قد يصيب المؤمن بعض الفتور أو الكسل، فتضعف همّته، وتبرد تطلّعاته إلى التغيير، ويقلّ عمله، وتكثر اعتذاراته إلى جانب غيابه عن المجالس، ويتراجع حرصه عن فعل الخير… خاصّة إذا كثرت مشاكله العائلية، أو طغت مشاغله الدّنيوية، أو خيّب أمله في ظنون طبعت انتظاراته، أو ضيّق عليه مادياً، أو أحرج بوعكة صحيّة.. كلّ ذلك لأسباب كثيرة، يمكن أن تؤثّر مجتمعة أو متفرّقة، يتجلّى بعضها فيما يأتي:

1- الاستعجال

قد يستعجل المؤمن رؤية ثمرة عمله، وتغيير الحال في الحين، وهو ما يخالف سنن الله في خلقه وفعله، ويخالف ما تأدّب معه الأنبياء والأولياء إلاّ ما كان استثناء لأسباب محدّدة، لذلك استوجب على المؤمن الذي في أصله إنسان عجول وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا 1 التريّث والصّبر اتّباعاً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم المخاطب بقوله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ 2 ، وقال سبحانه وتعالى: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ 3 ، قال ابن كثير: الحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال الله تعالى:)خلق الإنسان من عجل لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال:)سأريكم آياتي أي نقمتي وحكمي واقتداري على من عصاني)فلا تستعجلون 4 .

ومن أخطر مآلات الاستعجال الملل وقسوة القلب. كما وصف الله تعالى بني إسرائيل، إذ قال عزّ وجلّ: فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 5 .

2- التواكل

قد يدفع المؤمن يقينه في نصر الله تعالى وتأييد الله للمؤمنين وخذله للظالمين إلى التقصير في استفراغ الوسع من أجل الزحف، وهو ما نهى الله عنه جميع عباده منذ أن خلقهم، حيث جاء في القرآن الكريم في معرض الذم، إذ قال قوم موسى -عليه السّلام-: قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ 6 .

3- الوقوف عند الأخطاء

من المعلوم أنّ الأخطاء في العمل الحركي أو في اتخاذ بعض القرارات، أوفي التلقين لفكرة معيّنة.. يترك عثرة في العزيمة، وهو ما قد يؤدّي إلى الإحباط أو الفشل. وإذا وقف المؤمن عندها متأثّراً لا مقيّماً فاته فضل عظيم وتأخّر بشكل كبير.

4- الارتياب في نصر الله لعباده المؤمنين

من عرف ما يطلب هان عليه ما يجد)، كلمة تدلّ على أنّ عزيمة الإنسان على الشيء تقوى وتضعف بحسب مدى يقينه في أهدافه، لذلك كان النّصر دائماً حليف المؤمنين ليقينهم في نصر الله لهم. قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ 7 .

5- تضرّر الصّحبة

إذا أصيب المؤمن في صحبته، ضاع المقصد، وسقط الحصن، ورُفع التأييد والتوفيق، وأُظلم الطريق، فكثرت الآفات، وتاه القلب، وتقوَّت النفس، ونشطت الشياطين.. فكان الوصول إلى الله وهماً، لأنّه كما هو مقرّر عند أهل التربية: من لا شيخ له فالشيطان شيخه، فصعب على المؤمن عندئذ إخلاص العمل لله تعالى، وبالتالي يصير النصر من أبعد الأهداف. وذلك لأنّ تغيير الواقع مرهون بتغيير النفس وإصلاحها، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ 8 ، وتغيير النفس لا يكون بدون جماعة مؤمنة ذاكرة لله تعالى، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ 9 ، وقال سبحانه وتعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا 10 والتغيير في الجماعة لن يكون بدون مصحوب وليّ مرشد ربّاني سلك الطريق إلى الله تعالى فعرفه وخبر مغاوره. قال الله تعالى: الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” 11 .

6- التّفريط في الأذكار

من أقوى الأشياء التي تضعف إرادة المؤمن وعزيمته بل تقتلها التّفريط في الأذكار، لأنّه يضعف القلب ويقوّي النفس ويفتح الباب للشيطان ثمّ تقطع الصلة بالله تعالى. والأدّلة على ذلك كثيرة جدّاً، ولنكتفِ بمدلول اللفظ نفسه؛ فعدم ذكر الله تعالى يعني نسيان الله تعالى، ومن نسي الله نسيه وأنساه نفسه، فاشتغل بالدنيا ونسي مقصده. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ 12 . كما يثبّط من قبل الشيطان لأنّه أصبح قرينه في غياب الأذكار، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ 13 .

7- اليأس من التغيير

قد يفقد المؤمن الأمل في التغيير أمام ما تعانيه الأمّة الآن من مصائب لا حصر لها، وما يملكه أعداء الإسلام من السلطة والقوة، فيسدّ الأفق أمامه، وتتبخّر أحلامه، وهذا كاف لمحو عزيمته. وهذا ما نهى الله عنه على لسان نبيه إبراهيم عليه السّلام: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ 14 .

8- الضّعف أمام كثرة الأذى

يمكن أن تضعف كذلك عزيمة المؤمن تحت وطأة الأذى في النفس والمال. قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ 15 .

9- الذنوب والآثام

تؤثّر الذّنوب في عزيمة المؤمن بتأثيرها في قلبه، وذلك بتسويدها له شيئاً فشيئاً، عن أبي هريرة: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)”.

لهذا أمام كلّ هذه العوامل وغيرها يطلب من المؤمن تجديد عزمه في كلّ حين، وتفادي الموانع، وتجاوز العقبات. وهذا جزء من العلاج، لأنّ معرفة الدّاء نصف الدّواء، أمّا نصفها الآخر من الدّواء فيتجلّى في عناصر أخرى؛ منها ما يقابل الأسباب السّالفة الذكر ومنها ما يحتلّ مكانة أخرى، شرحها لنا الأستاذ عبد السّلام ياسين حفظه الله في أكثر من موضع، وحثّ عليها في أكثر من وصية، وهي كثيرة يتجلّى بعضها فيما يأتي…


[1] سورة الإسراء (11).\
[2] سورة الأحقاف (35).\
[3] سورة الأنبياء (37).\
[4] تفسير ابن كثير 3/240.\
[5] سورة الحديد (16).\
[6] سورة المائدة (24).\
[7] سورة الحجرات (15).\
[8] سورة الرعد (11).\
[9] سورة التوبة (119).\
[10] سورة الكهف (28).\
[11] المستدرك على الصحيحين، كتاب البر والصلة، رقم الحديث: 7319.\
[12] سورة المنافقون (9).\
[13] سورة الزخرف (36).\
[14] سورة الحجر (56).\
[15] سورة آل عمران (146) (رواية حفص، كما في باقي الآيات).\