تتعاضد كثير من العناصر لتقوية العزم على التغيير، وتجديده وصيانته، ذكرها الأستاذ عبد السلام ياسين في أكثر من موضع وحثّ عليها في أكثر من وصية، تارة بالتصريح والتفصيل وتارة بالتنبيه والإجمال، وهي كثيرة، أذكر منها الآتي:

1- التوبة والاستغفار:

إذا كانت الذنوب والآثام تقيّد إرادة المؤمن، وتضعف همّته وتقضي على عزيمته، فإنّ التوبة والاستغفار تنظّف القلب وتبعث فيه دواعي التغيير من جديد، بدليل صيغة دعوة سيدنا هود عليه السّلام لقومه إذ قال الله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾(1).

2- طاعة الله تعالى في نصرة دعوته:

لقد أمرنا الله عزّ وجلّ أن نعمل ونجدّ ونصبر على الأذى حتى تصبح كلمة الله هي العليا، نصرة لدين الله تعالى، وباعث الطّاعة هو أفضل البواعث وأعظمها.

3- الحفاظ على الأذكار:

فالذّكر يجدّد الإيمان ويبعث على العمل وينعش العزم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت»(2).

4- صيانة الصّحبة:

تتأثّر الصّحبة في بعض الأحيان حسب الظروف ونوع البلايا، مما يتطلّب تعاهدها بالمتابعة والوقاية والعلاج، وذلك من أجل اتباع من يضع قدمنا على قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويدعو إلى الله على بصيرة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾(3).

5- التريّث وطول النفس:

إنّ النصر عطاء من الله تعالى، ولن نعطى النّصر حتّى نأخذ بالسنن الكونية التي جعلها الله شرطاً لذلك، وتتمركز هذه الشروط كما وضّح الأخ المرشد في عنصرين أساسيين، وهما الترقي الإحساني والاستعداد العدلي، حيث أشار إلى ذلك في كتابه “تنوير المؤمنات” بالآيتين الآتيتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾(4)، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾(5)، ويسير في معنى شرطية استكمال شروط النصر عدّة معاني، منها: “إذا أراد الله عبداً لأمر هيّأه له”.

6- التوكل:

يندرج التوكّل في صفّ ثوابت السياق الإحساني، باعتباره شرطاً لحصول النّصر، وينبني التوكّل على أمرين أساسيين: استفراغ الوسع في اتخاذ الأسباب، والاعتماد على الله تعالى وعدم الاعتماد على الأسباب. وهذا من أقوى تجليات تزكية التوكل للعزيمة؛ فمهما بلغ الإنسان من استعداده الكمّي والكيفي بقي عزمه مشتعلاً ما دام رجاؤه في الله، ومتى اعتمد على الأسباب ضعف عزمه وكان أقرب إلى الهزيمة، ولنا في غزوة حنين خير مثال: قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾(6). كذلك إذا نظر العبد إلى الأسباب الموجودة بعين القّلة ونسي معونة الله عزّ وجلّ ضعف عزمه ثم مات، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾(7). وضرب الله لنا مثلاً فئة آمنت توكّلت على الله وقاتلت مع طالوت فانتصرت: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(8)، وقال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(9).

7- اليقين في النّصر:

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(10)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾(11)، وجاء في سورة الروم: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾(12)، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(13)، وبيّنت السنّة هذا الموضوع بجلاء في حديث الخلافة وغيره.

8- تجاوز الأخطاء والتغاضي عنها:

تتحرّر العزيمة كذلك إذا تحرّر المؤمن من قيد خطأ ارتكبه أو ارتكبه غيره، وخرج من سجن اللوم والتبرير والنقد والمحاسبة.إلى تجديد النية والاستفادة من الخطأ ثم الإقدام بثقة في الله تعالى.

9- الصّبر على الأذى:

شاء الله تعالى أن تبتلى هذه الأمّة منذ نشأتها، رغم إنعام الله عليها بخير الخلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فسارت سنة الله فيها إلى يومنا هذا، ولن يحسن آخرها إلاّ بما حسن أوّلها، وذلك بالصبر على أذى الآخرين والمضي قدماً نحو الأفضل، اتباعاً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم والصّحابة رضوان الله عليهم، وهم المخاطبون بقول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾(14). وقال سبحانه وتعالى مسلياً للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد(15): ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾(16).

10- الصّبر على تكذيب الآخرين:

ولقد خاطب الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلّم في أكثر من موضع مواسياً له بأن يصبر على تكذيب قومه له، إذ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾(17)، وقال عزّ وجلّ ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾(18) أي اصبر على تكذيب القوم لك(19)، وقال سبحانه في موضع آخر: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾(20)، قال ابن كثير: “يعني المكذبين، اصبر عليهم واهجرهم هجراً جميلاً”. إلى غير ذلك من الآيات التي تحثّ الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام على الصبر وتحثّنا نحن بالتبعية لرسول الله صلى الله عليه وسلّم على ذلك.

11- الإعراض عن الجاهلين وعدم الردّ على كلّ مغرور أو الاستجابة لاستفزازات الغير:

لأنّ ذلك فيه مضيعة للوقت وإضعاف للعزيمة وانشغال عن المقصد. قال عبد الله بن عباس: “قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه، الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبابا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله”(21).

————————————————

(1) سورة هود (52)

(2) صحيح البخاري، باب فضل ذكر الله عز وجل،رقم الحديث: 6044

(3) سورة يوسف (108)

(4) سورة الرعد (11)

(5) سورة الأنفال (60)

(6) سورة التوبة (25)

(7) سورة القصص (5)

(8) سورة البقرة (249)

(9) سورة آل عمران (126)

(10) سورة محمد (7)

(11) سورة النور (55)

(12) سورة الروم (6)

(13) سورة الروم (47)

(14) سورة آل عمران (186)

(15) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي.

(16) سورة آل عمران (146)

(17) سورة الأنعام (34)

(18) سورة طه (130)

(19) انظر تفسير ابن كثير

(20) سورة ق (39)

(21) صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم الحديث:4366.