5- نزيف الأخلاقمسخ الثقافة وسياسة التمييع الرسمية هذه ستحدث جراحا غائرة في جسم المجتمع نزفت بحدة خلال سنة 2007.

وأصبح اعتيادي أن يطالع المغاربة في صفحات الجرائد أحداثا يومية عن القتل والاغتصاب وانحراف الشباب وشبكات الدعارة ولوبيات الشواذ واستشراء الرشوة وتفشي الزبونية…

إن الواقع ليدمي قلب كل مؤمن حي ويبكي كل غيور على بلده وصورتها وشرف أبنائه وبناته، أصبحنا نسمع ونرى أخواتنا وبناتنا على مقاهي “الشيشة” وباتت العلاقات المنحرفة بين الجنسين شيئا عاديا وبات التطبيع مع الفاحشة والدعارة والخمور سلوكا شبه عام… فقد تغير المشهد العام لبلدنا إذ المغرب قبل 10 أو 15 سنة ليس هو مغرب اليوم.

وإذا كان التسليم بمسؤولية الدولة ثابتا، من خلال سياستها الثقافية التمييعية ومن خلال ضوئها الأخضر لشبكات الإفساد والدعارة وغضها الطرف عن مختلف مظاهر الانحراف بل وتشجيعها، فإن الوضوح يقتضي القول بأن شرائح المجتمع وفعالياته الحية مسؤولة كذلك. إذ متى كان المغاربة يقتاتوا بأعراض بناتهم مهما كانت شدة الظروف؟ ومتى أغمضت الأم عينيها على انحراف الأبناء وغاب الأب عن هموم ومشاكل الأسرة؟ ثم من جهة ثانية ما سرِّ صمت العلماء المريب عن مظاهر الانحراف المتفشية؟ ولماذا قلة فاعلية تيارات الدعوة والحركات الإسلامية وقوى المجتمع المدني أمام هذا التيار اللاأخلاقي الجارف؟.

ينبغي التأكيد هنا على أن التيار اللاأخلاقي يشتغل بشكل جماعي ومنظم ويسير وفق أجندة متدرجة، فقد استطاعت لوبيات الفساد خلال السنة الماضية أن تدحرجنا خطوات إلى الوراء ضدا على أخلاق الفضيلة، ويكفيها أن يصبح نقاش حق “الميول الجنسي” لأي كان نحو أي كان مرئيا على القناة الثانية وتشاهده الأسر المغربية، ويكفي أن نذكر أن ما سُمِّي بشواذ المغرب أسسوا- تحت دعم دولي- جمعية أطلقوا عليها اسم “كيف كيف” وتم إيداع وصلها في إسبانيا، ويكفي تشييد موقع إلكتروني لـ”سحاقيات المغرب”، ويكفي ما شاع وذاع عن الاعتداء الجنسي على الأطفال في مراكش وأكادير وغيرها…

ولأن هذه خطوات منظمة ضمن خطة مدروسة لهدم قيم المجتمع المغربي وأخلاقه، التي أصيبت إصابات بليغة، فإن قوى الإصلاح ورجال الغيرة وحركات التربية وتيارات القيم ومنتديات الدفاع على هوية المغاربة ينبغي أن تتوحد جهودهم وتنتظم خطواتهم لتكون أكثر تأثيرا في شرائح المجتمع، وإلا فإن نزيف الأخلاق مرشح للاستمرارية أمام هجمة محلية وخارجية شرسة تُسوِّق للانحدار الدوابي وتدفعنا نحو هاوية تناقض فطرتنا السليمة.

6- خرق الحقوقرغم أنه شكل أحد أهم أوراش العهد الجديد فإن المنحنى الحقوقي واصل خلال السنة الثامنة من حكم محمد السادس انحداره على مختلف الأصعدة.

فعلى مستوى الحقوق السياسية، استمر خلال هذه السنة فقدان المجتمع المغربي لحقه السياسي المركزي، وهو قدرته على اختيار نظامه السياسي وذلك وفقا لما أقره العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1966 لمختلف الشعوب. بل وعشنا خرقا لمختلف الحقوق السياسية الأساسية المتفرعة عن هذا الأصل، ومنها:

– حق الانتماء السياسي والتنظيم: لعل العسف والظلم الذي شمل مختلف أنشطة ومؤسسات جماعة العدل والإحسان خير دليل على ذلك، محاكمات ومتابعات بتهمة “الانتماء لجمعية غير مرخص لها” وإقفال بيوت وتشميعها لأنها تضم “اجتماعات غير مصرح بها”، واعتداءات وتهديدات لأعضاء الجماعة وقيادييها ضدا على حق الانتماء الدعوي والسياسي… ولمن يعتبر أن الأمر استثناء فإن منع “حزب الأمة” من حقه في التأسيس والتَنَظُّم والانخراط في العملية الانتخابية الأخيرة معطا آخر على عدم احترام المملكة المغربية لأحد الحقوق السياسية الأساسية.

– حق الاحتجاج والتظاهر: خلافا لما هو معمول به في مختلف الدول الديمقراطية، ونقضا لما خطته يديه، يتشدد نظام الحكم المغربي مع التنظيمات والجمعيات والأفراد في حقهم الدستوري والحقوقي والسياسي في الاحتجاج والتظاهر. ولعلنا نتذكر المنع المخزني للمسيرة الوطنية ضد غلاء المعيشة يوم 25 مارس بمدينة الدار البيضاء، ومتابعة أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بسبب احتجاجاتهم في فاتح ماي، والتدخلات القمعية -العصية على العد- ضد جمعيات المعطلين والأطر والدكاترة بالعاصمة الرباط وأمام مقر البرلمان.

– حق التعبير والتفكير: إذا اكتفينا على هذا المستوى باستحضار ما تعرضت له الصحافة خلال السنة المنصرمة لكفانا ذلك بيانا وإيلاما، فالصحفي مصطفى حرمة الله تعرض للسجن 8 أشهر نافذة وزميله عبد الرحيم أريري رئيس تحرير “الوطن الآن” حكم عليه ب 6 أشهر موقوفة التنفيذ. و في أبريل من سنة “الحرب على الصحافة المستقلة” توقف أبو بكر الجامعي مدير الصحيفة الناطقة بالفرنسية “لوجورنال إيبدومادير” عن ممارسة العمل الصحفي بعد صدور حكم عليه بأداء غرامة مالية خيالية تبلغ 3 مليون درهم، ناهيك عن أدائه هو والصحفي فهد العراقي غرامة مالية قدرها 50 ألف درهم. بدوره قيدوم الصحفيين مصطفى العلوي لم يسلم من المضايقات واتهم بنشر “نبأ زائف ووقائع غير صحيحة ومستندات مدلس فيها منسوبة للغير، بسوء نية تسيء إلى الوفد المغربي وإلى الأمين العام للأمم المتحدة”.

ولعل هذه المحاكمات والمتابعات التي طالت الجسم الصحفي هي التي دفعت “روبير مينار” الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود إلى أن يوجه رسالة لاذعة ومباشرة لمحمد السادس محملا إياه المسؤولية الأولى عن هذا التدهور الخطير، جاء في الرسالة: “إلا أن وعودكم-يقصد الملك- بقيت مجرّد وعود. وتشهد الأرقام والوقائع على أنكم لم تفوا بالتزامكم. فمنذ أن تولّيتم مقاليد السلطة، تعرّضت 34 مؤسسة إعلامية على الأقل للرقابة وحكم على 20 صحفياً بعقوبات بالسجن بموجب قانون الصحافة والقانون الجزائي أو حتى القانون المناهض للإرهاب.

اليوم، نرغب في إطلاق جرس الإنذار. فالمغرب واقفة على منحدر خطر. ولا شك في أنكم تتحملون المسئولية عن هذا الوضع لا سيما أن احتجاز الصحفيين، التي ظننا أنها باتت ممارسة بالية، قد عادت لتصبح واقعاً بديهياً تماماً كالمصادرات والمحاكمات الجائرة التي تزداد يوماً بعد يوم”.

هذا فيما يخص بعضا من الحقوق السياسية التي تم خرقها بشدة مع سبق إصرار وترصد نظام الحكم ومن يدور في فلكه، ومن تم طبيعي جدا أن يشمل الخرق والعسف باقي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للوطن والمواطنين، وحسبنا ما أشرنا إليه سلفا في فقرات سابقة من الجزء الأول من هذه المقالة.

7- تراجع التنميةلا أدري، أهي لعنة أصابت المشاريع التي قالت الدولة أنها دشنتها لخدمة المجتمع وتطوير مؤهلاته أم ماذا؟

أذكر هنا بمعطيات ناطقة، وأستدعي ثلاث صور ضربت في الصميم معنى التنمية خلال السنة الماضية:

– ففي منحنى تنازلي مستمر، تراجع المغرب في ترتيب برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2008-2007 بثلاث نقط، ضمن البلدان ذات التنمية البشرية المتوسطة، إذ انتقل إلى الرتبة 126 من بين 177 دولة، متخلفا عن نظرائه العرب مثل الجزائر(المركز 104)، وتونس (المركز91)، ومصر(المركز112)، وحتى فلسطين المحتلة (المركز 106).

– وفي تقرير البنك العالمي حول وضع التعليم بالعالم العربي الذي صدر بعد نهاية 2007، تخلفت البلد أيضا على مستوى التعليم وراء العديد من الدول العربية، كالأردن والكويت وتونس والجزائر وحتى قطاع غزة المحاصر، سواء من حيث إمكانية الحصول على التعليم أو المساواة بين الجنسين أو الكفاءة أو الجودة.

وعكس هذه المنحنيات التراجعية نجد المغرب يعرف خلال السنوات الأخيرة مؤشرات ارتفاع مخيفة فيما يخص الرشوة والفساد، فقد وضعت مؤسسة (ترانسبيرانسي) الدولية المغرب في المرتبة 79 ضمن 163 دولة عام 2006 في الفساد بعد أن كان يحتل المرتبة 45 سنة 1999، و37 سنة 2000 و52 سنة 2002؛ ليقفز بعدها عام 2003 إلى المرتبة 70، ثم إلى المرتبة 77 سنة 2004، و78 سنة 2005.

مع هذه المعطيات المخيفة والكارثية، إذا استدعينا وقائع من قبيل قضية “رقية أبو علي” حيث فساد القضاء، و”قناص تارجيست” حيث الرشوة المصورة وابتزاز الدرك الملكي للمواطنين، وبيع مدارس عمومية بمدينة الدار البيضاء، يتضح لنا عمق الخلل البنيوي في المغرب إدارة وحكما وقضاء وأمنا ومؤسسات مختلفة. ومن تم طبيعي أن لا نحصل على تنمية حقيقية في ظل أناس يجسدون أكثر من غيرهم مثل “حاميها حراميها”!.

8- عَوَر الدبلوماسيةرغم مقترحه الذي اعتبر متقدما ومخرجا قد يكون مرضيا لأطراف أزمة الصحراء، فإن المغرب لم يستطع بعد الخروج من عنق زجاجة صراع المصالح، ولم يحسن بعد اللعب على وثر التناقضات الدولية والمصالح الإقليمية، وحتى في مبادرته الأخيرة لم يستطع انتزاع أكثر من التصفيق والتشجيع والتنويه بعيدا عن أي مواقف سياسية واضحة ومسؤولة.

فعلى خلاف الكثيرين لم يفطن المغرب بعد إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 1754 ذي الصلة بنزاع الصحراء مع البوليساريو والجزائر، لم يخرج عن مجمل قرارات مجلس الأمن الدولي منذ إعلان فشل مخطط بيكر، إذ ظلت هذه القرارات تعتمد صيغا مبهمة ومرنة ومطاطية لتحتوي مواقف مختلف الأطراف.

ولعل هذا ما برز فيما بعد، إذ بالقدر الذي اعتبر المغرب أن القرار في صالحه لأنه يؤكد على مبادرة المغرب الإيجابية بخصوص الحكم الذاتي، كانت جبهة البوليساريو تقرأ في نفس القرار نصرا لها وذلك بإشارته لمبدإ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وعلى هذا الأساس كان طبيعيا أن تدخل مفاوضات مانهاست متاهات اللانهاية ودوامة اللاحل.

ومن جهة ثانية حافظت المملكة على عور دبلوماسيتها التي أصيبت بارتباك غير مفهوم في التعاطي مع عدد من الملفات خلال السنة الماضية. وفيما يلي ثلاثة عناوين بارزة تجلي، للأسف، عور دبلوماسيتنا المغربية:

– التعاطي مع زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية: بقدر ما كان مستهجن زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية المحتلتين، بقدر ما كان مستغرب رد الفعل غير المسبوق للملكة المغربية، إذ بدون مقدمات انفجرت أزمة دبلوماسية حقيقية في نونبر 2007 بين طرفي الضفة المتوسطية.

وسرعان ما استدعى المغرب سفيره في مدريد “عمر عزيمان” قصد التشاور احتجاجا على خطوة “خوان كارلوس”، وذلك على خلاف لسياق تعاطي المغرب مع الملف، فقد سبقت زيارة الملك الإسباني زيارة رئيس الحكومة “زباثيرو” للمدينتين في شهر فبراير دون أن تخلف أدنى رد فعل من الرباط، ثم لم يسبق للمغرب أن وقف بجدية حقيقية على الأمر أو طرح مبادرة وقدم مقترحا وانخرط في نقاش مسؤول لحل الأزمة أو هدد بالتلويح بالحرب أو اللجوء إلى الأمم المتحدة…

وبنفس المفاجئة التي ابتدأ بها المغرب أزمته الديبلوماسية مع إسبانيا أنهاها دون سابق إعلام ولا أرباح سياسية أو ديبلوماسية، فأُعيد “عمر عزيمان” إلى مدريد كما لو أن الدولة المحتلة أعادت له أراضيه المسلوبة.

– استدعاء السفير المغربي بالسينغال: وبنفس “الذكاء” الديبلوماسي أنهى المغرب أزمة أخرى مع جار آخر، إفريقي هذه المرة. إذ ودون حسابات حكيمة سحب المغرب سفيره في دولة السينغال بسبب موقف ليس رسمي لهذه الأخيرة، بل لموقف الحزبي الاشتراكي المعارض !!، الداعم لما أسماه “كفاح جبهة البوليساريو من أجل استقلال منطقة الصحراء”.

فكان أن أعرب الرئيس “عبد الله واد” عن غضبه لاستدعاء المغرب سفيره من داكار، وقال إن السفير معتمد لدى الحكومة السنغالية لا لدى الحزب الاشتراكي المعارض، ولترد السينغال بالمثل واستدعت سفيرها في الرباط، وقالت في بيان رسمي أن “استدعاء السفير المغربي يمثل لفتة غير ودية، وأن السنغال قررت استدعاء سفيرها من الرباط بانتظار الحصول على إيضاح من السلطات المغربية”.

– غياب الملك عن معظم المحافل الدولية والقارية والإقليمية: سجل أغلب المراقبين داخل المغرب وخارجه الغياب المتكرر للملك محمد السادس عن القمم والمؤتمرات العربية والإسلامية والإفريقية وحتى الدولية، وهو ما انعكس سلبا على وضع المغرب كطرف غير مؤثر بالمطلق في العلاقات الإقليمية أو العربية أو الإفريقية…

ورغم أن المغرب يرأس لجانا مركزية-لجنة القدس مثلا- وهو ما يستلزم حركية أكبر وفاعلية وقوة اقتراح، إلا أننا نشاهد برودا غير مفهوم، وقلة فاعلية غير مبررة، دفعت خبيرا وإعلاميا كبيرا مثل عبد الباري عطوان إلى القول: “إن الملك الجديد يبدو منكفئا على قضايا الداخل ويبدو أنه لا يريد أن يسير على خطى والده الذي كان المغرب، على عهده، حاضرا بقوة في كل القضايا من خلال احتضان أرضه للقمم العربية والقمم الإسلامية”.

ثم ماذا بعد؟2007.. إنها سنة جديدة في مسار الانحدار الذي تسير فيه البلد بخطوات حثيثة، مسار يدفع في اتجاهه نظام حكم غير مكثرة بكل الدعوات المحذرة، وتنخرط في مشاريعه التدميرية لوبيات وفئات مصلحية لا تهمها سوى مصالحها الخاصة ولو على حساب الوطن.

ومن تم طبيعي جدا أن تنحدر مختلف مجالات عيش المغاربة وتتهاوى جل المشاريع التي يتم تدشينها، وذلك لأن الحاكم المتحكم في كل هذه المجالات هي ببساطة تلك الفئة المفسدة التي ذكرناها والتي لا تملك أي إرادة حقيقية للإصلاح لأن ذلك يناقض مصالحها.

أهو تحامل أن نخلص إلى هذا الكلام الحاد؟ أم أنها الحقيقة المرة التي من الشجاعة أن نصارح بها أنفسنا ونعلنها مدوية في وجوه المفسدين؟

للأسف تلك هي حقيقة مغربنا المنذرة وذاك واقعنا المدمي وهذه حقيقة الأرقام والتقارير بين أيدينا، فلا يدعي أحد أننا على السكة ولا يتوهم “سكران” أننا أجمل بلد في العالم.

نعم، لا يرغب أحد أن يقدم قلمه أو خطابه أو نغمته أو فكاهته أو موعظته صورة قاتمة عما يحب، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالوطن الذي جبل الإنسان السوي على حبه لأن ذلك من صميم الإيمان، لكن صميم الحب وحقيقته أن نعلن أن هاهنا الجراح، وأنها غائرة، وأنها تنزف بحدة، وأنها تحتاج إلى تطبيب، وأن نبتر العضو الفاسد، وأن نصبر على الدواء ونتماثل للشفاء لنواصل عملية البناء بنجاح وتفوق وأصالة.

فهل نستفيق-نحن المغاربة جميعا- للعمل والإنقاذ أم أن حصاد 2008 و2009 و… الأعوام القادمة ستحمل هي الأخرى، لا قدر الله، عنوان “الانحدار”؟.