة والكلية مبني على الحاجة العملية في كل تفاصيلها الضرورية في المستويات الأربع: الفرد، الجماعة، الأمة، الإنسانية.

فهي عملية تصاعدية بنائية أساسها نور القرآن الكريم علما والسنة النبوية تطبيقا ومنهاجا.

وهذا من الجديد الذي تتأسس عليه النظرية، إذ في نفس الوقت الذي تكشف فيه تلك المقاصد تجعلها بوصلة للحاجة العملية الضرورية التي تبحث عنها الإنسانية، والتي بعث من أجلها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما هو خاتم الأنبياء والرسل عليهم السلام والمتجلية في تحقيق الشروط الضرورية لقيام واقع العبودية الكامل لله تعالى عبر نظام الاستخلاف في كل أبعاده الفردية والكونية.

فالانتباه إلى البعد العملي في النظرية يحقق شرط الإجرائية فيها، فضلا عن أنه يحافظ على شموليتها وتماسكها حين الكشف عن المقاصد التي ينبغي ساعتها أن تدل على أهم الوسائل الكلية لإنجازها على أرض الواقع، وهو ما يتحدد بتحديد موقع السنة النبوية من القرآن الكريم، ذلك أن الموقع الذي يتحرك من خلاله المفسر البنائي مسألة هامة في ذلك الكشف وفي التطبيق، لأن الرسول، صلى عليه وعلى آله وسلم، إنما كان يتلقى القرآن منجما، بعد أن كان هو حقيقته الكلية، من موقع الجهاد الشامل؛ وهو قيام المجاهد الدائم بين يدي الله تعالى امتثالا لقول رب العزة: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:الآية162]، وعلى هذا الأمر كان الصاحبة الكرام رضي الله عنهم.

لذلك فالمفسر البنائي يستطيع لحظ البعد العملي في تفاصيله ومراحله منجمعة ومتناسقة حين يكون في موقع الجهاد الجامع لا في موقع الجالس على أريكة الترف معنى أو مادة أو هذه مجتمعة؛ فلئن كان واقفا على ثغر منفرد من ثغور المسلمين فهو وقوف المنخرط في سياق كلي جهادي جماعي نبوي ممتد في الزمان وجامع للعلم والمكان، وهو السر في ربط النظرية بين صناعة الهرم المقاصدي القرآني وبين البناء العملي الواقعي المبين أعلاه وفق تصور مستقبلي ومرحلي ومتدرج، فهو العمل، بلغة العصر، وفق مشروع مجتمعي متكامل وشامل مرعي برعاية نور القرآن.

وبهذا يحصل الجمع علميا وعمليا في المستويات التالية:

1- بين مصالح الفرد في السلوك إلى الله تعالى على مدارج السالكين تحقيقا لمعاني العبودية في أحسن صورها ومقاماتها الإحسانية، وبين مصالح الجماعة في عملية بنائها وجهادها وفق روح الجماعة النبوية وعلى أفضل صور الجهاد من بذل وعطاء لا حدود له لأفرادها تنظمه قواعد التنافس القرآني: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) [النساء: الآية 95]. وقال سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )[التوبة: الآية 20]

2- بين مصالح الجماعة المجاهدة، التي ينبغي أن يسعى لتكوينها رجال الدعوة إلى الله تعالى، وبين مصالح الأمة في ضرورة توفير شروط قيامها لتوفر عناصر حمل الرسالة المحمدية للعالمين. قال الله تبارك وتعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )[ آل عمران الآية 104].

3- بين مصالح الأمة في أن تعيش واقع التكريم والقوة والعزة وبين مصالح الإنسانية في كون الله تعالى تحقيقا لقيم الاستخلاف على قواعد العدل الشامل: قال الله جل وعلا: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)[البقرة الآية 143]. وقال سبحانه:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)[آل عمران:الآية 110].

إن نظرية التفسير البنائي للقرآن الكريم محاولة لتجسيد المضامين العبادية والإنسانية العظيمة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع صحابته الكرام وفق ظروفهم والشروط الموضوعية لزمانهم ومكانهم والتي بلغ علماؤنا، رحمهم الله، الجهد لبيانها. وبذلك، فهي بالقدر الذي ترصد تلك القيم والمضامين العظيمة، بالقدر نفسه تفتح أفقا للتجديد والاجتهاد باعتبار شروط الزمان والمكان ناظرة إلى أفق بعيد وفق وعي مستقبلي قرآني ممتد في الزمان والمكان ومخترق له للوقوف على معاني المصير الذي ينتظر الفرد في حياته الثانية والإنسانية في دورتها التاريخية المتجددة تجاه تحقيق مطالب العدل والاستقرار والأمن والاطمئنان العالمية.

في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى نقف مع مقاصد القرآن الكريم ومعانيها