في مجلس من مجالس النصيحة التربوية التي تعقدها الجماعة باستمرار، ألقى الأستاذ بنسالم باهشام، أحد علماء جماعة العدل والإحسان، كلمة مستفيضة حول صفات الربيين في القرآن الكريم، فيما يلي الجزء الأول من هذه الكلمة:

نلتقي في هذه النصيحة الثانية من هذه السنة الدعوية -ونحن في آخر أيام سنة شمسية كما لم تبق إلا أياما معدودات من سنة قمرية- لنتحدث عن الثبات في ساحة المعركة قبل الحرب وأثناء المعركة وبعد المعركة -والحياة الدنيا كلها ساحة معركة-. قال تعالى في سورة آل عمران:

(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَُتَلَ، مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)).

المفردات اللغويةكأين: أي ما أكثر، وهي اسم مركب من كاف التشبيه وأي الاستفهامية،فظهرتا في صورة الكلمة الواحدة التي فقد عندها معنيا الجزئين واكتسب معنى جديدا هو (ما أكثر) كما أن أصل (كذا) هو ذا وكاف التشبيه. وغيرت كأين في اللفظ لتغيرها في المعنى، لأنها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير.

وكأين بمعنى كم الخبرية، وكم لها استعمالان : كم الخبرية، وكم الاستفهامية. فأنت تسأل الشخص فتقول: كم كتاب عندك؟ فهذه استفهامية.

وقد تقول: كم كتاب عندي! أي عندي كتب كثيرة.

فإما أن تسأل، وإما أن تفتخر، فعندما تقول:كم كتاب عندي! تعني: عندي كتب كثيرة

وعندما تسأله كم كتاب عندك؟ فأنت تستفهمه. فإما أن تستخدمها استفهاما، أوإخبارا، لذلك إعرابها كم الخبرية أو الاستفهامية. وكأين تساوي كم الخبرية والاستفهامية.

وكأين من نبي: أي كم من نبي، أي ما أكثر الأنبياء الذين قاتل معهم ربيون كثير، أو قتلوا.

الربيون: جمع ربي نسبة إلى الرب، كالربانيين، وهم العلماء الأتقياء العابدون لربهم.

وقيل نسبة إلى الرَبة وهي الجماعة، والآية تحتملهما معا وسنرى ذلك في حينه إن شاء الله تعالى.

الوهن: ضعف من حيث الخلق (بفتح الخاء وسكون اللام) أو الخلق (بضم الخاء واللام) ،قال تعالى: (قال رب إني وهن العظم مني )، وقال سبحانه: (فما وهنوا لما أصابهم)، وقال عز وجل (وهنا على وهن) أي كلما عظم الجنين في بطن الأم زادها ضعفا على ضعف، وفسر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الوهن في الحديث الذي رواه أبو داود بأنه: (حب الدنيا وكراهية الموت)، لهذا فالوهن فيه معان لا توجد في الضعف، إذ الوهن انكسار الجسد بالخوف، وضعف في الأخلاق نتيجة حب الدنيا وكراهية الموت، فيترتب على ذلك الفتور.

ضعفوا: من الضعف وهو خلاف القوة، وقد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال.

وقيل: الضعف (بفتح الضاد وبضمها) لغتان، فمضموم الضاد في البدن، ومفتوحها في العقل والرأي، والمقصود في الآية : فما نقصت قوتهم ولا رأيهم ولا حالهم.

استكانوا: من السكون، أي خضعوا وذلوا،إذ الخاضع يسكن لصاحبه ليصنع به ما يريد.

وما استكانوا: أي ما خضعوا وذلوا لعدوهم.

ضرب الله للمسلمين المثل في كل زمان ومكان بإخوانهم المؤمنين الذين أنعم عليهم وهداهم إلى الصراط المستقيم، من موكب الإيمان الضارب جذوره في تاريخ البشرية، إنه نموذج أولئك الربيون العلماء الصادقون الذين هم ملح البلد، وبسلوكهم ومواقفهم تهتدي البشرية، أولئك الذين صدقوا في إيمانهم وكانوا صفا مرصوصا كما أراد الله وأحب، وجموعا متراصة، وهم خيرة أقوامهم، إذا قاتلوا مع أنبيائهم لم يهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا أمام عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم.

فما فتروا ولا ضعفوا ولا جبنوا ولا خضعوا، بل تسلحوا بالصبر، صبروا فلم يهنوا، وصبروا فلم يضعفوا، وصبروا فلم يستكينوا فاستحقوا شرف حب الله لهم (والله يحب الصابرين) صبروا على التمسك بمنهاج الله حتى يلقوا الله.

وإذا أحب الله عبدا كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سأل الله أعطاه، ولئن استعاذه أعاذه، بل يعلن الله سبحانه وتعالى الحرب على كل من أذاه، قال تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب…).

ورغم ما حظوا به من قرب ومحبة واستجابة دعاء ما زادهم ذلك إلا أدبا وتواضعا مع الله عز وجل عند إقدامهم على الموت -الذي هو خلق من خلق الله- متيقنين أن من قتل أو مات موتة طبيعية فقد انتهى أجله الذي قدره الله له في هذه الحياة الدنيا، وأن موته كانت بإذن الله عز وجل، ولا دخل لأي مخلوق ولو كان ملك الموت في آجال البشرية.

بهذا الإيمان، وهذا اليقين قدموا على الموت، وبهذا الأدب الإيماني في هذا المقام مقام الجهاد أقبلوا فلم يزيدوا على أن اتهموا أنفسهم بالتقصير في حق الله عز وجل، وجسموا أخطاءهم فرأوها إسرافا في أمرهم، فاستغفروا الله عالمين أنه كم من عبادة في ظن البعض حسنة وهي في حق الله ذنبا، لهذا شرع الله لنا الاستغفار بعد الصلوات الخمس ثلاث مرات (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله)، كما شرع الاستغفار بعد قيام الليل وهي أفضل صلاة بعد الفريضة لشرف زمانها، قال تعالى في سورة الذاريات في صفات المتقين: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون).

ثم يطلبون الله التثبيت في مواطن الحرب، إذ لم يغتروا بصبرهم على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله، بل علموا أن لا حول لهم ولا قوة إلا بالله. ومن تأدبهم مع الله عز وجل أنهم جعلوا طلب النصرة على الأعداء آخر مطالبهم بعد الأخذ بكل الأسباب المادية والمعنوية وعلى رأسها التوبة إلى الله ورد المظالم إلى أهلها، عندها قالوا: (وانصرنا على القوم الكافرين)، فاستجاب الله دعواتهم، وجمع الله لهم بين جزاء الدنيا بالنصر والغنيمة والعز والظفر والتمكين وحسن السمعة، وتثبيت الأقدام بعد النصر، وبين جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها.

وختم الله هذا النموذج البشري بكونه سبحانه يحب المحسنين الذين بلغوا مقام الإحسان من الدين، وهي أعلى مقامات الدين بعد الإسلام والإيمان، فأحسنوا عبادتهم وأحسنوا عملهم وأحسنوا نيتهم وأحسنوا جهادهم،وخص الله سبحاه وتعالى ثواب الآخرة بالحسنى إشعارا بفضله، وأنه المعتد به عند الله.

علاقة آيات هذا المجلس بالذي قبلهفي مجلس النصيحة السابق من هذه السنة تدارسنا أربع آيات من سورة إبراهيم فتحدثنا عن المثل الذي ضربه الله لنا حول الكلمة الطيبة والخبيثة، وجزاء المؤمن والكافر والمنافق بتثبيت المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وإضلال الظالمين ليكون الجزاء من جنس العمل، ويفعل الله ما يشاء، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء (27)).

وكان شعار المجلس: الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله)، وقولها باللسان أعلى شعب الإيمان ويندرج الشعار ضمن خصلة الذكر.

أما مجلسنا هذا الثاني فشعاره الشجاعة والإقدام، والشجاعة هي الشعبة الرابعة والثلاثون من شعب الإيمان، وتندرج ضمن خصلة الصدق.

والقاسم المشترك بين آيات المجلسين، هو الثبات، قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء (27)).

لما رسخت هذه الكلمة الطيبة في قلوب أصحابها بالإكثار منها وثبتت، آتت أكلها بالأعمال الصالحات وعلى رأس هذه الأعمال ذروة سنام الدين الجهاد في سبيل الله بكل أنواعه، فجازاهم الله بالتثبيت بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولما برزوا لعدوهم في ساحة الحرب لينصروا دين الله، سألوا الله تثبيت أقدامهم والانتصار على عدوهم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (147)) فأجزل الله لهم العطاء فأعطاهم أكثر مما سألوه وهو تثبيت الأقدام بعد النصر، وهي الحالة التي يغفل عنها الكثير من الناس فتزل أقدامهم بسبب نشوة الانتصار، ويغفلوا عن ذكر الله وعن الإكثار من الكلمة الطيبة، ويتهاونوا في فرائض الدين، قال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).

علاقة الآيات بما قبلها في نفس السورةقال تعالى في سورة آل عمران: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)).

بعد أن تحدث الحق عز وجل عن نوع من الارتداد بموت المصحوب وهو الرسول صلى الله عليه وسلم أو من يرثه، نزه الله نفسه عن إلحاق الضرر به بسبب هذا الارتداد، واعتبار هذا الفعل كالارتداد في المعركة على الأعقاب، وأنه سبحانه ما شرع للبشرية هذا المنهاج الرباني إلا لإسعادهم وأنه سبحانه وتعالى سيجازي الشاكرين الذين يعرفون مقدار نعمة الصحبة التي منّ عليهم بها،فكان شكرهم لله عليها بالعمل الصالح والثناء على الله.

وقد أراد الله عز وجل أن يؤصل للمسلمين معنى الصحبة التي لا تنتهي بمفارقة المصحوب لدار الدنيا -بما وقع في غزوة بدر- وأن المصحوب مخلوق من مخلوقات الله خاضع لأمر الله، وأن الموت مكتوب على كل مخلوق، قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)، وأن كل من مات فقد استوفى رزقه وأجله، سواء مات موتة طبيعية أو مات مقتولا،وأن كلا سيجازى على نيته وقصده وإرادته من دنيا وآخرة، بعد هذا ذكر الله نموذجا من الشاكرين الذين فهموا معنى الصحبة فلم ينقلبوا على أعقابهم بقتل المصحوب، بل تمسكوا بالمنهاج وأكملوا الطريق التي خطها لهم نبيهم.