الفصل الثاني: في تصور التغيير

مقاصد التغييرأنظر في هذه المقاصد مقارنا إياها مع الفكر الماركسي الذي زعم العلمية والشمولية في قراءة التاريخ والمستقبل، وأنه يملك مفتاح السعادة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الدين فهو أفيون. لكنه عند الامتحان هان وكان عاقبة أمره خسرا.

الفطرة والمسخ

كل مظاهر الحياة رهن علاقة الإنسان بربه. هذه العلاقة هي مناط الابتلاء والفتنة. “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا “. (سورة الملك الآية 2)

في الماركسية علاقة الإنسان بالطبيعة هي أصل مظاهر الحياة.

خلق الله عز وجل الإنسان لعبادته، ليجعل من صلته به أصلا راسخا، على أرضه تنبت صلته بالكون والإنسان. وذهبت الماركسية مذهب أصلية صلة الإنسان بالكون، فلا إله والحياة مادة.

بينما تكون صلة الإنسان بربه ملاك حياة الإنسان، فإما شقيا وإما سعيدا، يكون مناط مصير الإنسان شقاء وسعادة في نحلة ماركس، علاقة الإنسان بالطبيعة. فإن هو يباشر حقه فيها، ولم يحل حائل بينه وبينها سعد. وإن هو حيل بينه وبين ما يشتهي فيها شقي.

سبحان الله! كما المؤمن سعادته بربه، وشقاؤه إن صد عن سبيل الله.

زعمت الماركسية أن أصل البلاء في دنيا الإنسان، هو أن يجعل بينه وبين الطبيعة موبقا. وعلمنا أنه من يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا، وأن له معيشة ضنكا، وأنه يحشر يوم القيامة أعمى.

تبنى الماركسية بنيان صلاحها وإصلاحها، على إعادة حق الإنسان في الطبيعة إلى نصابه. ولا يكون ذلك إلا بالقضاء على الملكية الخاصة؛ إذ هي سلبت حق الإنسان في الملك العام. وهذا مناط الظلم والاستعباد.

لا يكون الإنسان سعيدا، بعيدا عن ذكر الله، وحبه لله، ونيل حظه من الله، وحقه في معرفته ولقائه. وحقه هذا إن سلب بعضه، كان هذا السلب مناط الظلم العظيم والصد عن سبيل الله. هذا هو الشرك تجزيئ للألوهية وخوصصتها؛ فهذا يملك الشمس وذاك يملك.. شركاء متشاكسون، فيكون الفساد في الأرض.

حيث تكون خوصصة الطبيعة مناط شقاء الإنسان في دين الماركسية؛ يكون الشرك بالله وزعم نزع شيء من ألوهيته، تعالى الله، مناط شقاء الإنسان؛ إذ سلب حقه الكامل في الله. ولا يفوز بالله إلا بتوحيده إلها وربا.

نبه ماركس أن الفكر والدين، فرع عن صلة الإنسان بالطبيعة. والسياسة والاجتماع والفلسفة والدين وكل جوانب الحياة الإنسانية، ملاك أمرها وأمير سيرها، هو الاقتصاد والاقتصاد وحده. الفكر عنده ضلال؛ لأنه لسان الظلم، وعقل من له السلطة والغلبة. ومن رام التغيير من جهة الفكر ضل؛ لأنه فكر من غلب. وإنما التغيير الحقيقي يرجع فيه إلى أصله، وهو الاقتصاد؛ صلة الإنسان بالطبيعة؛ نمط الإنتاج.

نظرة الإسلام تكشف أن الفقه الموروث تخذه الحاكم المستبد ركنا شديدا يأوي إليه. فيرجع في تمحيصه إلى علاقة الناس بربهم، فهي مناط العلم.

“وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (سورة البقرة آية282)

فهم الدين انحرف بانحراف الحكم. ومن رام الدين وفهمه، دون إعادته إلى أصله، وهو النموذج النبوي في عقد الصلة بالله وعبادة الله، فهو بعيد عن المنهاج النبوي؛ إذ لم ينتبه أن فهم الدين، مع انحراف الحكم ووجود الظلم وبلى الإيمان، يمسه الانحراف.

لذا لزم البناء على الأصل. والأصل هو تغيير ما بالنفس، بدءا بإعادة صلة الإنسان بربه، عملا صالحا، بعد إيمان حي.

لا يكون التغيير من التأمل في الفكر، وطلب الحقائق منه، وتغيير الواقع من خلاله، وتغييره لتغيير ما بحياة الإنسان؛ إذ الفكر فرع عن أصل. هو عند الماركسية علاقة الإنسان بالطبيعة. وهو في الإسلام علاقة الإنسان برب الإنسان.

يرى الفكريون أن الفكر مجرد عن الإرادة، وعن واقع الإنسان الاجتماعي. أو هم يجردونه من ذلك، ويربطون بين جوانبه ربطا منطقيا. وهو إنما انعكاس لواقع اجتماعي متغير، وإرادة متقلبة. ثم بعد ذلك يضفون عليه طابع الاستقلال، والعمل الذاتي والمطلق. ثم يضفون عليه واقعية، لفلان أو علان. وهكذا يقعون في وهم الفكر، حسب ماركس. وهو ضلال عن الواقع، ومجانبة في فهمه صارخة.

ما الفكر حسب ماركس سوى فرع عن واقع الاقتصاد. على قاعدة صلة الإنسان بالطبيعة حاجة، وتلبية حاجة، يصل الإنسان الإنسان، من طريق العمل المشترك في الطبيعة. تجمع الناس الطبيعة؛ المصلحة المادية. نواة هذا التجمع وبدايته كان هو الأسرة، ولا يزال. على أصل العلاقة الاقتصادية، تنبني العلاقة الاجتماعية، سياسية وفكرا ودينا. علاقة الاجتماع بين الناس، فرع عن علاقة الاقتصاد. والبدء، والأصل، علاقة الإنسان بالطبيعة.

ألا إن صلة الإنسان بربه، هي عمود الدين. هي أوله وآخره. ثم يربط صلته بأخيه الإنسان، عملا صالحا بعد حب في الله. كله قربى إلى الله وتعبير عن عبادة.

وعن صلة الإنسان بربه، وصلته ببني جنسه في ربه، وفي مرضاة ربه، تتفرع صلاته سياسة واقتصادا واجتماعا. السياسة والاقتصاد والفكر، كل أولئك فرع عن صلة الإنسان بالله عز وجل.

فإن ريم التغيير، ﻓـ”إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”. (سورة الرعد آية 11)

من صلة الإنسان بربه، تبدأ مسيرة التحويل والبناء. ومن صلة الإنسان بالطبيعة يبدأ البناء الماركسي.

على قاعدة الحاجة إلى الله صدقا مع الله، والعمل الصالح لنيل رضا الله ذكرا لله، وتنسم معاني القرب من الله صحبة في الله؛ يتطهر الإنسان، ويرتقي الإنسان، ويسعد الإنسان.

أما دين ماركس، فيجعل سعادة الإنسان، تكون من حاجته إلى الطبيعة، والعمل لأجل تلبيتها، والعمل المشترك مع بني جنسه من أجل ذلك.

حيث يرفع الإسلام الإنسان إلى السماء، ترده الماركسية أسفل سافلين.

حيث يهيب الإسلام بالإنسان ليكون ربانيا، تشيئه الماركسية التشييء المطلق؛ فيكون شيئا كما هي الطبيعة شيئا.

أن يندمج الإنسان في الطبيعة، وتندمج هذه فيه. هذا غاية الأمر ومنتهى السعادة. ثم ينظر إلى الإنسان الآخر، أنه تجل للطبيعة. هذا أصل العلاقة الاجتماعية. المرأة طبيعة للرجل، واعكس فقد صح في معادلة ماركس.

يرى المومن في أخيه، تجليا للوجود الإلهي، والفعل الإلهي. ويحبه على هذا أصلا. ويعقد رابطته به على هذا الأصل، تقربا إلى الله، وتلبية حاجة إلى الله عز وجل.

قالت الماركسية: لولا حاجة الإنسان إلى الطبيعة، ما كان استلاب. وقال الإسلام: لولا حاجة الإنسان إلى الله، ما كانت فتنة.

كيف الخلاص من الاستلاب؟

القضاء على الملكية الخاصة. ومنح الإنسان حقه الكامل في الطبيعة. هذه الشيوعية؛الجنة الموعودة.

كيف الخروج من الفتنة؟

أن ينال الإنسان حظه من الله كاملا، وأن يدل على الله، وأن يكون المجتمع مجالا مطلقا للتقرب من الله، والدلالة على الله، وأن يكون الدين كله لله. لا يكون لأحد حظ في هذا الدين، فهذا شرك، والشرك ظلم عظيم.

حيث ينال الإنسان حريته، في مباشرة الطبيعة في ظل الشيوعية، فلا صراع ولا تظالم؛ ينال الإنسان المومن حريته في صلته بالله، في ظل الأخوة والعمران الأخوي، بعيدا عن الصراع والفرقة والفتنة.

حيث ترى الماركسية، في حق الإنسان الكامل في الطبيعة، الجامع بين الناس؛ يرى الإسلام في حق الإنسان الكامل في الله ومعرفته وحبه، الجامع بين الناس. والطبيعة مسخرة وليست إلها.