تراوحت المواقف من وثيقة: “جميعا من أجل الخلاص” التي أصدرها المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان خلال دورته الثانية عشرة يوم 27 ذي القعدة 1428هـ الموافق لـ: 08 دجنبر 2007م بين من اعتبرها عادية لم تأت بجديد، بمعنى أن هناك إجماعا حول ما يهدد الاستقرار والسلم الاجتماعيين، ويئد الانتقال الديمقراطي ولا من ينكر أو يندد بما تسير نحوه البلاد من كوارث وأزمات، وبين من اعتبر الجماعة توظف تردي الأوضاع الاجتماعية إثباتا للذات في المشهد السياسي، وبين من اختار لنفسه موقف “عدم التعليق” خير تعليق. وبقدر ما حاول المخزن التعتيم على الوثيقة وتضييق مجال تداولها في وسائل الإعلام والمكتوب منها على الخصوص، جاءت أحداث لم تكن في حسبان المخزن لتعيد الوثيقة إلى صلب الاهتمام، فكان أن صدر تقرير مؤشرات التنمية حيث تقهقر المغرب بدرجتين وهو الذي كان يمني النفس برتب متقدمة بعد التبشير بالقضاء على الفقر والعوز من خلال مبادرة التنمية البشرية، ثم جاء إقصاء المغرب من نهائيات كأس إفريقيا في نسخته السادسة والعشرين في شكل فضيحة كروية، وهو الذي كان يحدث النفس ويعد الشعب المغربي بالكأس، وتأتي الضربة القاضية بعد أقل من أسبوعين من طرف تقرير أممي آخر يصنف المغرب في الرتب الأخيرة عربيا في مجال التعليم.

يحاول هذا المقال أن يرصد بعض مظاهر الخلل التي تشوب مجالات التنمية والتعليم وكرة القدم تأكيدا لما خلصت إليه الوثيقة وما أكدته الوقائع المتتالية بشكل تجعل المتتبع يتساءل: ما الذي يحدث للمخزن؟ أهو سوء طالع أم تآمر دولي يستهدف أمن واستقرار المغرب؟ ثم ما سرّ هذا التوافق بين توقيت الوثيقة وبين هذه الوقائع التي تعضد الوثيقة وتؤكد تشخيصها لما ينخر جسم البلاد من فساد؟

بديهي لدى كل متتبع لشأن الحكم بالمغرب وبنيته أن المؤسسة الملكية تحتكر كل السلط إن لم يكن بشكل مباشر فبالوصاية، وفصول الدستور تشهد بذلك وتؤكده، فالممارسة السياسية شكلية جعلت “الحكومات المتعاقبة بمثابة لجان تصريف أعمال تأتمر وتنفذ”، وضعية تتنافى والتداول على السلطة من خلال تعددية سياسية حقيقية، مثلما قضى الاحتكار للقطاع الاقتصادي على كل منافسة شريفة وحرم البلاد من فرص استثمارات أجنبية وداخلية. وذات الاحتكار هو الذي يطغى على تدبير القطاعات موضوع المقال، احتكار يستمد “مشروعيته” من انتساب القائمين على هذه القطاعات إلى المؤسسة الملكية، فالتعليم شأن شخصٍ يديره ويحتكر معطياته، فإذا ذكر التعليم ذكر المستشار الملكي مزيان بلفقيه رئيس المجلس الأعلى للتعليم، أما مبادرة التنمية البشرية فهي ملكية بامتياز تشرف عليها مؤسسة محمد الخامس للتضامن ذات ميزانية خاصة تمكنها من إطلاق مشاريع تفوق ما تنجزه الحكومة، بل إن وتيرة تدشين المشاريع ارتفعت خلال فترة الإعداد لانتخابات 7 شتنبر 2007 وما قبل تعيين الحكومة الحالية في رسالة واضحة لمن يعتقد نفسه فاعلا سياسيا أن يعرف حجمه ويشكر نعمة القبول به ضمن التشكيلة الحزبية. وأما الشأن الكروي فلا يتطلب كثير توضيح إذ “قدسيته” وتبعيته جلية متمثلة في رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم وما يتمتع به من حصانة ومناعة تجعله فوق المحاسبة والمساءلة التي تهيأ لها أعضاء اللجنة البرلمانية ليستفسروا جنرال الدرك الملكي عن أسباب إخفاقات المنتخب المغربي في الاستحقاق الكروي القاري، فاستفاقوا من الحلم، ووجدوا أمامهم وزيرة الرياضة التي لا سلطة لها على قطاع تحمل حقيبة وزارته.

طامتنا واحدة وحيدة: غياب المساءلة والمحاسبة، ميثاق وطني للتعليم حشد له المحزن الإجماع في شكل توافق سياسي، لا يجرؤ أحد على انتقاده وكشف مظاهر خلله بدءً من الدواعي ومرورا بالإعداد والصياغة وإنجاز الكتب المدرسية انتهاءً؛ ومبادرة تنمية بشرية أريد لها أن تكون عنوان عهد جديد يقطع الطريق على الإسلاميين الذين تغلغلوا في الشعب وفي الفئات الفقيرة منه على الخصوص لما عانقوا همومه وشاركوه مآسيه، تنمية بشرية من خلال مؤسسة تضـامن لا أحـد يعرف حجم ميزانيتها، ولما حاولت حكومة الفـاسي ممـارسة بعض من اختصاصاتها لتخضع الفروع الإقليمية للمؤسسة لمراقبة الحكومة من خلال منشور وزاري جاء الرد بعيد أيام من القصر يلغي المنشور مذكرا الحكومة أن تلزم حدودها؛ أما القطاع الكروي فأشبه بإقطاع جرى تحفيظه منذ عقود، والتدبير العسكري فوق المحاسبة، وإلا فكلفة التعاقد مع المدرب ونفقات المشاركة المخزية في دورة غانا تعد بالملايير في أقل من عشرة أيام، ورب ضارة نافعة، فلا ندري كم كانت ستبلغ النفقات لو تأهل المغرب للدور النهائي، في وقت تعاني فيه مؤسسات تعليمية واستشفائية من التردي على مستوى البِنيات التحتية.

احتكـار كرس الاستبـداد والهيمنة على هذه القطـاعات وغيرها، وأمام تعذر المحـاسبة واستحـالة المكـاشفة وفضح سوء التخطيط والتدبير بـات لزاما أن ينتظر المسؤولون القوارع الأممية ليضطروا لخرجـات إعلامية تفسر الكـوارث ثم لتشكيل لجـان للتقصي تخلص إلى توصيات تعيد إنتاج الأزمة بميزانيات خيالية وهكذا دواليك.

آن الأوان للمكاشفة والمحاسبة لوضع حد للتلاعب بمقدرات الشعب والعبث بمصالحه، آن الأوان -إن لم يكن قد فات- لمصارحة الشعب اعترافا بالفشل في تدبير الشأن العام للبلاد والعباد، وإلا ماذا ينتظر المسؤولون بعد مقاطعة شعبية واسعة لانتخابات 7شتنبر2007 سارت بذكرها الركبان، وبعد فشل التعليم الذي تنوعت حصيلته ما بين عطالة (مليونان ونصف ثلثهم حملة شهادات عليا) وبين هدر مدرسي (أربعة ملايين منقطع خلال عشرية الميثاق الوطني) وبين استياء العاملين بالقطاع تترجمه الإضرابات المستمرة، وبعد خيبة الأمل في تنمية غدت سرابا، وبعد فضيحة كروية كشفت عمق سوء التدبير لقطاع دفع المعنيين وثمان فرق مغربية لكرة القدم للتفكير في خوض إضراب احتجاجي على ما يعرفه القطاع الكروي من تسيب وفوضى وزبونية لا سيما في مجال التعاقدات الإشهارية والاحتضانية حيث تهيمن المؤسسات النافذة بتبعيتها لذوي النفوذ.

لسان حال الجميع، مسؤولين ومتتبعين للقطاعات موضوع المقال، يردد: المعضلة بنيوية معقدة والحل يتطلب حوارا جماعيا وتشخيصا موضوعيا وسقفا عاليا من الشفافية والصراحة ليتحمل كل طرف مسؤوليته، فمصالح العباد وأمن البلاد فوق كل نفوذ، وهذا ما خلصت إليه وثيقة الخلاص: “دعونا -جماعة العدل والإحسان- منذ أزيد من ربع قرن إلى ميثاق، وكررنا الدعوة مرات ولم نمل. ولا تزيدنا الأيام إلا إدراكا أن الخرق أوسع من أوهام الراقعين، وأن الأمر يحتاج إلى كل يد نظيفة. ولم نشك قط أن البلد يزخر بالأيادي النظيفة والنفوس العفيفة رغم مظاهر الخراب التي مهما علت وطغت لن تنسي هذا الشعب المؤمن أن الله على كل شيء قديـر. فماذا يقول الملتاعون المهمومون بما أصاب أمتهم؟ وماذا تقترح نخبنا؟ وماذا يقدم شرفاؤنا؟ هل يطمح الشعب لأن يسمع ويرى عملا صالحا جماعيا صادقا ويلمس مبادرات تترفع وتسمو عن المصالح الفئوية والشخصية؟ كيف السبيل وما المخرج وما الحل للنهوض من سقطتنا؟” وثيقة: “جميعا من أجل الخلاص” ص: 27، 28.