القصر

بقلم: عبد الهادي عطراوي / [email protected]

1) مشروعية القصر

القصر جائز بالكتاب والسنة والإجماع.

أما بالكتاب: فقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: 101] والقصر جائز سواء في حالة الخوف أم الأمن، لكن تعليق القصر على الخوف في الآية، كان لتقرير الحالة الواقعة، لأن غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم لم تخل منه.

وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجاً ومعتمراً وغازياً محارباً، وقال ابن عمر: “صحبت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك” متفق عليه.

وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة سواء كان السفر واجبا كسفر الحج أو مستحبا كزيارة الوالدين أو مباحا كالسفر لنزهة أو مكرها على سفر قصر الصلاة.

والقصر: هو اختصار الصلاة الرباعية إلى ركعتين.

والذي يقصر إجماعاً: هو الصلاة الرباعية من ظهر وعصر وعشاء، دون الفجر والمغرب.

2) حكم القصر: أي هل هو رخصة أم عزيمة واجب؟

وذهب المالكية إلى أن: القصر سنة مؤكدة، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يصح عنه في أسفاره أنه أتم الصلاة قط”، كما في حديث ابن عمر السابق.

3) الحكمة من القصر وسبب مشروعيته:

الحكمة هو دفع المشقة والحرج الذي قد يتعرض له المسافر غالباً، والتيسير عليه في حقوق الله تعالى، والترغيب في أداء الفرائض، وعدم التنفير من القيام بالواجب، فلا يبقى لمقصر أو مهمل حجة أو ذريعة في ترك فرض الصلاة.

وسبب مشروعية القصر: هو السفر الطويل، المباح عند الجمهور غير الحنفية. والكلام عن السفر الذي تتغير به الأحكام الشرعية يتطلب بحث أمور أربعة وهي: المسافة التي يجوز فيها القصر، نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة: المباح أم أي سفر، الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر (أول السفر)، مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع.

4) المسافة التي يجوز فيها القصر:

اختلف الفقهاء في تقدير مسافة التي يقصر فيها، وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن: السفر الطويل المبيح للقصر بالزمن: يومان معتدلان أو مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، وقال المالكية على الصحيح: تقدر مسافة القصر بحوالي (89كم) وعلى وجه الدقة: 88.704 كم ثمان وثمانين كيلو وسبعمائة وأربعة أمتار، ويقصر حتى لو قطع تلك المسافة بساعة واحدة، كالسفر بالطائرة والسيارة ونحوها، لأنه صدق عليه أنه سافر مسافة القصر، والمسافة في البحر كالمسافة في البر.

واستثنى المالكية خلافاً لغيرهم (الجمهور) من هذه المسافة أهل مكة ومنى ومزدلفة والمُحَصَّب إذا خرجوا في الحج للوقوف بعرفة، فإنه عملاً بالسنة يسن لهم القصر في الذهاب والإياب إذا بقي عليهم شيء من أعمال الحج التي تؤدى في غير وطنهم، وإلا بأن وصلوا وطنهم أتموا الصلاة.

5) نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة:

وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه: لا تباح الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع في سفر المعصية، كقطع الطريق، والتجارة في الخمر والمحرمات، وهذا هو العاصي بسفره أي الذي أنشأ سفراً لأجل المعصية أو يقصد محلاً لفعل محرم، فلا يقصر الصلاة، ويحرم عليه القصر، وذكر المالكية أنه يكره القصر للاهٍ بالسفر أي قاصد اللعب في سفره.

أما العاصي في السفر: وهو الذي قصد سفراً لغرض مشروع، لكنه ارتكب في أثناء السفر معصية كزنا أو سرقة أو غصب، أو قذف أو غيبة، فيجوز له الترخص من قصر وغيره، لأنه لم يقصد السفر لذلك أي للمعصية، وإنما لغرض مشروع، فهو كالمقيم العاصي.

6) الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر:

لا تكفي نية السفر لقصر الصلاة قبل مباشرة السفر وتجاوز حدود البلد، بل لابد من مباشرة السفر حتى يحق له القصر والفطر، وقد اتفق الفقهاء على أن أول السفر الذي يجوز به القصر ونحوه: هو أن يخرج المسافر من بيوت البلد التي خرج منها ويجعلها وراء ظهره، أو يجاوز العمران من الجانب الذي خرج منه، وإن لم يجاوزها من جانب آخر، لأن الإقامة تتعلق بدخولها، فيتعلق السفر بالخروج عنها.

ولا يُتم صلاته حتى يدخل أول بيوت البلد الذي يقصده للإقامة فيه.

ولا يزال المسافر على حكم السفر حتى ينوي الإقامة مدة معينة.

7) مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع:

يظل للمسافر حق القصر ما لم ينو الإقامة في بلد مدة معينة

وقد ذهب المالكية والشافعية إلى أنه: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أتم صلاته، لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض، والسنة بينت أن ما دون الأربع لا يقطع السفر، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في عمرته ثلاثا يقصر وفي الصحيحين:”يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا”.

وقدر المالكية المدة المذكورة بعشرين صلاة في مدة الإقامة، فإذا نقصت عن ذلك قصر.

ولم يحسب المالكية والشافعية يومي الدخول والخروج لأن في الأول حط الأمتعة، وفي الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر.

8) شروط القصر عند المالكية:

– الشرط الأول: أن يكون السفر على مقدار المسافة المجيزة لذلك وهي 89 كم .

– الشرط الثاني: أن يعزم من أول سفره على قطع المسافة من غير تردد.

– الشرط الثالث: أن يقصد جهة معينة فلا قصر على هائم لا يدري مقصده.

– الشرط الرابع: أن يكون السفر مباحا.

– الشرط الخامس: أن يجاوز البلد وما يتصل به من الأبنية والبساتين المعمورة.

– الشرط السادس: ألا يعزم في خلال سفره على إقامة أربعة أيام بلياليها.

9) اقتداء المسافر بالمقيم والعكس:

أ- اقتداء المسافر بالمقيم:

اتفق الفقهاء على أنه يجوز اقتداء المسافر بالمقيم مع الكراهية عند المالكية لمخالفة المسافر سنته من القصر، فلو اقتدى مسافر بمقيم وجب عليه أن يتم صلاته أربعا متابعة للإمام، فقد قيل لابن عباس رضي الله عنه: “مابال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة.”-أحمد في المسند- وقال نافع:” كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلاها أربعا، وإذا صلى وحده صلاها ركعتين.”-رواه مسلم-.

ب- اقتداء المقيم بالمسافر:

اتفق الفقهاء أيضا على أنه يجوز اقتداء المقيم بالمسافر مع الكراهة عند المالكية لمخالفة نية إمامه، فإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم ثم أتم المقيمون صلاتهم، ويستحب للمسافر الإمام أن يقول عقب التسليمتين:” أتموا صلاتكم فإني مسافر” لدفع توهم أنه سها، ولئلا يشتبه على الجاهل عدد ركعات الصلاة، عن عمران بن حصين قال: ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم يقول: يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخريين، فإنا قوم سَفْر”.- حسنه الترمذي-

وإن سها الإمام بعد نية القصر فأتم، سبح له المأموم، فإن رجع سجد لسهوه، وإن لم يرجع، لم يتبعة المأموم بل يجلس حتى يسلم إمامه.