علم رهط من الفقراء المشردين أن رئيس البلاد وقائد جيوشها سيحل بمدينتهم لبناء سجن ضخم، يُحشر فيه مجرمو المدينة وأريافها، بعد أن كثر القتل، وفشت السرقة، وانتشر الإغتصاب؛ فسُرّوا للخبر غاية السرور، وانطلقت ألسنتهم بمدح الرئيس وإحصاء مناقبه مما يعلمونه من حكايات الناس وأخبارهم عن سخائه، وحبه للفقراء والمساكين، وحرصه الشديد على ألا يبقى في امبراطوريته الشاسعة معاق جائع، أو مشرد عريان.

وتناهى إلى أسماع هؤلاء الفقراء المداقيع، بعد أن زاد اهتمامهم بالزيارة، أن الرئيس دأب، حال وصوله إلى إحدى المدن، أن يتفقد أحوال ساكنتها بنفسه، فيسأل هذا عن حاجته، وذاك عن علته، فيصدر أمره المطاع بمنح ما يسد حاجة هذا، ويقضي على علة ذاك؛ وأنه، في أحايين كثيرة، يتولى شخصيا شأن توزيع الهبات والصدقات على الفقراء والأيتام وذوي العاهات الخالدة والعجزة عديمي الخبز والمأوى، فزاد سرورهم، وعظم أملهم، وباتوا يحلمون بكساء وإدام. إلا أن أحلامهم ارتطمت بسقف سؤال مُرّ أثار فيهم الحيـرة والشك، وألقى عـليهم ظلال الكمد والضيق: كيف الظفر بلقاء الرئيس وزيارته للمدينة التي تضيق بالعُدماء والزمْنى وسكان الأعشاش لن تدوم، حسبما ذاع بين الأهالي، أزيد من ساعة؟

وكان الرئيس رجلا خدوما دؤوبا صفـّاقا، كثير الترحال، إذا ضاع منه قليل من الوقت، غضب غضبا شديدا وعاقب المسؤول عن ذلك.

وبينما بدأت تسكن فورة الفقراء، وتتجمد ملامحهم، دبت في المدينة حركة غير مألوفة : فقد انتشر المخبرون ورجال الشرطة فرادى وألفافا في كل ثغر؛ وعسكرت فيالق الحرس، أطيافا براقة زاهية، بالدبابيس والخناجر والبنادق والدروع والسيارات المصفحة ذات خراطيم المياه قرب الساحات المكتظة؛ وانتبذت كتائبٌ مطهّمة تـتـتـرّس لبوسا صفيقة بلون أبي بُريْص مداخل المدينة ومشارفها، مدججة بأفتك القذائف والمدافع الرشاشة؛ وفُتشت المقاهي والملاهي والفنادق والمساجد، وأحصي زبناء هذه ورواد تلك؛ واقتُحمت البيوت المهجورة والدور المتداعية الخالية؛ وطليت جدران الشوارع الرئيسة بأحسن طلاء؛ وبسَقـت على أرصفتها الأشجار مخضرة ناضرة؛ ومُسِحت الأزقة المحاذية من الغبار والأقذار والشحاذين؛ وأنـْبَتـت جوانبُ أبواب الإدارات وشرفاتـُها وواجهاتُ المباني العمومية باقات الأزهار والرياحين في تناسق أخاذ؛ ونُقِل الفـُرّاغ وماسحو الأحذية وبيّـاعو أي تافهة إلى أزقة ملائمة في هوامش المدينة؛ وهُجـّر الحمقى والمكافيف ومفترشو التراب إلى أمكنة مجهولة. فحل الأمن، وخيّم الهدوء، وعمّت الطمأنينة.

وابتهج الناس لمنظر مدينتهم الوديعة بأصباغها ومساحيقها الجديدة. وشُغِل بعضهم بالسيارات الفارهة ذات الألوان الداكنة والستائر المسجفة التي غذت تجوب طرقها مسرعة. ووَلِع آخرون ببـزات العساكر وأخبار الزيارة الماجدة. بينما ظل الفقراء الخمسة يأكلهم الشك، ويملؤهم الكمد.

لكن في يوم من أيام هذه الهبّة الطارئة بلغهم ما لم يتوقعوه : فقد تناقل السكان عن حاكم المدينة وخادم الرئيس بها أخبارا رسمية قاطعة، تؤكد أن الرئيس سيقيم عند زيارته للمدينة يوما كاملا بليله، يتلقى أثناءه، بعد قضاء حوائج السوقة، تهانئ الحاكم ونوابه، وبيعة الزعماء والأعيان وقواد الجند، خلال حفل فاخر سينظم بالمناسبة التاريخية، يعزف فيه العازفون، ويغني المغنون، وترقص الراقصات، ويأكل الحاضرون لذيذ الطعام والشراب؛ وأن الناس مدعوون منذ فجر ذلك اليوم العظيم للقائه ذاك اللـقاء البار الحاشد الهاتف بحياته ودوام حكمه، والذي يرفع قدرهم، ويصون عِرضهم، ويُظهر دينهم، ويحفظ وحدتهم.

حينذاك، خفقت جوائش الفقراء، وانفتحت أمام أعينهم نوافذ الأمل، وأمسى الطمع يلف رؤوسهم… وما أبطؤوا أن صاروا متعلقين بالزيارة تعلق المتردي من شَرَف بحبل البقاء.

ولقد مكثوا يوما يتلمّسون سُبـُلَ نيل أثمنَ ما يمكن من عطايا الرئيس التي لا عـوض منها إلا في الجنة. فتشاحنوا وتهارشوا، وجهَدوا في حمل بعضهم البعض على اتخاذ هذه الوسيلة أو تلك، لكنهم صمّموا في الأخير على بعث رسالة إلى الرئيس قائد الجيوش بعينه، يُضمنونها رغباتهم كاملة، ويشكونه أوجاعهم. وكانت الفكرة من خاطر أعرَفـهم بالقراءة والكتابة. وقد رفضها في البدء إثنان بشدة، ثم أيّداها ثانيا لما بثــّهم القارئ أخبار الناس عن أولئك الذين أشرقت في وجوهُهم شمس الحياة، وانقلبت أحوالهم عيشا رغيدا طيبا، أياما بعد طرح رسائلهم على الأرض ولـقـفها من قبل الحراس عند طلوع موكب الرئيس.

ولقد اضطربوا تحت وطأة الرغبة الجامحة، وتعاقبت على نفوسهم متضاربة آثار النكوص والإقدام؛ فاصطكت ركبهم تارة، وتضاحكوا تارة أخرى، لكن ما كذب أن صرخ فيهم أقرؤهم، وكان قد وقع عليه الإختيار لكتابة الرسالة :

– ما هذا الجهل والاضطراب؟ ما بكم تتأوهون وتنكمشون كالقنافذ؟ ألم يبلغكم أن الرئيس من جنس بني آدم؟

فنظروا إليه كأنه نبي نطق وحيا. وتابع هو قائلا بجد:

– إن ما يجب التفكير به الآن هو إحضار قلم وورقة وغلاف!

فانتدب الفقراء على الفور أشطرهم لإحضارها. فمضى الشاطر إلى أقرب متجر وتكفـّف أحد الخارجين منه، وكان شخصا ممتلئا ذا مظهر حسن وملامح تقية، فدس الرجل يده في جيبه وأخرج له ثلاث قطع نقدية. فدلف الشاطر إلى المتجر، واشترى أولا قلما وغلافا بقطعتين، ثم رجا التاجر أن يتصدق عليه بورقة، محتفظا بالقطعة الثالثة. فرمقه البائع بعين غير راضية، إذ كان المتجر يحتوي على دفاتر من مختلف الأحجام، وكانت السنة الدراسية تشرف على نهايتها، لكنه قبل الطلب ليتخلص من هيئته الرثة ووجهه المقرف؛ فنزع ورقة من دفتر دراسي مسطر كبير الحجم موضوع بجانبه خاص بالقروض والسلع غير المؤداة، ومدها له. فتناولها المتسول بيدين مرتجفتين، ووضعها مع الغلاف في كيس بلاستيكي كان قد أخرجه من جيبه تاركا القلم في الجيب الآخر، ثم مضى إلى أصحابه لا يلوي على شيء.

ولما جاء إليهم لكزه آخِرُ من أبدى موافقته على كتابة الرسالة في ظهره معجبا ، وداعبه أحدهم وكان أكبَرَ بعثَ الرسالة إلى الرئيس حتى كادت روحه تزهق ، لكنه لم يلتفت إليهما، إذ سلم القلم والكيس برفق إلى القارئ الذي وضعهما على مائدة بالية. لحظتئذ، أمر الكاتب المعجبين بالهدوء، وأخرج الورقة من الكيس، وتفحصها برهة، ثم وضعها بعناية وسط المائدة. وأمسك بالقلم ناظرا إليه نظرة قاسية، ونزع غطاءه بحركة قوية، ثم خـط خطا على كفه الأيسر. ولما كان اللون فاتحا، جعل يخط خطوطا أخرى جيئة وذهابا بحركة سريعة حتى دَكِن المداد. آنذاك، أحكم قبضته على القلم، ووضعها على الورقة شاخصا ببصره فيها، وشرع يستحـضِـر ويكتب ببطء شديد ما بقي عالقا في ذاكرته من مطلع رسالة حفظها عن ظهر قلب أيام الدراسة؛ رسالة بعث بها أخذى إلى أحد ملوك الروم يستعطفونه حلّ عقالهم وتخلية سبيلهم.

وكان رفقاؤه قد انحاشوا حوله جُثِيـّا، مُحْنين رؤوسهم إلى الأمام، ومُسنِدين مرافقهم إلى المائدة، يحملقون في القلم والكاغد بأنفاس مكتومة كأنهما آلتين أوتوماتكيتين بالغتي التعقيد. وحين كان يكف عن الكتابة لإضافة كلمة أو كلمتين من إبداعه، كانوا يرفعون رؤوسهم صوب وجهه، ويظلون يطالعونه إلى أن يعود للكتابة ثانية، فينحنون حينئذ نحو وسط المائدة يتابعون ما تخطه يده المرتعشة بإمعان أكبر.

وبعد أن فرغ من كتابة الرسالة، تنهد عميقا طلـْق الوجه، ثم أنشأ يحدثهم بعض الوقت عن دروس التاريخ المملة، وشغب التلاميذ، وصراخ المُدَرسة…

وتذكر القارئ بغتة أنه لم يدون إسمه وأسماء أصحابه أسفل الرسالة، فانحنى على الورقة من جديد، وتبعه الآخرون مؤيدين بجدّ ظاهر… واندلعت بين الفينة والأخرى نزاعات كلامية حول كتابة الكِنى والألقاب بينه وبين الرفقاء، لاسيما مع من أظهر حرصا على أن يُكتب اسمه مثلما رسخ في ذاكرته عند الصبا. غير أنها لم تكن تدوم طويلا إذ سرعان ما كان المعارضون يرجعون إلى رأي القارئ.

وفي النهاية، طوى الكاتب الورقة، وأدخلها بمهل في الغلاف البريدي، ثم وضع الكل في الكيس البلاستيكي الأسود.

ولما كان الأصحاب الخمسة يخشون ضياع الرسالة لسبب من الأسباب، كعدم رميها على الأرض في الوقت المناسب، ولما كان هذا الأمر كافيهم مؤنة الانتظار، فقد آثروا رفعها بأنفسهم إلى حاكم المدينة عبر أحد الموظفين الذي سيَكِـلون إليه تسليمها له؛ بعثهم على ذلك ما رأوه في صاحبهم من سياسةٍ وفطنة وحسن تدبيـرٍ في الكتابة.

وعندما بدأ الليل يرخي سُدوله على المدينة المحروسة، كانت أنفس الفقراء ساكنة على قدوم راسخ وعزيمة ماضية. وكان الغدُ القريب يتراءى لهم نيّـرا برّاقا كالبدر في كبد السماء الحالكة… ولقد أرقوا حتى الفجر، ثم استسلموا لرقدة العمر.

كان الفقراء الخمسة يبيتون شتاء في أحد الأكواخ خارج المدينة، لا يلتقون إلا ليلا. ويكتفون في شهور الحر، بل حتى في البرد، لما يُعْـييهم المشي وينال من رؤوسهم الضجيج، بمداخل البنايات العمومية وأبواب المساجد أو بالأماكن الخالية، حيث يضطجعون على الأرض المبلطة تحت الأفاريز والشرفات، لا يفصلهم عنها سوى صفائح من ورق العلب المقوّى. كانوا يقضون نهارهم بين المزابل وصناديق القمامة المحاذية للبيوت الثرية بحثا عما يصلح لأن يقتاتون به أو يبيعونه ، وفي الطرقات وأمام المطاعم والمساجد يتسولون. ولقد اكتست وجوههم من الغبار والدرن وأشعة الشمس لون الوحل اليابس، وتـَحَنـّت ظهورُهم، ووَهِيَت أبدانُهم، رغم كونهم شبانا في أوائل الثلاثين. وكان يسكن الكوخ في البدء أكبرهم سنا، وهو الوحيد من بينهم الذي عرف بحبوحة الزواج، وساكن امرأة شهرين كاملين. إذ اقترن قبل أعوام بمتسولة تكبره سنا، لا أبا لها ولا أم ولا جد، وآثرها بمحبته وعطفه، وعلق عليها آمالا، لكنه استيقظ ذات صباح ولم يجد لها أثرا. وكانت المائدة التي جلبتها شريكة الحياة أغلى ما ورثه عن الزواج. وهكذا ظل زواجه عند أصحابه حديث المسامرة وموضوع التنكيت، متى سُئِم الكلام عن المزابل وفـُضالة المطاعم.

مشى الفقراء قبل يومين من موعد الزيارة إلى إدارة حاكم المدينة، لا يكادون يرون السابلة من شدة الفرح، يتلمظون لفكرة أخذ الإتاوة وهم يُقبلون الأرض تحت أقدام الرئيس المعطرة… واجتازوا الباب العريض المحروس دون أن يكلمهم أحد؛ فالمدينة آمنة تًعِد دروبُها بالعطية والإحسان، ويعلو وجوهَ القائمين عليها السمع والانبساط، والأحوال تطبعها الشفقة والسماحة. وتوقفوا أمام أول مكتب، وقرعه القارئ بإقدام وجد. فانفتح الباب عن رجل خمسيني نحيل بربطة عنق حمراء شدّت تحت ياقة بيضاء خَلِقة يخرج من حواشيها الوسخ. وقبل أن ينطق مد له القارئ الظرف دونما كلمة. فأخرج الرجل الورقة من الظرف وبدأ يقرأ. وما هي إلا لحظات حتى سقط على الأرض مغشيا عليه.

ذعر الفقراء ذعرا هائلا، وحدّجوا زعيمهم بنظرات لائمة ضارية كأنه رمى بهم في غياهب جب سحيق. وهمّوا بالانسلال، لكنهم لم يتجرؤوا على مغادرة المكان المهيب. وطوقتهم الحيرة… وبينا هم كذلك، مر بهم موظف بدين حسن الهيئة، يرأس قسما من أقسام المبنى، فقال مستغربا:

– ماذا بكم؟ ماذا تريدون؟

ولم يجب أحد، فالتفت الموظف البدين إلى الباب المفتوح، فرأى الرجل النحيل طريح الأرض وبجانبه الظرف والرسالة. فهرع إليه وحرّكه قليلا. ولما ظهرت علامة الحياة على الرجل، أجلسه وأسنده إلى صدره، ثم نادى اسما بصوت منفعل. فقـدِم رجل ذو قامة متوسطة وشارب كث، فأمره بإحضار الماء قبل أن ينطق. فغاب لحظة ثم عاد بالماء متبوعا برجلين. رُش الماء، فأفاق الرجل النحيل، لكنه لم يقـوَ على الكلام. فانتظر الموظف البدين هنيهات حتى عاد النـفـَس إليه، ثم أدنى فاه من أذنه وتـفسّره ما جرى. فنطق النحيل بعد جهد قائلا بصوت خفيض متقطع إن الفقراء لم يفعلوا أي سوء، بل سلموا له فقط الرسالة. فأجلِس الرجلُ المتأوهُ على كرسي خشبي، بينما كان البدين يقرأ سِرّاً الرسالة، وكان كلما تقدم في القراءة اصفر لونه، وعظم هلعه. واستدار الموظفون الثلاثة نحو الفقراء متجهمي الوجوه، وتنَفـّشوا لسحقهم، لكن الرجل البدين أومأ إليهم أن يتريثوا. فجعلوا يتفحصونهم بتطير وارتياب. وفجأة صرخ ذو الشارب، وكان شخصا متقلب المزاج، مِهذارا صخـّابا، لا يُرى إلا مُجَلـوزا بين المكاتب والحجرات :

– ماذا تفعلون هنا أيها الأوباش؟ ماذا جرى يا أولاد الكلاب؟

فندت عن القارئ همهمة موحشة زادت الوضع ارتباكا، بينما ارتمى رفقاؤه على الأرجل بالتقبيل، أي أرجل. وهمّ هو بدوره أن ينحني ليقبل رجلا، لكنه تراجع إلى الوراء مركولا، مثلما رُكِل رفقاؤه.

وفجأة صوّب الرجل البدين بصره نحو الفقراء ممتقع الوجه، وجعل يقلب مقلتيه في وجوههم الدميمة، وأسمالهم القذرة، وشعورهم المشعثة. والتفت إلى ذي الشارب، ثم إلى باقي الرجال:

– من هؤلاء؟

– لا ندري.

– من أين أتوا؟

– لا ندري.

– من أدخلهم إلى هنا؟

ـ لا ندري.

– ماذا يريدون؟

– لا ندري.

فصمت الرجل البدين قليلا، ثم جعل يُصعّد النظر في الفقراء المتسمرين في مكانهم، الناطقة أعينهم بأبلغ عبارات الضراعة والإنكسار. وبعد ذلك، تبسّم إليهم، وقال لذي الشارب بنبرة مُغَـيّرة:

ـ قمْ بخدمتهم وأْكرمْ مثواهم، إنهم ضياف!

آنذاك، أمر ذو الشارب الفقراء أن يتبعوه، فانقادوا طـُوّعا مذهولين يتعقبهم الرجلان، وقد أضاءت عبارة الرجل البدين بالظفر والحياة ليلهم البهيم، وسكـّـنت من روعهم. فساروا في الدهاليز تدغدغ مسامعَهم خشخشة الأوراق وطقطقة الأحذية. وجازوا باحة المبنى الواسع ذات الرونق والترتيب، مثيرين نظر ثلة من الزائرين دون أدنى مبالاة من خدام المبنى المائر بهرولة غير معتادة. وسلكوا بعد ذلك دهليزا دون مكاتب أو حجرات ينتهي بدَرَج. فنزلوا، ومشوا في صمت ممر طويل مظلم حتى انتهوا إلى باب حديدي يتوسطه شباك بطول شِبْر. ففتحه ذو الشارب، وأمر الفقراء بالدخول، فدخلوا. ونسمت ريح باردة كريهة نفـّرت الموظفين الثلاثة، فسارعوا إلى جس أطراف وجوانح الفقراء، ثم أمروهم بنزع حُزُم السراويل وأزمّة الأحذية، ففعلوا. فأخذها الثلاثة، وخطوا بخفة إلى خارج الحجرة، وزَلجوا الباب، ثم انصرفوا، تاركين الفقراء يقبضون على أعناق السراويل بيُسْرَياتهم، كاشفين عن أقدام بيض وكِعاب سُمْر. حينئذ، زعق ذو الشارب من الشباك :

– انتظروا!

مكث الفقراء في حجرة الضيافة ساعات قبل أن يأتي إليهم رجلان قويّا البنية، بسيطا اللباس. فنظرا إليهم باكفهرار دون أن يتفوها بكلمة، وشرعا يطوفان بأعينهم حيطان الغرفة وسقفها، ثم انصرفا، بعد أن أحكموا غلق الباب.

وبعد ساعات أخر، أتاهم شخص مُرجّل الشعر، بزي أنيق وربطة عنق وبطن، يصحبه خَفيران أحدهما يتأبط أضابيرا. فجال ببصره فيهم، ثم راح يسألهم عن أصولهم ومنابتهم. وبعد ذلك صمت برهة، ثم ضاحكهم، ثم ألقى إليهم جذلانا:

– غدا يأتي سيدنا الرئيس للقائكم!

فاهتزت أركان الفقراء، واستولى على بواطنهم العجز، وانقلبت نظراتهم إلى الدهشة والحبور. والتفتوا إلى القارئ كما تلتفت العروس العفيف إلى حبيبها ليلة العرس. وما هي إلا لحظات حتى كانت فِراخ رؤوسهم تطير خارج الغرفة والإدارة، وتحلق في سماء غير سماء المدينة.

وخرج الرجل الأنيق متبوعا بمرافقيه. ولما ابتعدوا قليلا عن الباب الحديدي الموصد خلفهم، قال لهما بنبرة جادة آمرة:

– خبّرا صاحبَـنا رئيس الشؤون العامة، بعد انتهاء الزيارة، بوجود أضياف خارج العادة.

وكان يعمل تحت إمرة رئيس الشؤون العامة رجال غلاظ شداد قساة بطـّاشون.