دلالة جهة الإصدار

بقلم: عمر احرشان / [email protected]

بعدما تطرقنا في حلقات سابقة لدلالات وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” سواء من حيث السياق أو العنوان أو الباعث أو المنطلقات أو الأهداف .. نخصص هذه الحلقة الخامسة والأخيرة للجهة التي أصدرت هذه الوثيقة حتى تكتمل الصورة ويتحقق الهدف المرجو من هذه القراءة. فلماذا صدرت هذه الوثيقة عن الدائرة السياسية؟ ولماذا المجلس القطري “مقدس”؟

صدرت وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” عن الدائرة السياسية باعتبارها الجهاز المتخصص في قضايا الشأن العام كما تنص على ذلك ورقتها التأسيسية ” إطار يتصدى لكل ما يتعلق بالشأن العام، ويتكلف بحمل رؤى وتصورات الجماعة والتحدث بها والتعريف بها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية”، ولهذا الغرض أسست في دورة استثنائية لمجلس الشورى بمراكش بتاريخ 09/07/1998، رغم أنه لم يتم الإعلان عن ذلك رسميا للرأي العام إلا بعد مرور سنتين تقريبا بعد انعقاد الدورة العاشرة لنفس المجلس بتاريخ 9/7/2000. كما أن الوثيقة صدرت عن هذه المؤسسة تفعيلا لمبدأ بادرت الجماعة للعمل به وهو التخصص الدعوي حيث أنيطت بجهاز التنظيم وظيفة التربية والدعوة والتعليم بينما تكلفت الدائرة السياسية بوظيفة التصدي لقضايا الشأن العام.

لذلك كان طبيعيا أن تصدر الوثيقة عن هذه المؤسسة، وهذه ليست المرة الأولى فقد سبق لها أن أصدرت في دجنبر 2006 نداء مماثلا تمثل في حلف الإخاء.

بهذا الأمر تثبت جماعة العدل والإحسان أنها حركة مؤسساتية تراعي تخصصات هيئاتها وتعمل على تفعيل أدائها وتقوية مكانتها.

لكن إذا اتضح سبب صدور الوثيقة عن الدائرة السياسية، فلماذا اختيار المجلس القطري وليس جهازا آخر؟

كان يمكن إصدار الوثيقة عن الأمانة العامة، فلماذا “مقدس”؟

المجلس القطري هو أعلى هيأة تقريرية، وفيه تتمثل كل مؤسسات الدائرة السياسية سواء الجغرافية (مندوبيات، فروع، أقاليم) أو القطاعية (قطاع الشباب، القطاع النسائي، القطاع النقابي) أو المكاتب الدراسية بمختلف تخصصاتها، ولذلك فصدور الوثيقة عن مجلس بهذا الثقل وبكل هذه المؤسسات رسالة لمن يهمه الأمر مفادها أن جماعة العدل والإحسان صف واحد كالبنيان المرصوص، وجسد واحد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وأنها لم تتأثر بالحملة المخزنية سواء في شقها القمعي أو الإعلامي التشويهي والتعتيمي، بل لم تزدها هذه الحملات إلا صمودا وتوحدا وقوة وخير مثال على ذلك إجماع كل مؤسساتها سواء في المواقف أو التقدير أو الحلول.

وزاد الأمر تأكيدا أن دورة مقدس هاته عرفت حضورا لأعضاء مجلس الإرشاد الذين كانت لهم كلمة افتتاحية على لسان الناطق الرسمي الأستاذ فتح الله أرسلان.

وتوج المجلس بزيارة مباركة للأستاذ المرشد حفظه الله.

كل ما سبق يؤكد أن الجماعة جسم واحد، وأعضاؤها على أتقى قلب رجل واحد، وبذلك تكون الرسالة وصلت. وصلت، أولا، من خلال جهة الإصدار، وثانيا من خلال حمولتها ومضمونها، وثالثا لأنها واضحة غير مشفرة ولا تحتاج إلى كثير جهد لاستيعابها وفهم المراد منها.

رسائل الوثيقة:تريد العدل والإحسان من خلال الجهة المصدرة للوثيقة، وكذا مضمونها، وتوقيت إصدارها بعث رسائل عديدة لأكثر من طرف:

1- للنظام الحاكم: تحمله المسؤولية في كل ما تعانيه البلاد والعباد من مآسي وما تتخبط فيه من أزمات، وأن المبادرات الترقيعية لن تزيد الوضع إلا تفاقما.

2- للنخب: تستنهضها لتكون لسان الشعب، والوثيقة مناسبة أخرى تفتح من خلالها الجماعة باب التعاون وتمد جسر التواصل من أجل تدارك ما يمكن تداركه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

3- للخارج: تذكره بمصالحه في البلاد التي ستتأثر بهذا النمط المخزني في الحكم الذي يؤثر على استقرار المنطقة برمتها، وتبدي الجماعة حرصا على إقامة علاقات مع دول الجوار على أساس الشراكة والمصالح المتبادلة.

4- لرجال المال والأعمال: تؤكد وقوفها إلى جانبهم في ظل منافسة غير مشروعة تقودها مؤسسات اقتصادية مدعومة بقوة السلطة، ولذلك جاءت فقرة في الوثيقة جد معبرة: ” بل إن الفاعلين الاقتصاديين غير الدائرين في فلك المؤسسات الاقتصادية المخزنية وجدوا أنفسهم محاصرين في أكثر من موقع استثماري وفي أكثر من سوق نتيجة المنافسة غير المتكافئة وغير الشريفة بين الطرفين، مما أثر سلبا على الحركية الاقتصادية التنافسية التي لو كانت تجري في أجواء من العدل والحرية وتكافؤ الفرص لكان لها آثار إيجابية واضحة على الاقتصاد الوطني وعلى دخل الفئات الاجتماعية المتضررة.”

5- للشعب: تدعوه إلى عدم الخضوع لسياسات المخزن التجهيلية، وتذكره بأنه مفتاح الحل وأن قراره بيده.

وكل هذه الرسائل مبعوثة بلغة تتضمن:

أ- يقينا في المستقبل: حيث النصر حليف المظلومين مهما طال الزمن.

ب- دعوة للتغيير بأساليب مقبولة بعيدا عن العنف والانقلابية.

ج- طمأنة لكل الفرقاء على اختلاف مواقعهم ومواقفهم.

القراءات المرتقبة للوثيقة:كيف سيستقبل الرأي العام هذه الوثيقة؟ هل من أمل يرجى بعدها؟ وهل من تجاوب ينتظر ممن يهمه أمرها؟

لن تخرج قراءات الغير لهذه الوثيقة عن اتجاهين، اتجاه أول سيرى فيها منافسا أو عدوا أو مضايقا أو مزعجا وقراءته ستصب على أن الوثيقة:

أ- انتحار سياسي جديد للجماعة ومزايدة سياسية فاشلة!!!.

ب- متاجرة بآلام الشعب وركوب على الأزمة التي تعيشها البلاد لتحقيق مكاسب سياسية خاصة!!!

ج- ترويج لليأس والعدمية!!!

د- هجوم مجاني على عهد جديد يشق طريقه نحو حل مشاكل البلاد المستعصية!!!

هـ- صرخة جديدة للجماعة لإثبات الذات وإظهار قوتها بعد الصدمات التي تلقتها طيلة أزيد من سنة. ولذلك فهي لا تعدو أن تكون هروبا إلى الأمام أو بحثا عن قوة الذات ووحدتها من خلال قضايا مجتمعية.

وهناك من سيقرؤها في الاتجاه الآخر بحيث يعتبرها محاولة لرأب الصدع وتقريب الهوة بين مختلف الفاعلين من أجل مصلحة المغرب والمغاربة، وهؤلاء سيرون فيها:

أ- العدل والإحسان اختارت الوقت والمكان المناسبين لإيصال رسالتها التي تثبت أنها ما زالت موجودة.

ب- نجحت في إحراج المخزن لأنها حولت المواجهة من طابعها القانوني الذي أرادته السلطة وحصرته في اجتماعات غير قانونية وأن السلطة لا تعدو أنها تفعل نصوص القانون، إلى طابع سياسي يؤكد جوهر الخلاف وبأن ما تتعرض له جماعة العدل والإحسان مرتبط بمواقفها السياسية التي تزعج السلطة.

ج- في الوثيقة جوانب اتفاق كثيرة وخاصة فيما يرتبط بالتشخيص والآفاق المرجوة، ولذلك يمكن أن تشكل أرضية صلبة للتقارب والتفاهم والتعاون.

التوقعات المرتقبة:صعب أن تجد الوثيقة آذانا صاغية في هذا التوقيت الذي يفتقد فيه المشهد السياسي لفرقاء أقوياء يملكون قرارهم بأيديهم وخاصة بعد الضربة القوية التي تلقاها الجميع في انتخابات 7 شتنبر 2007، ولكن الوثيقة، وهذا هو الأهم، أعادت طرح الأسئلة الحقيقية التي يصعب حدوث أي انتقال أو تحسن بدون الإجابة عنها. ولذلك تكون العدل والإحسان حددت أولوياتها خلال المرحلة القابلة، وقالت كلمتها مما يجري من حديث وتقييم لأسباب ما نحن فيه من مآسي. ويكفيها حسنة أنها حققت ذلك، والمسؤولية بعد ذلك يتحملها باقي الفرقاء الذين عليهم قول شيء إزاء ما يجري من تراجع.

نختم، كما بدأنا، بحمد الله والثناء عليه كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة على سيدنا رسول الله وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار ومن تبع سنتهم واهتدى بهديهم، واللجوء إلى الله عز وجل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يمكن فيه لعباده المستضعفين ليقيموا الحق ويزهقوا الباطل. إن الباطل كان زهوقا.