في مجلس من مجالس النصيحة التربوية التي تعقدها الجماعة باستمرار، ألقى الأستاذ بنسالم باهشام، أحد علماء جماعة العدل والإحسان، كلمة مستفيضة حول صفات الربيين في القرآن الكريم، فيما يلي الجزء الثاني من هذه الكلمة:

ما يستفاد من الآيات

1 ـ إدراك الربانيين لضرورة الصحبة وأهميتها، إذ لم يزدهم علمهم النافع إلا تواضعا وتمسكا بالمصحوب، فكانوا مع أنبيائهم، قال تعالى:(وكأين من نبي قتل معه ربيون)، وصدقوا في هذه المعية وبرهنوا على صدقهم بالمقاتلة في ساحة الحرب والاستماتة في ساحة المعركة، بخلاف علماء القصور الذين ليست لهم صحبة إلا صحبة حكام الجبر وتبرير مواقفهم فلم يستحقوا بذلك شرف لقب الربيين، أو المغترين بعلمهم الذي أفضى بهم إلى العمل الفردي المخالف لسنن الله في الأرض، قال تعالى في حق هؤلاء في سورة محمد:(ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت. فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم)20ـ 21

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي في خصلة الصدق:

(فلو صدقوا الله! الصدق مع الله!

الصادق مع الله من يموت مع الصادقين في سبيل الله لزوما بعهده وعقده. قال تعالى في سورة التوبة:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) 119.

مع، مع الصادقين!

وقال عزمن قائل في سورة الأحزاب: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم) 23ـ24.

(ما يبدل الصادقون، وما يتبدلون، ولا ينقضون عهد الله. وإذا لقوا فئة يثبتون ويذكرون الله كثيرا ويفلحون). صفحة 128ـ 129

2 ـ علم الربيون بضرورة التجمع حول قائد رباني وتحت لوائه، وأن العمل الفردي يخالف قانون الكون كله ولا يجدي، لهذا ندرك الحكمة من استعمال الحق لكلمة الربي التي تحتمل معنيين: المعنى الأول رباني نسبة إلى الرب، والثاني جماعة، ولم يستعمل سبحانه وتعالى الرباني التي تحتمل معنى واحدا.

3 ـ العلماء العاملون بعلمهم والصادقون في إيمانهم يكونون صفا مرصوصا مع صاحب الحق لا مع صاحب الباطل مهما كان الثمن ولو أدى الأمر إلى القتل لأنهم يدورون مع القرآن حيث دار لامع السلطان إذا تفرقا.

4 ـ وصف الله الربيين بالكثرة، فهم ليسوا جماعة فقط كما هو من معنى الربي، بل عددهم كثير لوضوح الطريق عندهم ويقينهم فيما عند الله، وهؤلاء الربيون هم الطليعة المجاهدة الشجاعة التي تخطط للمستقبل، وهم أصحاب السبق، وهم الذين يكونون ذلك التنظيم المحكم، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي تحت عنوان الطليعة المجاهدة:

(الأمة لا إرادة لها واضحة إنما هي آمال تراود ضميرها، وهزات تهز عاطفتها لذكر تاريخنا وديننا… التنظيم القطري قبل الوصول إلى الحكم وبعده هو الطليعة الشجاعة التي ينبغي أن تخطط للمستقبل حتى يصبح توتر الأمة نحو المستقبل إرادة واعية لا حماسا حالما، ينبغي ـ أي الطليعة ـ أن تخطو على ميدان الجهاد خطوات ثابتة لتتبع الأمة خطواتها، ينبغي أن ترتفع إلى مسامع كل مسلم من شعوبنا دعوة الجهاد واضحة فتنفذ إلى العقول صادقة فتتسرب إلى القلوب) صفحة171

5 ـ الصبر خلق، والتحلي بالأخلاق يتم عن طريق التربية، والتربية تشرب، ولا يتأتى ذلك إلا بصحبة صادقة لرجل صالح مربٍّ، والربيون تشربوا خلق الصبر الذي هو من أمهات الأخلاق بصحبتهم لأنبيائهم عليهم السلام، ومن ثمار هذا الصبر الثبات على المبدأ وعدم الانبطاح في أحضان الطغاة من حكام الجبر وتبرير مواقفهم واعتقاد أن لا إصلاح إلا في ظل الأنظمة الجبرية.

6 ـ من آداب الدعاء الأخذ بالأسباب وعدم الاتكال، قال تعالى في آخر سورة آل عمران :(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب).

7 ـ لابد من الزاد الروحي قبل الزاد المادي، وذكر الله، والدعاء، وملازمة الاستغفار، ومحاسبة النفس قبل وأثناء وبعد العمل، من الزاد الروحي.

8 ـ التخلية قبل التحلية، لهذا بدأ الربيون دعاءهم بطلب المغفرة والتجاوز عن الإسراف، بعدها يأتي طلب تثبيت الأقدام والنصرة على الكفار.

9 ـ الشأن العام هو من صميم الإحسان، وليس من الإحسان في شيء الانزواء عن المجتمع، بل الإحسان الحق هو ملازمة العبادة مع مدافعة الباطل بالأكتاف في الساحة، وفي كل المجالات، وهذا هو هدي الأنبياء عليهم السلام ومن معهم من الربيين قال تعالى:(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود).

10 ـ من صفات المؤمنين المدافعين عن الدين الإسلامي أن نفوسهم لا تضعف بما يصيبهم من البلاء والكرب والشدة والجراح، وأن قواهم لا تضعف عن الاستمرار في الكفاح، وأنهم لا يستسلمون للجزع وللأعداء.

11 ـ فوز الصابرين بمحبة الله من آثارها أن هذا الحب يأسو جراحهم ويمسح على القرح، قال عليه الصلاة والسلام بعد ما لاقاه من الكفار في الطائف:(…إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي…).

12 ـ كرم عطاء الله هو المطلوب، فالربيون لما لم يطلبوا لأنفسهم شيئا أعطاهم الله من عنده كل شيء، أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة، وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه، قال تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة)، وأكثر ثواب، وأكبر بشرى هو الفوز بحب الله عز وجل، قال تعالى: (والله يحب الصابرين)، وقال سبحانه: (والله يحب المحسنين).

13 ـ ليس في الإسلام صحبة دون جماعة أو جماعة دون صحبة وإنما هناك صحبة وجماعة مصداقا لقوله تعالى: (وكأين من نبي قتل، معه ربيون كثير) فمع في الآية تشير صراحة إلى الصحبة، وربيون تشير إلى الجماعة.

14 ـ إن الصحبة لا تنقطع بموت المصحوب بل إن الصحبة تنتقل لتصبح صحبة في الجماعة، وبهذا التصور لا تهين الجماعة ولا تضعف ولا تستكين. قال تعالى:( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا).

15 ـ الربيون وشروط التربية:

نستخلص من قوله تعالى:( وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير) خصلة (الصحبة والجماعة)،

وشجاعة الأنبياء عليهم السلام وإقدامهم ومن معهم من الربيين، وهو شعار هذا المجلس، يندرج ضمن شعبة من شعب الإيمان التي هي ضمن خصلة (الصدق)، وهجيرى الربيين عند ملاقاتهم للعدو هو الدعاء والاستغفار اللذان يندرجان ضمن خصلة (الذكر)، وهذه الخصال الثلاث هي شروط التربية كما جاء في المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين.

الشرط الأول: في نجاح التربية وجود (صحبة وجماعة) تتلقى الوارد عليها في رحاب المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة. الوجه الباش، والكلمة المبشرة المشجعة، أول ما ينبغي أن يدركه الوارد من وجود مرحمة ومحبة في الأسرة التربوية حتى يحب صحبتها والسير معها.

ومحبة الواردين، بل محبة المسلمين حين ندعوهم ليردوا علينا، لا تأتي بتصنع ولا هي نفاق اجتماعي، إنما يجدها المؤمن يفرح بكل رجل هداه الله على يده.

يسمي سيد قطب رحمه الله الجماعة المصحوبة محضنا، ويسمي “عزلة شعورية” الشعور الجديد عند الوارد حين يلمس الرحمة مع المؤمنين فيكره ماضيه ويقبل على إخوته الجدد.

ولا تنجح التربية إن كان النقيب المشرف عليها مجردا عن عاطفة المرحمة أو لم يكن قدوة في تقواه وسلوكه، صحبته لا تنفع إذا…

الشرط الثاني: (الذكر)

يقول سيدنا وابن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “أوتينا الإيمان قبل القرآن، وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان فأنتم تنثرونه نثر الدقل” والدقل رديء التمر. أخرجه الحاكم وصححه. واختصرناه.

رأينا أن الإيمان يتجدد بالإكثار من قول: لا إله إلا الله، فعندما تكون الصحبة صالحة، رجلا صالحا وجماعة صالحة، ويقبل الكل على ذكر الكلمة الطيبة النورانية حتى يخرجوا عن الغفلة، ينشأ جو إيماني مشع، ينشأ في الجماعة فيض إلهي، رحمة، نور تستمد منه القلوب بعضها ببعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ كما كان يقول سيد قطب رحمه الله.

النبع لا إله إلا الله، والفيض نورها، حتى يستطيع المؤمن وجماعة المؤمنين تلقي شمس القرآن، ومدد القرآن، وبركة القرآن، وحتى يستطيعوا العمل بمقتضى القرآن…

رجال ذاكرون رجال مجاهدون، قوم غافلون قوم قاعدون.

الشرط الثالث: (الصدق)

المهمة المندوب إليها حزب الله مهمة شاقة، إنها مهمة بناء أمة، مهمة استثنائية، فنريد رجالا من نوع جيد، لهم استعداد جيد، ليصبحوا جنودا، ويكون لهم غناء في ميادين الجهاد. أعني بكلمة صدق استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات حتى النهاية.

لا فائدة من ضرب الحديد البارد، ولا فائدة من محاولة تربية من ليس له استعداد.

وهنا يطرح سؤال: هل التنظيم الإسلامي تنظيم نخبوي أو جماهيري بلسان العصر؟

نجيب أن جماعة المسلمين لا تتكون إلا من المهاجرين والأنصار كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عداهم يسمون في القرآن أعرابا فلا يخاطب بالجهاد إلا من هاجر ونصر.

كذلك اليوم لا بد أن يكون الصف مكونا من عناصر قادرة على التماسك، ولا بد داخل الصف أن نميز العناصر القيادية ذات الاستعداد العالي لنضعها في مكان المسؤولية.

والجماعة بعد هذا، وبقوة تماسكها، تستطيع أن تستقطب عطف الشعب، وتستدعي سنده ودعمه، بل واجبها أن تعلم الشعب وتربيه وتعبئه. ولا تملك أن تفعل إن كان صفها ضعيفا.

صحبة وجماعة + ذكر + صدق، هذه معادلة التربية الإسلامية في خطوطها الرئيسية، شرط في المربي (بالكسر) وبيئة التربية، وشرط في تجديد الإيمان، وشرط في المربَّى وقابليته للجندية، وسائر الخصال العشر مع ما تضمه من شعب الإيمان تكمل الشروط وتجلو الصورة إن شاء الله تعالى.

فاللهم ارزقنا صحبة العارفين بك، المدافعين عن دينك ،الدالين عليك، المحبين لنبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، آمين يا رب العالمين.