أجرى موقع الجماعة حوارا شاملا مع الأستاذ عبد العزيز السيد الأمين العام للمؤتمر العام للأحزاب العربية، وذلك على هامش الدورة الـ45 للأمانة العامة المنعقدة بالمغرب، حول الواقع العربي والإسلامي، ومستوى التنسيق بين مختلف فعاليات المؤتمر، وكيفية مواجهة مشروع الهيمنة الأمريكي والاحتلال الصهيوني…

سؤال: نشكركم أستاذ عبد العزيز السيد الأمين العام للمؤتمر العام للأحزاب العربية على استجابتكم لهذا الحوار رغم مشاغلكم ووضعكم الصحي سائلين الله تعالى لكم الشفاء العاجل.

بداية أستاذ لو تقربون القارئ والزائر من هذه المؤسسة سواء من حيث أهدافها أو آليات اشتغالها؟

الجواب: المؤتمر العام للأحزاب العربية مؤسسة أنشئت في عام 1996 في عمان في الأردن، وضمت 66 حزبا من مختلف الأطياف الفكرية للعمل السياسي العربي، وكان الحافز لمثل هذه الدعوة هو أن الأحزاب العربية كانت قد أمضت حتى ذلك التاريخ زهاء تسعة عقود أو ونيف، وهي تحترم فيما بينها عدا القضايا الخلافية، الأمر الذي عطل فاعليتها ودروها وأعاقها عن تحقيق أهدافها.

وبقراءة لبرامج هذه الأحزاب على اختلاف اتجاهاتها كان يتبين لنا أن هناك قواسم مشتركة كبيرة تلتقي عليها وهي ثوابت الأمة وأهدافها العليا، فكان التوجه أن يلتئم شمل هذه الأحزاب في مؤتمر يعيد اتجاه المسار إلى ما ينبغي أن يكون عليه، بمعنى أن يعود الحديث فيما بينها والعلاقات التي تقوم فيما بينها على التعاون على ما هو عام وما هو مشترك ومتفق عليه، ففي ذلك قوة للحزب نفسه وللأحزاب في مجموعها، وبالتالي في المحصلة للعمل العربي الشعبي لما فيه خدمة المستقبل العربي ومواجهة المشاريع التي تستهدف الأمة ولا سيما المشروع الصهيوني. هذه هي الفكرة.

سؤال: رفع المؤتمر العام للأحزاب العربية منذ تأسيسه في دجنبر 1966 شعارا مركزيا وهو “نحو تضامن وعمل عربي شعبي مشترك”، أين وصلتم في تحقيق هذا الهدف؟

الجواب: هذا الشعار حقيقة اخترناه بعد تفكير ملي جدا، هو شعار فضفاض لا يمكن أن تقول إنه تحقق اليوم ويمكن أن تقول إنه تحقق، ولا يمكن أن تقول إنه تحقق بعد 20 سنة ويمكن أن تقول إنه تحقق بعد 20 سنة. لماذا؟ لأنه دائما المصطلحات التي لا تكون لها مفاهيم محددة تظل قابلة للتأويل. ولقد اخترناه عن عمد، وابتدأناه بكلمة نحو، لماذا؟ لأننا كنا نشعر أننا نقدم على مغامرة لا تحتمل التحديد القاطع ونترك لها فرصة أن تتحرك فضاء أوسع لنستكشف مع الأيام كيف يمكن أن تنمو هذه التجربة.

من هنا أنا أجيبك بالقول إن هذا الشعار حينما كان في بداياته، بداية 96، كان بذرة غرسناها في الأرض وأستطيع أن نقول إنه نبث وأصبح فوق سطح الأرض بل وارتفع ساقه، لكنه في حاجة إلى مزيد من الرعاية والعناية والسقاية حتى تتحدد قامته ويستوي كما نريده.

والتضامن العربي الشعبي بين هذه الأحزاب خلال هذه الأعوام الفائتة أثبت نجاعته وحقق إنجازات على مستوى ما نتفق عليه في مؤتمراتنا من عمل مشترك، ما نتفق عليه في الأمانة العامة في اجتماعاتها من فعاليات مشتركة حينما نكلف بها الأحزاب في مجملها تلتزم بها بنسبة أو بأخرى، وهذا هو عنوان أساسي لمفهوم التضامن. طموحنا طبعا لأن يرتقي لأكثر من ذلك ونحن نتابع بلا ملل ومتفائلون بذلك.

سؤال: تعقدون المؤتمر الـ45 للأمانة العامة للمؤتمر وسط واقع عربي وإسلامي مأزوم، كيف ترون المخرج من أزمة الأمة؟

الجواب: أولا أنا لا أسلم بهذه المقولة، لا أترك سؤالك يمر مرور الكرام. نعم نحن في أزمات كثيرة نعاني منها على غير ساحة وعلى غير صعيد، هذا صحيح. ولكن في المقابل هنالك إشراقات مضيئة كبيرة أو صغيرة كما شأن الكواكب والنجوم والشمس والأقمار بعضها كبير وبعضها صغير، لكنها في مجملها تشكل حزمة ضوء في هذا الليل متنامية، وهذه عبارة عن أكثر من قوة في جدار الظلام الذي كان قد ران على الأمة في مرحلة احتلال العراق كمرحلة متميزة تميزا سلبيا، لكن بعدها بدأت الأمور تتراجع باتجاه حركة الشعوب أو الشعب العربي في كل مكان.

لكن هذا لا ينفي وجود هذه الأزمة، المشروع الصهيوني ما زال قائما، خسر في عديد من المواقع خسائر بينة، خسر في لبنان، المشروع الصهيوني المترادف معه أو المتكامل معه أيضا هذه المعركة المزدوجة للمشروعين الأمريكي والصهيوني في لبنان أعني بذلك حرب تموز، وتسألني أنت هذا السؤال والساحة الصهيونية الآن تعيش مرحلة قلق واضطراب جراء المفاجئة التي كانت فوق ما توقع المجتمع الصهيوني وهي تقرير فينوغراد.

في العراق المقاومة ما زالت صامدة وأبية وعصية على الاجتثاث وبالعكس فإننا نرى الحكومة المرتبطة بالأمريكان والمؤسسات المنبثقة عنها هي التي تعاني من تفسخ ومن حالة اضطراب في صفوفها.

وفي فلسطين بالرغم من هذا الجرح الذي ما زال ينزف هذا النزيف الحاد لكننا رأينا، برغم كل التكالب الذي حصل على أهلنا في فلسطين لا سيما في قطاع غزة، كيف فجر الفلسطينيون طاقات رائعة وطاقات استطاعة أن تكسر حصارا للأسف هو في عوانه العام حصار صهيوني، ولكن تحت هذا العلم الصهيوني هنالك رايات صغيرة أو كبيرة كان باستطاعتها أن تكسر هي الحصار ولم تفعل. إذن بمزيد من النضالات على كل الساحات، وبمزيد من التعاون والتضافر العربي الشعبي، والذي يطمح الإنسان إلى أن يكون هنالك تكامل بينه وبين الدور الرسمي لكن للأسف هذا حتى الآن ضعيف جدا.

إننا بهذه الحركة الشعبية على مستوى ليس مؤتمر الأحزاب العربية فقط، ولكن المؤتمرات العربية التي ننسق معها، المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي والاتحادات العربية الكبرى وسائر القوى الحية في الأمة، باستمرار عملها نستطيع أن نتجاوز نحو المستقبل بإذن الله.

سؤال: رفعتم لدورتكم هذه المنعقدة في المغرب شعار “دورة نصرة غزة”، ولاحظتم من جهة أخرى، كما لاحظ الجميع، كيف هب الجميع احتجاجا ضد الحصار الظالم على شعبنا الفلسطيني خاصة في القطاع. في نظركم أستاذ عبد العزيز السيد كيف لهذه الأنشطة وهذه المؤتمرات أن تسهم فعليا في رفع هذا الحصار اللاإنساني؟

الجواب: هذا كان أحد الموضوعات التي ناقشناها بالأمس، وحددنا مجموعة من الخطوات والإجراءات التي سنقوم بها في الأحزاب، من بينها تسيير قوافل بشكل أو بآخر باتجاه قطاع غزة، نحن نعلم أن هذا لا يكون سهلا لكن لا ضير في ذلك سنقوم بالخطوة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا هذا أولا. ثانيا، المواقف الإعلامية. ثالثا، الاتصالات مع القوى الأوروبية وغيرها لأنا نعتقد بأهمية التحركات الأوروبية في مثل هذا الاتجاه. رابعا، سنخاطب القمة العربية نحن نبعث لهم لفك هذا الحصار الجائر، طالبنا ونطالب بوقف المفاوضات العبثية القائمة حاليا.

وأخذنا قرارا وهو قرار هام جدا بأن تُعقد الدورة المقبلة للأمانة العامة في غزة إن شاء الله.

سؤال: عشنا خلال السنوات الأخيرة زيادة الهيمنة والتدخل الأمريكي في المنطقة (حروب العراق وأفغانستان، والوضع الداخلي للبنان والسودان، ناهيك عن دعم الاحتلال الصهيوني…). سيادة الأمين العام ما هو المطلوب لمواجهة هذه الإرادة المستكبرة التي تقود المنطقة نحو الهاوية؟

الجواب: أولا هذه الهجمة ما الذي تستهدفه؟ تستهدف مصلحة الكيان الصهيوني وبقاءه، تستهدف النفط وسائر الثروات الموجودة في المنطقة، هذا بشكل أساسي والباقي تفريعات، ومنع هذه المنطقة من أن تكون فيها قوة لذلك فهي تتجه بقوة ضد إيران خشية أن تمتلك إيران سلاحا نوويا يمكن أن يؤثر.

المشروع الأمريكي يقاوم كما يقولوا المقاومة لهذا المشروع هي المقاومة، والمقاومة أثبتت هي التي حالت دون أن يحقق نتائجه، أصروا كذا سنة في أفغانستان وبالأمس رأينا مشاكل الولايات المتحدة تتضخم في هذا البلد ويزداد سوء تفاهمها حتى مع أقرب حلفائها وفي المقابل لاحظنا ارتفاع وسائل المقاومة الأفغانية. الحال نفسه موجود في العراق، والهزيمة موجودة في لبنان لذلك لجؤوا إلى الفتنة طائفية.

مواجهة هذا المشروع هو بمزيد من الحسم الأسرع، هي بمزيد من التوحد والتنسيق بين مجمل قوى المقاومة في الساحات المستهدفة، يعني لو كانت قوى المقاومة في العراق على سبيل المثال أكثر تنسيقا لكانت فعالياتها أكثر مما هي عليه الآن، والحال نفسه يقال عن المقاومات المختلفة.

الأمر الآخر هو الضغط على هذه الأنظمة العربية لكي تقلل من انحنائها واستخذائها للإرادة الأمريكية.

والنقطة الثالثة التي ينبغي أن نهتم بها كثيرا هي أن ننفتح على القوى العالمية الصاعدة المناهضة للولايات المتحدة وعولمتها أو أمركتها، مثل ما نراه في أمريكا اللاتينية.

سؤال: بالموازاة مع هذه الهيمنة الخارجية، داخليا تعرف أغلب الأوطان العربية استبداد النظام العربي الرسمي ومن تم انحباس مسارات التداول على السلطة. كيف لمختلف القوى الوطنية أن تتجاوز واقع الاستفراد بالسلطة؟

الجواب: هذه مسألة نضالية طويلة ولا بد أن تأخذ مداها، المهم ألا نستسلم لهذه القيود التي تفرض. وآليات الأحزاب في العمل معروفة وهي الوسائل السلمية التي تقوم بها. لكن الأهم من هذا هو الأحزاب نفسها، أن تبدأ هي بنفسها بتطبيق الديمقراطية في بناها، لأن البنية الحزبية القوية هي الأقدر على أن تتحمل التضحيات الأخرى في سبيل أن تحقق أهداف شعبها وأهدافها هي نفسها في انتزاع المزيد من الديمقراطية، وألا تركن إلى ما يمكن أن يمنحه الحاكم لها لأن من يمنح يمنع.

لكن الإنسان يشعر بشيء من الاطمئنان لأنه في العقد الأخير على الأقل من هذا القرن بدأت الأحزاب فعلا تتجه إلى تعزيز البنى الديمقراطية والتداول، يعني نحن عندنا في المؤتمر حوالي 120 حزبا أستطيع القول 35 % يمارس تداول السلطة بشكل سليم منذ مطلع القرن الحالي، وهذا ما لم يكن يحدث في العقود الفائتة أبدا، وذلك انعكس كحراك سياسي جيد وإن كان في بعض الحالات مردوده سلبي لماذا؟ لأن التغييرات كانت أكبر من أن يحتملها جسم الحزب، ففقد الخبرات التاريخية التي كان يرتكز إليها، لكن هذه تبنى مع الأيام ويظل أقل سوء من الاستمرار في الطابو المحرم سواء على مستوى الفكر أو الممارسة أو القيادة.

سؤال: رجوعا إلى المؤتمر، ضمن جدول أعمال مؤتمر الأحزاب العربية تم التطرق لبرنامج أنشطتكم هذه السنة 2008، هل لكم أن تحيطونا بأهم ملامحه؟

الجواب: يعني في مهمات عادية دائمة روتينية وهي تنمية العضوية في المؤتمر أو ما نسميه الاستقطاب، وهنالك أمور تتعلق بالأوضاع العامة مرهونة بالقضايا وتطورها، القضايا المركزية الكبرى للأمة. لكن أعلنا هذا العام عام العودة الذي يصادف مرور 60 عاما على الاحتلال ونكبة فلسطين، وستكون هنالك فعاليات متطورة متعاقبة ومتتالية، تبلغ ذروتها لكي تكون هنالك موحدة أو أكثر فعالية في كل الساحات العربية ولدى كل الأحزاب العربية طبعا بالتعاون مع القوى الأخرى، لأننا نشعر بأن هذا العام هو أخطر ما تستهدف فيه القضية الفلسطينية عبر بوابة حق العودة الذي جاء الرئيس بوش لينعاه ويطالب بآلية للتعويض ويرمي حق العودة وراء ظهره.

طبعا سنخلق منبرا لنا يكون وسيطا بين صوت الحكومات وصوت الشعوب، وهو رابطة برلمانيي الأحزاب العربية التي نأمل أن تنقل مواقفنا عبر القبة التي يمثل النائب فيها حزبه.

سؤال: الأمين العام لمؤتمر الأحزاب العربية، كلمة أخيرة إلى مجموع الأمة وفعالياتها المتنوعة من خلال موقع العدل والإحسان؟

الجواب: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون”، دعني أقول المطلوب أن نتمسك بأهداب الأمل مقرونا بالعمل. والمستقبل لهذه الأمة بإذن الله.