لا يختلف اثنين في أن مرافق الدولة وبدون استثناء دب فيها الفساد وتفوح منها كل الروائح الكريهة التي تزكم الأنوف. ولا يكاد المرء يصدق عينيه وهو يقرأ كل هذه التقارير الدولية عما آلت إليه الأوضاع في وطننا، ولعل آخر هذه التقارير- لحد هاته الساعة  ما يتعلق بالتعليم والتي كانت كارثية وبكل المقاييس ولكن لا حياة لمن تنادي. بلدنا كما عودنا دائما كان في الموعد مع الحدث، واستطاع أن ينتزع بكل سهولة الأرقام الأخيرة، ويحتفظ لنفسه وبدون منازع بالرتبة الذيلية بفضل السياسة “الرشيدة” المسيطرة.

حينما يصير الوضع إلى هذا المستوى وفي هذا الميدان الحيوي فمعنى ذلك أن الفساد قد مر قبل ذلك وبكل تأكيد على كل القطاعات وتركها خاوية على عروشها.

لا نحصد إلا الفشل الذريع، والهزائم المتتالية، وفي جميع الميادين، سواء كان الأمر جدا أو لعبا، وكأننا كنا على موعد مع العبث بإقصاء المغرب من كأس الأمم الإفريقية واكتشفنا أن مدرب الفريق الوطني قد فشل في مهمته، فحاكمناه وطردناه، تكفيرا عن خطايا كل الفاشلين في بلدنا ابتداء من الذين استقدموه وأغدقوا عليه ملايين الدراهم من أموال الشعب المسكين المفقر.

لماذا تغيب عن هذه المحاسبة والغيرة ولا يتم توزيعها بالعدل على مختلف مجالات العمل الوطني. فما فشل فيه هذا المدرب الأجنبي أهون بكثير مما فشل فيه الراقصون على جراحنا، والجاثمون فوق صدورنا ومنذ عقود. لا يمكن أبدا المقارنة بين خسارة معنوية وأدبية وبين تدمير الإنسان وتخريب البلد بأكمله، انحطاط في القيم، إفلاس في التعليم، خراب في الاقتصاد، نهب لأموال الشعب، ديون متراكمة …الخ.

لماذا انتشر كل هذا الفساد في المغرب على هذا النحو الذي تجاوز كل الحدود المعقولة؟ من أوصل البلد إلى هذه النهاية المأساوية؟ هل تبين الفاعل الحقيقي والمسبب لكل هذا الخراب؟ من المسؤول عن تهميش المجتمع في الانخراط والتفاعل الإيجابي مع قضاياه؟ من المسؤول عن الفراغ الذي يعيشه المجتمع الذي سلبت منه السيادة والكرامة وحرم من ممارسة حقوقه وحرياته وابتذلت فيه معاني القانون والشرعية والعدالة لتكريس مرحلة ظلم سافر واستبداد غاشم؟.

لا بد من الإجابة بكل وضوح عن هذه الأسئلة لأن المنطق يرى أن كل إجابة ناقصة أو غير واضحة أو غير صحيحة ما هي إلا ساحة لتناسل أسئلة لا متناهية أو حلول مشوهة لا تزيد الوضع إلا تأزما.

لن نضفر بطائلة من جواب إن لم ننطلق بقاعدة صحيحة واضحة تجلي حقيقة واقعنا، وتكشف مختلف مكوناته وتشكيلاته وطبيعة ما يحكمه من تسلط وجور.

لا بد من تسمية الأشياء بمسمياتها “قُلْ سَمُّوهُمْ”، وتحديد الهدف وتعيين ذلك بما لا يدع أي مجال للشك أو الغموض.

ذكر ابن الأثير في تاريخه “الكامل”: “كان الوليد بن عبد الملك “الخليفة الأموي” صاحب بناء، واتخاذ المصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء. وكان سليمان بن عبد الملك صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن النكاح والطعام. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن الخير:ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من الشهر؟”.

أورد الطبراني في تاريخه قصة الجندي الذي حمل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سيف كسرى وجواهره بعد هزيمة الفرس أمام جيش المسلمين، فقال له أمير المؤمنين رضي الله عنه “إن قوما أدوا هذا لذو أمانة” فعقب سيدنا علي كرم الله وجهه موجها كلامه إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلا: “إنك عففت فعفت الرعية”.

دخل الليث بن سعد فقيه مصر الأشهر يوما على هارون الرشيد الذي سأله: يا ليث ما صلاح بلدكم؟ فكان رده: يا أمير المؤمنين، صلاح بلدنا إجراء النيل -جريانه- وصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر فإذا صفى رأس العين صفت العين”.