أضواء على خطة الجنرالات الثلاثة

بقلم: ميلود الرحالي

في مقال سابق، تساءلت مستنكرا في استفهامات عدة، تحت عنوان “محاولة فهم ما يجري في غزة”، وقد وعدت حينها أن أعود بالتفصيل إلى خطة دايتون، باعتبارها آخر ما تفتق عليه دهاء الإسرائيليين والأمريكان في المنطقة، فلعلها تزودنا بأدوات الاستيضاح لفهم ما يجري.

لا ندعي القول أن الخطة المذكورة لخصت كل أهداف أمريكا وإسرائيل واللذان لن يقنعا إلا بشرق أوسط كبير تحت السيطرة المطلقة لآل البيت الأبيض، وبالضمن للكيان اليهودي، ولكن توسلنا بها في هذا المقال لأنها من الخطط شديدة الوضوح، ويتبين ذلك انطلاقا من العنوان.

جاءت الخطة تحت عنوان: “… انتخابات مبكرة تطيح بحماس، وتفكيك كتائب الأقصى واستبدال قيادة فتح”. فشخصيا لا أرى خطة للأمريكان بهذا الوضوح خلال العقد الأخير، وخصوصا بعد اجتياح أفغانستان.

أما قبل…

من المهم تحليل معطيات الخطة، وتقليب النظر في أهدافها وتفاصيلها وبرامجها، لكن من الأهم في نظري قبل ذلك، الوقوف مع سياقها التاريخي والسياسي، وكذا معرفة المتنفدين في الخطة والساهرين عليها، بالإضافة إلى موقع الخطة من المشروع الأم “الشرق الأوسط الكبير”.

السياق المرجعي للخطة

في شهر فبراير 2006، وبعدما أقرت أمريكا نفسها بنزاهة الانتخابات الفلسطينية التي وضعت حماس على رأس القائمة. تململ المجتمع اليميني المحافظ في الولايات المتحدة الذي لم يهنأ له بال. اجتمع المستشار المساعد في مجلس الأمن الأمريكي لحرب غير أهلية بأيد فلسطينية، إليوت أبرامز، بمجموعة من موظفي البيت الأبيض من أجل البحث عن رد متماسك وقاس كفيل بتنحية حماس من الخريطة السياسية. لم يكتف قطب الحقد هذا بقدراته الفكرية وخبرته الحربية لصد الخطر الداهم المتمثل في حماس، بل استند إلى الضوء الأخضر السياسي لتحويل مشاريعه إلى حقائق على الأرض، فقد كانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أول المصادقين على المشروع، بل إن نائب الرئيس ديك تشيني قد رشح أنداك بالإضافة إلى بعض المستشارين للأمن القومي والعاملين في مكتبه، اليمينيان البارزان ديفيد وارمسر وجون هانا للعمل بهذه الخلية النائمة.

وخلال الفترة المتبقية من نفس السنة، اجتهد أبرامز في العديد من المقالات والأفكار التي نشرها على الموقع الإلكتروني www.conflictsforum.org والتي كان القاسم المشترك فيها، ضرورة توجيه ضربة موجعة ضد الحكومة الحمساوية والإطاحة بها، مع تقوية موقع الرئيس الفلسطيني وحرسه العسكري بمساعدة العقيد محمد دحلان، وهو ما تحقق فعلا في نهاية سنة 2007.

لا يمكن أن يتلخص رهان أمريكا في مصلحة سياسية محدودة في الأراضي الفلسطينية، لأن خيوط المنطقة في يدها ولا تحتاج إلى كل هذه الجهود:

ماديا واقتصاديا: تتحكم إسرائيل في أخصب الأراضي ومنابع المياه. وبموجب اتفاقات دولية معروفة ومحترمة، تدير جميع المعابر بما فيها تلك التي لا تعنيها في حيز جغرافي كمعبر رفح

سياسيا: دول الجوار مدينة لإسرائيل بالتطبيع، والمستقبل السياسي لحكامها هو بيد واشنطن تحركه على المقاس. وفي الداخل أمريكا تحكم الطوق على زعماء فتح وترود منظمة التحرير في اتجاه التبعية والانقياد التام.

دوليا: أمريكا فوق قوانين المنتظم الدولي وشرعياته. الرباعية تحت إمرتها، الإتحاد الأوروبي لا أولوية له في المنطقة، وروسيا تحت المراقبة والضغط والإدانة لارتباطها بطهران، أما المبادرة العربية اليتيمة فلا أمل لتحقيقها بوجود جماعة عباس على رأس السلطة.

لذلك يبدو جليا أن طموح بوش واليمين الأمريكي أكبر من ذلك بكثير، وتبقى القضية الفلسطينية حجر الزاوية في أي مشروع بالمنطقة (أنظر تقرير بيكر  هاملتون)، والرئيس الأمريكي بنفسيته وشخصيته المعروفة، لا يتردد في استعمال أي شئ من أجل الوصول إلى أهدافه على تلكم الأرض، ولنا العبرة في اجتياحه للعراق رغم اعترافاته المتكررة بضرورة نسيان وجود السلاح النووي كذريعة، ودفعه إسرائيل إلى حرب لبنان غير المتوقعة، ناهيك عن حماقاته في السودان والصومال وإفريقيا الوسطى وأمريكا الجنوبية.

عندما سئل داني آيالون، بعد أربعة أعوام أمضاها في واشنطن سفيرا لإسرائيل عن الرئيس بوش وحماقاته، خصوصا احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران قال: ” نعم قد يفعلها. عليكم التعرف على الرجل، فأنا أملك الامتيازأني أعتبر نفسي صديقا له. ومن يعرفه يدرك أنه صاحب تصميم…”(1). نعم إنه صاحب تصميم، ومن أهم تصاميمه الشرق الأوسط الكبير الذي يقول بشأنه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية نيكولاس برنز ” مشكلتنا مع إيران لا تعني إيران وحدها، بل ما يقوم به هذا البلد في الشرق الأوسط الكبير، هذه المنطقة تعد الشغل الشاغل للإدارة والكونغرس وعلينا إدراج إيران في إطار ما نقوم به في الشرق الأوسط والعالم….”(2). كفى بكلامهم عبرة.

كفى من كلامهم عبرة، فهم الأوفياء لأسلافهم حقدا وعدوانا، ولا ينسى لهم التاريخ استخدامهم لحق الفيتو ضد سبعة قرارات تدين الممارسات الصهيونية في جنوب لبنان، وتقر بحقوق الشعب الفلسطيني، وتستهجن تغيير الكيان الصهيوني لوضع القدس وبناء المستوطنات على الأراضي المحتلة، وذلك خلال المرحلة ما بين 1967و 1981، وفي عهد ريجان استخدمت الولايات المتحدة هذا الحق ضد ثلاث عشرة قضية مماثلة، أما الآن فقد غدا الحق واجبا…

ما سبق دايتون إلى المنطقة من خطط:

تعد خطة دايتون تجسيدا عمليا لخطة خارطة الطريق، والمطروحة في أبريل 2003 مع التعديل طبعا، لأننا نذكر جميعا التحفظات التي أبداها شارون آنذاك على الخطة، ولم يكتف هذا الأخير بالوعود الأمريكية كما يفعل حكامنا، بل انتزع التعهد العلني من الإدارة الأمريكية، وذلك عبر إصدار بيان وقعه كل من باول ورايس خلال الولاية الأولى لبوش، حيث التزمت واشنطن بأخذ الملاحظات الإسرائيلية على خارطة الطريق بالحسبان عند التطبيق، وهو ما حول خارطة الطريق الأممية إلى خارطة طريق إسرائيلية.

فقبل الخطة قيد الدرس، عرفت المنطقة عدة مبادرات كلها فتيل في حبل هذا المشروع نفسه:

في قطاع غزة. عندما لاقى العدو انتكاسات متكررة، لم يستطع معها الاستمرار في السيطرة على القطاع، وكذا عدم قدرته على وقف الصواريخ والاستشهاديين من الفصائل الفلسطينية، قرر شارون في شتنبر 2005 فك الارتباط، والإقدام على الانسحاب من جانب واحد من غزة وبعض المناطق في الضفة الغربية.

ورغم كل الملتمسات المقدمة لشارون من طرف السلطة، بعدم الإقدام على هذه الخطوة من جانب واحد، وبحث سبل إشراك الطرف الثاني فيها (السلطة)… فقد فعل شارون ما فعله، إلا أنه أبقى على مصالحه وزيادة، وذلك بأيد آمنة في السلطة، ونخص بالذكر هنا قضيتي المياه ومغتصبات “غوش قطيف” المقامة فوق حوض غزة المائي وكذا حدود قطاع غزة مع مصر(معبر رفح).

ومن المبادرات التي طرحت بالمنطقة كذلك، تقرير ميشيل وخطة زيني، صاحب التسوية الشهيرة للمسألة الايرلندية. وهذه الخطة وذاك التقرير جاءا لغاية واحدة، خصوصا وأنهما طرحا بعد أحداث الانتفاضة والاجتياح، فكانت الغاية إما وقف المقاومة أو الإقلاع عنها نهائيا أو تصفية بنيتها التحتية من أجل أمن إسرائيل أو العودة إلى ما قبل 28 شتنبر 2000 وما واكبها من طوام.

أما جورج تينت رئيس المخابرات المركزية الأمريكية فكان مشروعه واضح المعالم، وملخصا في فكرة واحدة، وهي القضاء النهائي على سلاح المقاومة وتدمير بناها ورموزها.

تبقى الإشارة في نهاية هذه الفقرة، إلى أن جميع المشاريع المقترحة بالمنطقة قبل دايتون، تشترك في هدف عام، وهو نزع سلاح المقاومة أما دايتون فقد جاءنا حكيما، إذ ترك تنفيذ هذا الهدف لغيره من الشركاء الفلسطينيين…

موقع الجنرال دايتون من نسيج الخطة:

ثلاث جنرالات أمريكيين بثلاث مهمات مختلفة، هذه هي حقيقة الخطة وتفاصيلها، وإن كانت الخطة ارتبطت بالجنرال دايتون. فعندما نلاحظ هذا العدد من الجنرالات في مختبر القيادة فإننا بطبيعة الحال نتأكد من خطورة الخطة وحتمية جنونها، هذا عن العدد (3 جنرالات لانطلاق الخطة) أما عن العيار وثقل هذه الشخصيات فيكفي أن نذكر أن دايتون هو أحد صانعي القرار الخارجي الأمريكي سواء من موقعه كموظف سام داخل وزارة الخارجية الأمريكية، أو من منصبه كمستشار أمني لوزارة الخارجية الأمريكية، وكلنا يتذكر ويلات مخططات هذه الوزارة على الأمة العربية والإسلامية على وجه الخصوص.

حسب العديد من المسئولين الأمنيين، وكذا بعض اليمينيين العاملين بالبيت الأبيض والخارجية الأمريكية.

توزع مهام الخطة على النحو التالي:

* الجنرال دايتون: مهمته التنسيق للشؤون الأمنية بين السلطة الفلسطينية والسلطات الأمنية الإسرائيلية، وقد تواجد في الشرق الأوسط منذ مرحلة مبكرة من تطبيق الخطة، وهو المسؤول الأول عن برنامج دعم أجهزة الأمن الفلسطينية، بما فيه التدريب والتجهيز، وذلك بتنسيق تام مع العقيد الدحلان وكذا بعض الدول العربية الملتزمة باحتضان الجنود وحرس الرئاسة للتدريب.

* الجنرال فرايزر: ومهمته الإشراف على تطبيق التزامات خارطة الطريق، ويبدو أنه الرقم الأقل حظا والأصعب مهمة، في ضوء وجود التزامات إسرائيلية أشبه ما تكون مستحيلة التطبيق، من قبيل إيقاف المستوطنات والاجتياح اليومي وتهويد القدس. ورغم ما يبدو من شكلية مهمة هذا الجنرال، فإن واشنطن تطمح إلى فعل شئ يذكر بهذا الخصوص قبل مغادرة بوش مكتبه بالبيت الأبيض.

* الجنرال جيمس جونس: ومهمته مراقبة المواضيع الأمنية ذات العلاقة بالمفاوضات، وهو الشق الهام من الخطة، لدا يبدو أنه من المحتم وجوده بمقر العمليات بواشنطن صحبة مهندسي البيت الأبيض، مع الاستعانة بخلاياه في القدس وتل أبيب، الأمر الذي يتعلق بأهم القضايا الجوهرية للخطة، وهو أمن إسرائيل، بما في ذلك مراقبة الحدود والأجواء وغيرها.

لذلك يستحب أن نسمي الخطة بخطة الجنرالات الثلاثة، لكي لا نبخس فرايز وجونس حقهما في الشراكة. هذا إن لم نتعدى بالحديث إلى دور القنصلية الأمريكية العامة في القدس والسفارة الأمريكية في تل أبيب، واللتان لا تقل مهمتهما عما يفعله طاقم الجنرالات، لا سيما عملية وضع هيكلة الإتفاقات الإسرائيلية- العباسية، وكذا الانتقال من اتفاقيات الإطار إلى الاتفاقيات الشاملة الهاملة.

——————————————–

(1): حوار مع صحيفة معار يف 19 نونبر 2006

(2): موقع www.bostonreview.net