شكلت وثيقة جميعا من أجل الخلاص حدثا بارزا في تاريخ المغرب السياسي، لما تحمله من دعوة صريحة و واضحة لتجاوز الأزمة الخانقة التي يعيشها المغرب بعد سلسلة التجارب الفاشلة لحكومات تعاقبت مخلفة وراءها دمارا وخرابا على جميع الأصعدة.

وأظهرت ما تحمله الوثيقة من أرقام ومعطيات لا يختلف عليها اثنان ضرورة التصدي للأزمة والبحث عن حلول لمعالجة ما يمكن معالجته جماعيا وليس انفراديا، فالمغرب مشرف على كارثة وطنية حقيقية، ما لم تقم الأطراف المختلفة لتدارك ما تبقى وإنقاذ هذا المعتل في غرغرته، المشرف على الموت في كل لحظة، وإعادة الأمل الذي لا يمكن أن نفقده ولو في أحلك الأوقات، والسؤال هو من هم المعنيون بالوثيقة؟ أي من هي الأطراف المستهدفة بالوثيقة؟ ومن هم الفاعلون القادرون على المشاركة في صياغة أرضية تمكن من تجاوز الأزمة حاليا ومستقبلا؟

مبدئيا يأتي الجواب بديهي بأن كل المغاربة معنيون بالوثيقة، لكن سياسيا وعمليا، أضحت فئات من المجتمع معنية وبدرجة أقوى بالوثيقة أكثر من غيرها عبر الانخراط الايجابي والفعال، والتجاوب الحقيقي بعيدا عن أية مزايدات مذمومة، وانطلاقا من مواقعها الحساسة والخطيرة، ولما لها من دور في الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية.

فالوثيقة نداء لكل الضمائر الحية، والمنابر الفاعلة، والأقلام الجادة، والقلوب الغيورة، فهي تنادي:

الأحزاب:

لم يعد للأحزاب من فاعلية حقيقية كما كانت تضطلع بدور بارز في الساحة السياسية سابقا، فقد كانت هذه الأحزاب تؤطر الشعب وتجمعه حولها بما تقدمه من مشاريع/وعود، أثبت الزمان فيما بعد أنها مجرد وعود!!! ففقد المواطن المغربي ثقته كل ثقته في الأحزاب، وأدار لها ظهره، ويمكن أن نسجل فشل الأحزاب السياسية المغربية على مستويين:

– مستوى خارجي: يتعلق بالجماهير الشعبية، بالمواطنين الذين فقدوا ثقتهم في الأحزاب. بعدما تبين لهم أن الأحزاب لم تقدم شيئا، ولم تزد المغرب إلا أزمة، وأن لغة المصالح هي التي ظلت تحكمها طوال عهود.

– مستوى داخلي: ناتج عن المستوى الأول وتابع له، تمثل في التصدع الداخلي للأحزاب بسبب فقدان هذه الأحزاب لتصورات واضحة وجادة لتجاوز الأزمات المتتالية على المغرب من جهة وتطبيقها للإملاءات المخزنية من جهة، وبسبب غياب الديمقراطية الحقيقة داخلها من جهة أخرى. مما أفقد المناضلين الشرفاء من داخل الأحزاب ثقتهم فيها، وهذا ما أنتج الاستقالات الجماعية في صفوف بعضها، والمراجعات في صفوف بعضها الآخر.

إن الوثيقة إذ تنادي الأحزاب للانخراط في هذا المشروع، تقدم لها فرصة ذهبية لإعادة الاعتبار السياسي والاجتماعي، والعودة من باب كريم لا يدخله إلا الصالحون. لبناء مغرب حر وكريم وعادل.

المثقفين:

تتكامل المؤسسات الوطنية وتتفاعل فيما بينها سلبا وإيجابا، وتزداد أهمية الفاعل بما يحمله عمله من اقتراحات ومبادرات ومساءلات أيضا، والمثقف بما لديه من إمكانات قادر ليس فقط على تحريك النقاش السياسي، بل المشاركة الحقيقية في تأطير الشعب وتنويره، وليس في تزوير الحقائق وتعميتها لديه، وإبعاده عن مشاكله اليومية.

فيا أيها المثقفون الشرفاء، أنتم مدعوون للمساهمة في بناء مجتمع ناجح، وللنهوض من هذا السبات والشرنقة اللذين أفقدا الثقافة طعمها، وحقيقتها ودورها، فالواجب المقدس للثقافة والفكر، لا يمكن أن تغتاله المخاوف والأوهام، بل بالعكس، على كل مثقف الانطلاق والتسارع إلى الذود عن كل مظلوم، ومضطهد ومحروم فيا مثقفي المغرب اتحدوا واستجيبوا لهذا النداء، لعل روحا جديدة تنبعث لبناء مغرب حر وكريم وعادل.

الفاعلين الجمعويين:

تعتبر الجمعيات من أهم المؤسسات غير النظامية تأثيرا في المجتمع، وقد غدت في بعض الظروف بديلا عن مؤسسات الدولة، عندما غابت هذه المؤسسات، وانحسر دورها في كثير من المناطق، ولا سيما القروية منها، فالعمل الجمعوي أضحى أملا للمواطنين في التطبيب والتربية والتعليم والترفيه والتنمية، والحقيقة أن وجود فاعلين جمعويين صادقين، أعاد الثقة لعدد من المواطنين، وإن كانت يد المخزن قد أبطلت عددا كبيرا منها بالإغلاق والتشميع والمصادرة، وهذا لعمري من سيئات هذا العهد الجديد.

فدور الجمعيات مهم وإيجابي، وتزداد أهميته عند العلم أن هذه الجمعيات بانخراطها الفعلي في المشروع المجتمعي المخلّص، تكون قد أعادت للمواطن الأمل في حياة حرة وكريمة وعادلة.

النقابيين:

شكل العمل النقابي عبر التاريخ المديد للنضال ومناهضة الاستبداد والحيف والجور المسلط على الشعوب قوة تتزايد شعبيتها كلما دافع النقابيون بروح متفانية عن مطالب الناس ومصالحهم دون تنازلات، ولم يقتصر هذا الدور على المطالب المحدودة الضيقة، الخبز فقط، بل ربط النداء النقابي دائما بين المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية، بمعنى أن العمل النقابي الجاد والمسؤول يعتبر عملا متكاملا لا يحصر نفسه في مطالب دنيا ضيقة. بل يسعى إلى التأطير والتربية والتوجيه وبناء قاعدة وطنية صلبة تتجدد فيها الآمال كل يوم. لكن ما يشهده العمل النقابي وطنيا في الوقت الراهن، هو الانسياق مع مطالب غدت أقرب إلى الإجحاف بحق العمال والمأجورين، ولم تجن النقابات عبر حواراتها المتكررة المبرمجة والموجهة بسبب الانقياد مع الطرف الغالب المسيطر إلا الفشل والتردي السيئ لأوضاع العمال والمأجورين والمستضعفين، مما زاد الوضع تأزما.

فالوثيقة تنادي هؤلاء للانخراط في مشروع مجتمعي يعيد للعامل والفلاح والأجير حقه كاملا مصانا غير ناقص ولا مبتور. لبناء مغرب حر وكريم وعادل.

الفنانين:

لا يمكن أن ينزوي الفن في برجه العاجي وينفصل عن هموم الناس، وإلا فالفن من أجل الفن مدرسة يطبعها التأنق والبعد عن الواقعية، وهذا ما يتنافى مع الرسالة التي يضطلع بها الفنان، هذا الإنسان الذي يعيش وسط أخيه، يتألم لألمه، ويفرح لفرحه، يشاركه آلامه وآماله، فهو جزء من المجتمع، بل هو صوته وقلبه وروحه. وكم من فنان ألهب بصدق تجربته حماس الناس وأعادت مساهمته البسمة لشفاه البؤساء المحرومين المستضعفين.

فالوثيقة تتوجه إلى كل فنان للمساهمة من موقعه في بناء مغرب جديد، مغرب حر وكريم وعادل.

كما أن الوثيقة تستهدف كل غيور لم يزده منظر أبناء الليل وبناته وسكان الأرصفة والمجاري والمناطق النائية المحرومة، مواقف الجياع المتهافتين على المزابل إلا حرقة وألما.

فكل بنكي ومعلم وتاجر وعامل وفلاح وأب وأم وصغير وكبير وشيخ وشاب& .، مدعو بكل أمانة ومسؤولية للانخراط في هذا العمل الجاد والصادق.

أمانة ومسؤولية أمام الله أولا وأمام رسله وأمام الناس أجمعين….

فهل من مجيب ؟؟؟