بقلم: محمد خيزران رحمه الله

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إن الإنسان عندما تطغى عليه نفسه أو هواه أو فقر أو غنى أو مرض أو غير ذلك وينسى خالقه بسبب ما افتتن أو ابتلي به ولم يرجع إلى ربه تائبا منكسرا متذللا مستغفرا وكله الله إلى نفسه. ومن وكله الله إلى نفسه شقي وخسر دنياه وآخرته.

قال تعالى: “إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا” وقال سبحانه: “كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” وقال عز وجل: “إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد”.

لكن الحق سبحانه لطيف بعباده، خبير بسرائرهم: “يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور” فهو يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. فسبحانه ما أعظمه من خالق وما أكرمه من رب وما أرحمه من إله.

“يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك”.

ألا تعلم أيها الإنسان أنك أنت الفقير إلى الله والله هو الغني، وأنت الضعيف وهو القوي، وأنت البخيل وهو الجواد الكريم وأنت المذنب وهو الغفور الرحيم.

تب إلى الله توبة نصوحا لا رجعة بعدها أبدا وأقبل عليه بالدعاء تضرعا وإنابة لأنه أحيانا وفي بعض الظروف يضطرب الإنسان، ويزداد اضطرابه، ويهتز من هول حادث مفاجئ أو نازلة طارئة، أو شر مترصد له في الطريق، أو مستقبل يخشى عليه من الضياع، فيحاول أن يدفع عن نفسه ضرا أو يجلب إليها نفعا، فما يستطيع إلى ذلك سبيلا.

وأحيانا أخرى تَلُفُّ الإنسان موجات من البلاء المُطْبِق، وتسوده ظلمات بعضها فوق بعض، فيقف أمامها حيران، ضاربا كفا بكف، حتى ليكاد يشد شعره من هول الصدمة، ومرارة التعاسة وشقوة الأيام. ماذا يفعل المسكين؟

لا شيء سوى أنه يفتش بقريحته السيالة عن مخرج، ويفكر ويطيل التفكير في حيلة تخرجه من المأزق الذي وقع فيه، وقد يشرق ويغرب، وينظر إلى فوق وتحت، وعن يمين وشمال، ويمعن النظر، ويتعمق في حلول سريعة تنجيه، فيعجز كل العجز، ويجد سدا منيعا يقف له في الطريق.

ومع هذا الطوفان الضارب على الإنسان من كل فج، ومع هذا العجز التام، وأمام هذا الفشل الذريع يُسلم أمره إلى الله تعالى إن كان يعرف الطريق إليه سبحانه، فتنفتح له نافذة من السماء تعطيه إشراقة مريحة، تخرجه من الاضطراب إلى الهدوء ومن الحيرة إلى الارتياح، ومن المأزق المسدود إلى طريق مفتوح أبدا.

وهذا تعبير يحتاج إلى بيان. ذلك لأن الإنسان مهما كان عبقريا في التفكير وبارعا في الحيلة، ومهما كان يملك من أسباب القوة والمنعة، فإن له طاقة محدودة، قد تخونه في وقت عصيب كثيرة شروره، وعندئذ يحس بأنه ضعيف مستضعف، وأنه لا يملك حولا ولا طولا، وأن الأمر يحتاج إلى صفاء نفس وروح خالصة من الزغل فيها شفافية المسلم الذي يوجد في أعماقه اعتقاد راسخ بأن الله أقرب إليه من حبل الوريد، وبأنه قادر على أن يحل العُقد، ويجعل من الضيق مخرجا.

أين ذو النون صاحب الحوت؟ لأمر ما هرب من قومه، وكان ينبغي عليه أن يصمد في مجال الدعوة وجبهة الرسالة، لكنه ضاق صدرا من الناس فتركهم … وعلى شاطئ البحر رأى سفينة نزل فيها، فسارت تمخر العباب، وفجأة توقفت عن المسير فقال الركاب: هنا عبد آبق من سيده، وعليه أن يخرج من السفينة لكي تسير فلم يخرج أحد، فأجالوا السهام كعادتهم، فجاء السهم على يونس “فساهم فكان من المدحضين” (الصافات 141). فألقى بنفسه في جوف البحر، فابتلعه حوت ضخم كبير “فالتقمه الحوت وهو مليم” (الصافات 142).

ولفت يونس ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، حتى أصبح قاب قوسين من موت محقق، تكون نهايته شرا من بدايته.

ماذا يعمل ذلك النبي؟ وقد أصبح في قفص لا هو من حديد ولا هو من خشب، وإن كان أقسى من الاثنين جميعا، وأشد صلابة منهما معا.

على كل حال لم ييأس يونس من مصيره، وطرق الباب الذي لا يُرد، باب الله  وهذا هو المهم- وهتف بأعلى صوته، ومن أعماق أعماقه قائلا: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين” (الأنبياء 87).

واهتزت أبواب السماء من نداء يونس، وانفتحت على مصراعيها، فلفظهُ الحوت، من غير أن ينهش له لحما أو يكسر منه عظما “فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المومنين” (الأنبياء 88).

ومن الأهمية بمكان، أن نقف طويلا حول نبإ يونس ونقول، كيف ابتلعه الحوت؟ وكيف أقام في بطنه من غير أن يمسه سوء؟ وكيف كان خط السير للحوت؟ وكم ميلا قطعها بيونس في عرض البحر؟ ومع هذا الخطر الداهم والبلاء النازل لم ييأس يونس من روح الله … وأخذ يُسبّح ويدعو ويستغيث حتى أوحى الله إلى الحوت وحي إلهام، أن ينبذه بالعراء نبذا رفيقا.

تماما، إن المرء يعجز أحيانا ويفشل، ولن ينجيه من هذا العجز وذلك الفشل إلا الله القادر على كل شيء. وفي القرآن الكريم لمسات أخرى تقر بها العين ويطمئن لها القلب، وتحقق الرجاء وتلبي رغبات الطامعين في عطاء الله.

استمعوا إلى زكرياء النبي الرسول، عاش أغلب حياته من غير ولد أو بنت … وظل قلبه فارغا من طفل يناغيه وصبي يبتسم له، ومر به الزمن طويلا دون أن يَبَرَّ له عهدا أو يُنجِز معه وعدا، حتى ارتطم بالشيخوخة، وكسا الشيب رأسه ثوبا ناصع البياض.

وأوغل زكرياء في السن، وأوغلت زوجه في العقم، حتى تخطى الاثنان مرحلة الإنجاب المعتادة، بل تخطيا الثمانين عاما، ووقفا على حافة اليأس إلا من الله.

والأمل هو البارقة الوحيدة التي تهبُّ على ابن آدم، فتنفس عنه الكربة، وتوقظ فيه مشاعر الرجاء، فارتكز إليه زكرياء ثم آوى إلى ركن شديد، ليساند قضيته، ويعطيه فرحة العمر وراحة الوجدان، إنه الله تعالى، فضج إليه بالضراعة والدعاء.

والقرآن الكريم يصور لنا دعوات زكرياء الحالمة، وأناته الزاخرة في بلاغة تسمو عن العقول وتدق عن الأفهام. قال تعالى: “ذكر رحمة ربك عبده زكرياء إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا” (مريم 2، 3، 4، 5، 6).

وأطلت عناية الله من علياء السماء على هذا النبي، فأوسعته رحمة وأغرقته رضوانا، ورُزق الولد الصالح، قال تعالى: “يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا” (مريم 7).

وآدم عليه السلام عندما أكل من الشجرة، وكان ما كان من تنفيذ القدر المحتوم عليه، لم يجد بدا من الإنابة، فسأل الله العفو، ودعاه أن يقبل منه هو وزوجه التوبة: “قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين” (الأعراف 23). وتكرم الله بقبول الدعاء من آدم فتاب عليه “ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى” (طه 122).

ولولا نقاء السريرة وكثرة التسبيح والدعاء لما خرج يونس من بطن الحوت “فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون” (الصافات 133 و134).

ولولا قوة العقيدة وعمل الخير وصفاء الضمير لما استجيب دعاء زكرياء “إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين” (الأنبياء 90).

ولولا كلمات تلقاها آدم من ربه، ودعا بها مخلصا لما تاب الله عليه “فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم” (البقرة 37).

إن الدعاء مخ العبادة … وفي القرآن الكريم، والحديث النبوي توجيهات كريمة تحفز على الدعاء “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم” (غافر 60). “إن الله يحب العبد الملحاح”.

ومن حسن إسلام المرء أن يذكر الله في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، وأن يكون معه وله على أي حال، فإذا وقع به مكروه، أو أصابته فاجعة، ودعا ربه استجاب له “تعرف إلى الله في الرخاء يتعرف عليك في الشدة” ومع ذلك فالله أكرم من أن يَحرم سائلا أو يرد مضطرا “أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء” (النمل 62).

الله سبحانه وتعالى يدعو الإنسان إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه، ثم فتحه له فما عرّج عليه ولا ولجه، أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول. ولم يزل يتمقت إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه، ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته بل قال عز وجل في الحديث القدسي: “متى جئتني قبلتك إن أتيتني ليلا قبلتك، وإن أتيتني نهارا قبلتك، وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا، وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا. وإن مشيت إلي هرولت إليك. ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، أتيتك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. ومن أعظم مني جودا وكرما.

عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم، إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أَخْلُقُ ويُعْبَدُ غيري، وأَرزُق ويُشكر سواي. خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد. أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي.

من أقبل إلي تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.

أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي. إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب.

من آثرني على سواي آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ضعاف كثيرة والسيئة عندي بواحدة، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له.

أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي. أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها.”

فسبحان من تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات، ودلهم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم، وعرفهم به ودلهم عليه “ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم”.

ومتى تُهْتَ عن الطريق فارجع إلى ذنبك تجد الطريق.

التائب منكسر القلب، غزير الدمعة، حي الوجدان، قلق الأحشاء. التائب صادق العبارة، جم المشاعر، جياش الفؤاد، مشوب الضمير. التائب في قلبه حرقة وفي وجدانه لوعة وفي وجهه أسى وفي دمعه أسرار … التائب يَجدُ للطاعة حلاوة وللعبادة طلاوة وللإيمان طعما وللإقبال لذة. التائب كالأم اختلست طفلها من يد الأعداء، وكالغائص في البحر نجا من اللجة إلى الشاطئ، وكالعقيم بُشِّر بابن، وكالرجل البارز للإعدام عفي عنه.

التائب أعتق رقبته من أسر الهوى وأطلق قلبه من سجن المعصية، وفك روحه من شباك الجريمة، وأخرج نفسه من كبر الخطيئة. التائب كالطائر الجريح لا يختال، وكالقمر الكاسف لا يتكلم، وكالنجم الغابر في الغيهب لا يصيح.

قال الشاعر:إذا ما خلوتَ الدهر يوما فلا تقل *** خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبـن الله يغفل طرفــة *** ولا أنما يخـفى عليه يغيب

لَهَوْنَا لعمـر الله حتى تتــابعت *** ذنوب على آثـارهن ذنوب

فيا ليت أن الله يغفر مــا مضى *** ويأذن في توبتنـا فنتـوباللهم إنا نسألك بعزتك وذلتنا أن ترحمنا، ونسألك بقوتك وضعفنا وبغناك عنا وفقرنا إليك، هذه نواصينا الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سوانا كثير، وليس لنا سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقابهم، ورغمت لك أنوفهم، وفاضت لك أعينهم، وذلت لك قلوبهم.

اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا واسلل سخائم صدورنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.