أُطلع الرأي العام والمنظمات الحقوقية -أنا الموقع أسفله عمر محب، معتقل سياسي بالسجن المدني صفرو- على واحدة من الصور / المآسي التي تعيشها المعتقلات المغربية ..

إن ما تعرّضتُ لم من تعذيب وإهانة وتنكيل -وصفته في رسالة بعثتُ بها إلى وزير العدل وإلى وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، وأعيد إرسالها تأكيدا على ما صرّحت به- ليُعتبر جزءا بسيطا من معاناة السجين في المعتقلات المغربية، ويبين أن عهد السجون السوداء لا زال قائما بصور متفاوتة هنا وهناك ..

والنموذج الذي أريد تقديمه هنا يتعلق بـ(السجن المدني صفرو) .. وأضع اسم المؤسسة بين قوسين لأؤكد على طبيعتها، فهي سجن من سجون العصور الوسطى مبنى ومعنى ..

يستقبلك موظفو السجن وعلى رأسهم المدير في صورة جلادين ليحسموا معك الأمر منذ البداية، فأنت سجين ينبغي أن يخضع للإدماج بطريقة البهائم .. الحوار ممنوع، والحق ضائع مقموع، والصوت ينبغي أن يكون غير مسموع إلا بما يُرضي الجلاد .. ومع هذا كله ينبغي أن تأخذ قسطك من إكرام الضيف الوافد الجديد حتى تُسلّم بأن لغة العصا والإذلال هي القاموس السائد ولا غير..

في هذه المؤسسة لا يُسمح بأن تُسمع همسة احتجاج على السيد المدير وزبانيته .. واليد الطولى مطلوقة للفساد والاتجار في المحذرات وأعراض الناس وكرامتهم، ومساومتهم في ذلك دون حسيب أو رقيب، وكأننا في إحدى ذوقيات الاستعباد والمهانة في العصور الوسطى ..

ويزداد الوضع قتامة عندما تعلم بأن الطاقة الاستيعابية للسجن لا تتعدى 60 سجينا، في حين يوجد فيه قرابة المئتين .. فالعنبر الذي وُضعت به -وأنا المعتقل السياسي الذي طالما طالبت ُ بتمتيعي بحقوقي وعزلي عن سجناء الحق العام، وتوفير ظروف متابعة دراستي دون جدوى- يحتوي علة 22 سريرا، ويُحشر فيه ما بين 38 و46 سجينا حسب المتغيرات، في مساحة لا تتعدى 40 مترا مربعا، إذ الضعف أو ما يقاربه يفترش الأرض إن وجد لنفسه مكانا لذلك ..

وهذه بعض الأرقام الناطقة عن الوضع البشري والجغرافي لهذا المعتقل: ستة عنابر: اثنان متوسطان (22 سريرا و30 سريرا) والعدد بداخلهما الضعف، والباقي غرف صغيرة مكتظة (عدد الأسرة بها 8 – 7 – 6 – 4) .. فعدد الأسرة 77 يفوق الطاقة الاستيعابية 60، أما النزلاء فحوالي ضعف ذلك مرتين، ولك أن تحلل وتستنتج ..

كل هذه العنابر مفتوحة على ساحة صغيرة (80 متر مربع) يتناوب على الاستراحة فيها الأحداث والنزلاء الآخرون ..

أما داخل العنبر فلا صورة أقرب من وصفه بالإسطبل.. به صنبور ومرحاض واحد، علو سوره زهاء المتر، يُغنيك عن وصف الأجواء التي يتم فيها قضاء الحاجة مشهدا ورائحة.. وضع كهذا يجعلك لا تفكر في الأكل والشرب أصلا حتى لا تضطر إلى الانضمام إلى الطابور المصطف بغية استعمال المرحاض.. وأي أكل وأي شرب؟ إنها المهانة والإذلال والاستخفاف بصحة وحقوق العباد في أبشع صوره..

أما الزيارة فهي مقننة بشكل يجعلك في سجن وسط سجن سواء في عدد الأيام المخصصة للزيارة، أو في وقتها الضيق جدا، أو في طريقة التضييق التي تمر بها، هذا زيادة على محدودية من يُسمح لهم بها ومنع غير الأقرباء من ذلك ..

إن المعتقلين بالسجن يعيشون أبشع صور الإهانة، ولا حول لهم ولا طاقة على الاحتجاج أو التشهير بما يُعانونه، فهم مقموعون، معرضون لأقسى العقوبات إن هم اشتكوا أو سرّبوا شيئا خارج السجن .. إنهم يرزحون تحت القهر والخوف والأمية، وهذا وحده كاف لإسكات صوتهم.

هذا نزر من فيض، أطلع عليه المنظمات الحقوقية والرأي العام .. وأكرر أنهم أهانوني وعذبوني، وحاولوا بعد ذلك أن يُساوموني مقابل أن أسكت .. أن أحصل على امتياز .. وأي امتياز؟ إنه الضحك على الذقون أمام حقوقي المهدرة كغيري من مئات المعتقلين ..

لذلك أناشد الرأي العام، والمنظمات الحقوقية بالخصوص، بما يلي:

– التحقيق في هذه الأوضاع، واتخاذ الإجراءات اللازمة قانونيا، وأمام الرأي العام العالمي، حفاظا على كرامة المواطن المغربي.

– الوقوف الجماعي وقفة حازمة للتشهير بهذه الممارسات وهذه الأوضاع وفضحها، لإنهاء عهود الاستبداد والاستعباد.

عمر محب – معتقل سياسي

7 فبراير 2008 – السجن المدني – صفرو