يلاحظ المتتبع لما يجري في بلادنا في السنين الأخيرة ميل الملك ومحيطه إلى نهج سياسة تدخلية في كل شيء، في الكليات والتفاصيل، وفي العموميات والجزئيات، وفي التخطيط والتنفيذ، ويشمل هذا الأمر مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفن…

ففي السياسة يتدخل في كل شيء، فهو الذي يحدد الأولويات، ويوجه مسار الحكومة و…

وفي الاقتصاد يلاحظ تنامي الاستثمارات الملكية ونسبة مساهمة الأسرة الملكية في العديد من المقاولات بشكل يؤثر على التنافسية وإنعاش الاستثمار.

وفي المجال الاجتماعي يلاحظ جنوح نحو جعل كل الأنشطة الجمعوية الوازنة والنوعية في المجال تحت الرعاية السامية للملك، أو تحت غطاء مؤسسة محمد الخامس، أو في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

والأغرب أن الأمر لم يقتصر على حالات يمكن إدخالها في حكم النادر ولكنها تعددت وتكاثرت بما يوحي أنها صارت منهجية عمل. وربما هذا تنزيل للمفهوم الجديد للملكية وهو كونها ملكية تنفيذية.

لكن الأخطر من هذا كله هو اللجوء إلى إضعاف الفاعلين سواء السياسيين أو الاقتصاديين أو الاجتماعيين والتدخل في شؤونهم الداخلية بوسائل الاختراق أو التحكم عن بعد مستفيدين من ضعفهم وعدم استطاعتهم الارتقاء إلى أساليب التدبير الحديثة التي تحتضن الاختلاف وتجعله عامل قوة وبناء وليس معول هدم. إن من شأن ذلك أن يقود البلاد إلى نوع من الفراغ القاتل أو الفوضى الهدامة التي لن يتحكم في نتائجها.

فمن المتعارف عليه أن السياسة لا تمارس بدون أحزاب قوية، والاقتصاد لا ينشط بدون مقاولات تنافسية، والمجتمع المدني لا معنى له بدون جمعيات غير حكومية مستقلة. وقوة هذه المؤسسات في تعددها واختلافها وتنوعها وتنافسها، ولا ينبغي لأي طرف أن يضيق ذرعا بمن خالفه.

إننا بهذا السلوك نسير نحو التنظير لنظام الحزب الوحيد والمقاولة الوحيدة ولا يخفى على أحد مساوئ هذا النظام لأنه جرب في مناطق عديدة ولم ينتج إلا الخراب والتخلف؛ وإننا بهذا السلوك نعيد صياغة ما ساد في عهد الحسن الثاني حيث كان هو السياسي الأول والفنان الأول والرياضي الأول والمثقف الأول…، بل إننا سنعوض ذلك بما هو أدهى وأمر “السياسي الوحيد” و”المثقف الوحيد”…

لا يعني هذا أننا راضين عن أداء أحزابنا وساستنا، ولكن ليست هذه طريقة للإصلاح، كما أنها ليست وسيلة نظيفة للتنافس، والتمادي فيها سيقود البلاد إلى كارثة ربما فهم المسؤولون عن هذه المنهجية بدايتها إبان الانتخابات الأخيرة.

كما أن ما يجري مناسبة ليتحالف كل مناهضي هذه السياسة التدخلية للدفاع عن التعددية واستقلالية القرار وتكافئ الفرص لدى كل الفاعلين في المجتمع في مختلف المجالات.

عمر احرشان عضو الأمانة العامة

جماعة العدل والإحسان