يعد محمد بن عبد الكريم الخطابي بحق، ظاهرة فريدة وسمت صفحات تاريخ المغرب الحديث ورصعته بأبهى معاني الرجولة، وثبات الموقف، وثبوت الحجة، وبأجلى مظاهر الحنكة السياسية والعسكرية… وتهب علينا في هذا الأيام نسمة من ذكرى وفاته (6 فبراير) فأحسست أن من حقنا على أنفسنا أن نتذكره ومن حق الرجل علينا أن نذكره.

– نتذكره حتى لا ننسى يوما أو سويعة أن أرحام أمهاتنا لم تعقم عن ولادة الرجال العظماء وأن ما نفخر به من تاريخنا موجود يكفي أن ننفض عنه الغبار ونرفع عنه الحصار.

– ونذكره لنوفيه فقط بعض حقه، ليس محاولة منا لرفع قدره بل هو به دوما في ارتفاع.؟ أما كيف نذكره فليس من حق أحد أن يملي علينا الطريقة التي يجب أن نذكره بها إلا هو نفسه. باعث هذا الأمر هو أنني كلما قرأت مقالة أو كتابا حول “الأمير” ثم أردفته بقراءة سيرته بأقلام أصحابه والشيء القليل مما سطرته يده إلا وأجد بونا في المنطلقات، واختلافا في المسارات -وإن شئت قل اختلالا..- وتغاضيا عن جانب “شرطي” في شخصية الرجل أحسب أنه مبعث فخره، وحافز جهاده ومناط حركته، ذلك أنه لا يخفيه بل يعليه ويعلو به… إنه الإيمــان: – الإيمان بالله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم – الإيمان بالأخلاق الفاضلة ومقته للفساد بكل أنواعه – الإيمان بالحرية – الإيمان بالعدالة الاجتماعية وكأني بأولئك الذين يكتبون عنه -لأمر ما- يقطعون النظر عن هذه الحقيقة: إن فارس الجهاد في الريف رجل مؤمن وحين يذكر المؤمنون يجب أن يذكروا بكل القضايا التي بها يؤمنون ولها يعيشون ومن أجلها يموتون ..دون اجتزاء. ولست أدري ما يضير بعض الباحثين والدارسين والمؤرخين لو تطرقوا لهذه القضية ولو من باب الدراسة الأكاديمية البحتة توخيا للموضوعية – أو لربما أدري ولا أريد أن أصدق-. فلو كان الخطابي كنفورشيوسيا أو سيخيا فإنك لا شك واجد فقرات وفصولا تقتل بالدرس “ظاهرة الاعتقاد ودوره في تحقيق المعجزات”. وا أسفاه…

صحيح أن كل الكتابات أنصفته حيث تذهب في وصفه مذاهب شتى، فمن زعيم استثنائي إلى أسد الريف، ومن مؤسس حرب العصابات إلى بطل المقاومة، الأمير… وغير ذلك من الأوصاف والألقاب الكثير الكثير وكل ذلك من الحق بمكان كبير شهد بذلك حتى الأعداء. ولكنك لا تجد ذكرا لما افتقدناه.. بل تجد بعض قراصنة الألقاب ومتصيدي الأنساب من يبحث لفكره أو إيديولوجيته عن جذور تاريخيه تقيه شر الانتساب الهجين وتدفع عنه تهمة “الدخيل” في مجتمع متمسك بأصوله، لا يزال.. لذلك حين يُدخل حرب الريف إلى آلته الفكرية يلبس من لبوسها ويُلبسها- يتعسف – من لبوسه، فيًخرج منها ويا للصدف، مفاهيم تتمشى مع منظومته، فإذا بأمير المجاهدين خريج القرويين رجل اشتراكي بالفطرة. وحين تصطدم آلته بمفاهيم قرآن، خالق، إيمان.. فما يكون يا ترى الجواب؟.. هل كان الخطابي يعيش طفولة فكرية لما تتطور بعد واستطاع جمع ما لا يجتمع؟ أم أنه كان يستغل “المخزون النفسي” للريفيين البسطاء ويدغدغ عواطفهم لتحقيق ثورته؟ أو أن الآلة تغض الطرف عن ذي فلا تصطدم بها أصلا فتقضى حوائج بالترك، وحسبي أني وجدت في عصرنا من اكتشف أن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه كان اشتراكيا، فكيف لا يكون محمد بن عبد الكريم كذلك وزمنه إلينا قريب.

نورد هنا شهادة أحد رجال جيش التحرير البارزين الذين رافقوا الأمير في جهاده إنه محمد سلام امزيان في كتابه “عبد الكريم الخطابي وحرب الريف”. قال يحكى كيف كان الأمير في أصحابه: … ثم جاء دور ربطهم بخالق هذا الكون ومدبره، فأخذ يعلمهم الدين، ويلقنهم العقيدة. فيجلس في وسط الحلقة وفي أي مكان ليشرح لهم وبأسلوب مبسط أصول الدين والشريعة بأنها معاملة وأمانة ونظافة ونظام وسلوك وأخلاق ومبادئ وشجاعة وكرم وعلم وبناء وعمران ورسالة في الحياة ووحدة وإخاء وتسامح ومحبة ورحمة ووطنية ويأتي لهم بالأمثلة كالمعلم أمام تلامذته) انتهى. قلت: إذا لم يكن الإيمان بالله كذا فكيف يكون؟ وإذا لم يكن مثل الخطابي مؤمنا فمن يكون. وإني أدعو إلى وقفة ممتلئة بالتأمل مع قطف من رسالة أرسل بها إلى الشيخ العلامة محمد كنون، وهو عم العلامة عبد الله كنون، وردت في العدد الثاني عشر من مجلة أمل والذي خصص بالمناسبة لحركة المقاومة الريفية يقول فيها: … نشكركم شكرا كاملا على تلك الهدية الفاخرة والصلاة العاطرة التي أذنتم لنا في تلاوتها…). تريث عند كلمتي “الصلاة العاطرة”، والتي قد تعني صيغة للصلاة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وعند “أذنتم لنا في تلاوتها”. لنخرج بخلاصتين اثنتين:

-الأولى: أن محمد بن عبد الكريم كان يعتقد في العلامة محمد كنون اعتقادا خاصا قد يرقى إلى مقام الشيخ المربي خصوصا إذا علمنا أن العلامة محمد كنون كان متصوفا وله في هذا الفن رسائل، وقد نعته الأمير في نفس الرسالة بالشيخ البركة، وفرح أن أذن له بتلاوة تلك الصيغة من الصلاة.. والكلمات تعني الكثير.

– الثانية: أن “الأمير” لم يمنعه القيام بأعباء الجهاد لدحر المستعمر من التنفل بتلاوة الأذكار ولزومها، فضلا عن إقامة الفرائض على أصولها.

إن رجلا هذه صفاته كالأمير الخطابي يجب أن يذكر -حين يذكر- بما يحب أن يكون وبما يحب أن يوصف به لا سيما وهو في الرفيق الأعلى. وإني لأذكر له أنه كان مؤمنا بالله ورسوله محبا لله ورسوله وشيوخه وأهله وأبناء وطنه والمسلمين جميعا. وما ذكر آنفا إنما هو لُمع اكتفينا فيها بالقليل ولكنه بليغ.. وارتضينا فيها الإشارة وحسبها الفهم وللمستزيد موعد لن يُخلفه حين يتصدى “أهل مكة” والعارفون بشعابها لما أشرنا إليه. ورحم الله الأمير المؤمن المجاهد محمدا بن عبد الكريم وأصحابه وكل شهداء الحرية والكرامة.