الوقت رأس مال الأفراد والمجتمعات، والنجاح يكون بقدر التوفيق في استثمار الوقت وترشيد استعماله، اغتناما للفرص المتاحة، تجلي ذلك وتـسيجه منظومة تربوية ترسخ في النفوس الضبط والانضباط واحترام المواعيد والوفاء بالالتزامات. والمتتبع لحالنا أفرادا ومجتمعا يلحظ تسيبا كبيرا في التعامل مع عنصر الزمان، إلى درجة غدا الحضور في الوقت للعمل أو في سائر المناسبات استثناء وأمرا شاذا.

نحاول في هذا المقال رصد هدر الوقت في المدرسة العمومية المغربية خلال السنة الدراسية الجارية، وبالتركيز على شهري دجنبر ويناير يتضح أن أيام الشهرين توزعت بين حالتين: عطل أو تعطيل. عطل أبانت جدولتها عن ضعف كبير في البرمجة والتخطيط (عطلتا عيد الأضحى ورأس السنة الميلادية نموذجا). فالتلميذ يعود ليستأنف الدراسة وهو يـرنو لعطلة جديدة بعد أيام، وقد ينسحب ذلك أيضا على المدرسين، وفي القرى والمناطق النائية لا تستأنف الدراسة في مثل هذه الحالة.

أما التعطيل فجاء نتيجة حلول موسم الإضرابات التي تراهن مختلف الهيئات النقابية عليه تثبيتا لوجودها، فتختار كل هيئة أيامها التي تكاد تفوق في مجموعها الأسبوعين، ليسود الارتباك سير الدراسة في الحواضر عموما، في حين تتوقف الدراسة كليا في الوسط القروي، مادام الإضراب فرصة لتجنب عناء التنقل اليومي لأغلب العاملين والعاملات بالقرى والبوادي.

واقع مؤسف من شأنه أن يربك السير الطبيعي للدراسة، ويؤثر سلبا على التحصيل المعرفي المحدود أصلا، من خلال تقليص الحصص الدراسية التي نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين في الدعامة الثامنة (ص:49) على ألا تقل عن ألف (1000) حصة موزعة على أربع وثلاثين أسبوعا كاملا من النشاط الفعلي على الأقل. واقع يفضح شكل تدبير الشأن العام للبلاد عموما، وفي قطاع التربية والتعليم الذي يعتبر من القطاعات الأكثر حيوية في المجتمع، باعتباره مجال صقل الشخصية، وتأهيل العنصر البشري من أجل تنمية بشرية ومجتمعية حقيقية؛ وإلا هل يعقل أن تتحول السنة الدراسية إلى مواسم لعطل دينية أو وطنية أو نقابية، فيصبح الأصل هو العطلة أو التعطيل والاستثناء هو الدراسة، وذكر الله بخير أحد الأساتذة السوريين الذي كان يعمل ضمن البعثة السورية قبل مرحلة المغربة لما قال معلقا على طبيعة السنة الدراسية المغربية خلال السبعينيات: “موسمكم الدراسي موسم عطل تتخلله بعض الأيام الدراسية.”

للعطل أهداف تربوية تتلخص في تجديد نشاط المتعلمين على الدراسة والتحصيل، وجدولتها خلال السنة الدراسية تحكمها ضوابط سقفا أو توزيعـا زمنيين، والمناسبات الدينية والوطنية معلومة سلفا، وطبيعة برمجة العطل هذه السنة تؤكد أن أمر تربية الأجيال يتصدى له غير أهله، وهذه من علامات قيامة القطاع الكبرى، ولعل ما يتخبط فيه التعليم في بلادنا من معضلات ينتظر فقط نزول السيد المسيح عليه السلام ليكبر على تعليمنا أربعا في صلاة لا سجود فيها.

مظهر آخر من مظاهر التعطيل يتجلى في الامتحانات المهنية وأوراش الإصلاح التي تنظم خلال الأيام الدراسية فتتعطل الدراسة أو ترتبك، ولدى السلطات التربوية كامل الوسائل لضبط الحصص الدراسية المهدورة، وأفواج بالألوف المؤلفة من التلاميذ يزج بهم في الشوارع، في وقت ينص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على برمجة كافة الأنشطة خارج الأيام الدراسية حفاظا على السير الطبيعي للدراسة، ومحاربة لأسباب ظاهرة الغيابات الجماعية المبكرة التي تميز نظامنا التعليمي. “اللهم لا فخر”.

وإذا كان الإضراب حقا تلجأ إليه الشغيلة مطالبة بالحقوق أو صونا للمكتسبات، فإن اللافت للنظر في التجربة المغربية وبالأخص في قطاع التعليم، هو أن ممارسة الحق في الإضراب يطبعها تسيب كبير تتحمل الحكومات المتعاقبة عبر عقود مسؤولية تكريسه، فمن جهة كيف تعقل تعددية نقابية في قطاع ذي ملف مطلبي واحد، يفسر ذلك -بل ويفضحه- تشابه المطالب في بيانات النقابات خلال دعوتها للإضراب، مطالب واحدة وإضرابات متعددة وأحيانا في نفس الشهر، يناير 2008 نموذجا؟

وإذا كان الإضراب حقا مكفولا، فأين مسؤولية الحكومة لتفادي الإخلال بالسير العادي للعمل في دواليب الدولة، والتعليم من أهمها وأكثرها حساسية؟ أليس من تمام مسؤوليتها الدعوة إلى حوارات جدية بغية تدارس مختلف القضايا والتوصل إلى حلول حقيقية مع الهيئات النقابية، وتجاوز منطق التجاهل من جهة الدولة، وأسلوب تناسل المطالب وتفـريخها من جهة النقابات التي غدت تجد مشروعيتها في حجم المشاكل وتشعبها.

إن الجهات المسـؤولة بهذا التعـامل، سواء ما تعلق بسـوء جدولتها للعطل أو بسلبيتها من هستريـا الإضرابات، تسعى وبخطى حثيثة لضرب المدرسة العمومية والإجهاز على الحق في التعليم الذي يعتبر مركزيا في حياة الفرد والمجتمع، وهي بذلك تدق مسمارا آخر ـ قد يكون الأخيرـ في نعش مجانية التعليم، وما عرض عشرات المدارس الابتدائية بحـاضرة الدار البيضاء للبيع إلا مقدمة لخصخصة تعليم بشـر بها الميثاق الوطني.

إن جهازا حكوميا لا يبادر لتحسين شروط العمل، ولا يضع ضمن أولوياته توفير أسباب الكرامة للعاملين في مختلف القطاعات يعتبر دون تطلعات الشعب وانتظارات المرحلة التي تقتضي اغتنام كل الفرص المتاحة وتوظيف كل الطاقات، بل وتحفيزها على التضحية خروجا بالبلاد والعباد مما تتخبط فيه من أزمات، جاءت تقارير الأمم المتحدة للتنمية لرصد المسافة بين ما يسوق من شعارات براقة، وبين عمق الأزمة في سائر القطاعات، وعلى رأسها التعليم الذي سيدخل سجل الأرقام القياسية بحـرمان أربعة ملايين تلميذ من متابعة الدراسة خلال عشرية تطبيق ميثاق التربية والتكوين، طبعا لأسباب متعددة، يبقى سوء التدبير أبرزها.