غريبة هذه المواطنة التي يتحدثون عنها في المغرب، فالنداءات والبيانات والشعارات في وادٍي، وواقع المغربي والمغربية في واديٍ آخر…

بالأمس القريب تحدثت بعض المنابر الإعلامية عن مواطنين أكرمتهم الدولة، واعترفت لهم بحق المواطنة، بحيث أنها أبت أن تسجل في الوثائق الرسمية أنهم لا سكن لهم ولا مأوى، فأثبتت لهم في بطائق الهوية أنهم يسكنون مرحاضا أو سجنا…

واليوم بعد أن توالت غرائب المواطنة، على الطريقة المغربية، وبشكل لم يسبق له مثيل، أنقل إلى القارئ الكريم واقعة في غاية الغرابة، نشرت تفاصيلها جريدة المساء في عددها الصادر يوم السبت 16 فبراير 2008، شيخ يبلغ من العمر 95 سنة يموت في السجن بعدما قضى حوالي 6 أشهر من عقوبة حبسية محددة في ثلاث سنوات بتهمة المس بالمقدسات.

“مواطن” لم تشفع له شيخوخته، ولم يشفع له كرسيه المتحرك الذي تستحيل حركته بدونه، ولم يشفع له مكوثه السابق بمصحة عقلية، ولم يشفع له أنه شخص بدوي أعزل لا يشكل أي خطر أو تهديد… لم يشفع له كل ذلك، ولم يحل دون محاكمته بطريقة “ماراطونية”، ليُرمى في زنزانة انفرادية، يقضي حاجته في ثيابه حتى الموت. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ما أهونك أيها الإنسان في دولة “المشروع الديمقراطي الحداثي”، ما أهونك أيها الإنسان والحديث من يوم لآخر عن نداءات المواطنة والحريات الفردية… ما أهونك وأحقرك وأنت الذي كرمك الله عز وجل.

ماذا فعل هذا الشيخ الهرم حتى يفارق الدنيا بهذه الطريقة المهينة في دولة يعلن دستورها أن دينها الرسمي هو الإسلام؟

هل نسينا، وهل نسي أولو الأمر، أن الإسلام يوصي بتكريم الإنسان، ويخص الشيوخ بكرامة خاصة، ويجعل تقديرهم وتوقيرهم من الإيمان. ألم يقل رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا”، و”إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ..”، و”أمرني جبريل أن أقدم الأكابر”، و”مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ”….

قد يقول قائل إن القانون لا يحابي أحدا، شابا كان أو شيخا. أنا معك، فدولة بلا قانون أشبه بغابة يأكل قويها ضعيفها، وأظنك لا تخالفني الرأي في أن القانون من مقتضيات المواطنة، وبما أن لكل بلد مواطنته فلكل بلد قانونه، والقانون في المغرب وللأسف الشديد لا يطبق، في بعض الأحيان، إذا كان المتهم أو المتهمة ابن أو ابنة وزير سابق أو صاحب نفوذ، وحتى إن كان عدم تطبيقه سيخلف العشرات من الضحايا المساكين، كما حدث في مدينة القنيطرة. ويطبق القانون، وفي كثير من الأحيان، مضاعفا، وبشطط وتعسف، إذا كان المواطن من درجة ثانية، عفوا إذا كان الشخص المتهم تحت “عتبة المواطنة” إن صح التعبير، لأننا فعلا أبعد حتى من المواطنة من الدرجة الثانية أو الخامسة… والمثال الذي بين أيدينا خير شاهد.

إنها “مواطنة المقدسات”، أو إنها “مقمعة المقدسات”  على حد تعبير الأستاذ عبد العلي مجدوب- تلاحق المغاربة، لا تفرق بين شبابهم وشيوخهم، ولا بين العاقلين منهم والمختلين عقليا… بكل تأكيد هذا الشيخ، الذي نسأل الله تعالى، بالمناسبة، أن يرحمه، وأن يسكنه مقاما طيبا مباركا، وأن يلحقنا به ونحن من الصالحين، لم يسب الله تعالى، ولم يسب الدين – أستغفر الله- لأن ارتكاب ذلك، كما يعلم الجميع، لا يؤدي في الواقع إلى محاكمة أو اعتقال… إنه مس بشخص الملك، وحتى لا يذهب بنا التحليل بعيدا ونحن في وطن المقدسات، أسأل سؤالا بسيطا: هل كان ذلك الشيخ في كامل قواه العقلية حتى تتم مؤاخذته قضائيا؟ وهو الشيخ الهرم، الذي سبق أن كان نزيلا بمصحة للأمراض العقلية، ومن ثم، ألم يكن بوسع القاضي، الذي تقتضي مهمته مراعاة الاعتبارات النفسية والاجتماعية إلى جانب الاعتبارات القانونية، وبالاستناد إلى شواهد المواثيق الدولية في هذا الصدد، أن يحكم ببراءة الشيخ؟…

عند تولية الملك محمد السادس كان الحديث بالمغرب عن عهد جديد يخالف العهد القديم، وبعد مرور سنوات اقتنع العديد من أصحاب مقولة العهدين بأنه لا اختلاف بين السابق واللاحق، وأظن اليوم أن هناك قهقرى واضحة، بحيث أصبح الحديث عن عهد أسوأ من العهد السابق…

في عهد الملك الحسن الثاني كان بعض القضاة يجتهدون ولا يحكمون بأحكام إدانة في حق بعض الأشخاص “العاديين” بتهمة المس بالمقدسات، على اعتبار أن إصدار أحكام إدانة في مثل تلك المحاكمات فيه إهانة للملك الذي باسمه تصدر الأحكام القضائية… اليوم مثل تلك الاجتهادات تم التراجع عنها، لتكون النتيجة متابعة بعض الأشخاص بتلك التهمة، حتى وإن كانوا مختلين عقليا، وقد أوردت جريدة المساء بعض الأمثلة عن ذلك، ولتكون النتيجة موت شيخنا في زنزانته الانفرادية بتلك الطريقة المهينة التي تؤلم كل من في قلبه ذرة رحمة. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.