الفصل الثاني: في تصور التغيير

منهاج النبوة في التغيير

ظن الجاهلية وظن الحق- ظن الجاهلية

ظن الكفار سوءا بربهم في ذاته فأشركوا، وجعلوا له الولد والولي والشريك، وعبدوا السوى. (اقرأ إن شئت كل هذا تجده في ثنايا القرآن خاصة في سوره المكية).

وظنوا السوء في مشيئته فافتروا أنه أمر الشرك والفقر والفحشاء. والله لا يأمر بالفحشاء، هو يعد مغفرة منه وفضلا. إنما ذلكم “الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً” (سورة البقرة آية 268).

وظنوا السوء في ملكه، فقالوا وبئس ما قالوا: “إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء” (سورة آل عمران آية 181)

وقالوا: “يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ”. (سورة المائدة آية 64)

وهو الغني سبحانه، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.

وظنوا ظن السوء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فعابوه في عقله بالجنون، وزعموا أنه الشاعر والساحر والكاهن، وأنه مُعَلَّمٌ يعلمه بشر ويعلمه جن، وأن القرآن افتراه، وأعانه عليه قوم آخرون. وظنوه متكبرا يرجو العلو، ويبغي الفساد، ونزع السلطان منهم. ولمزوه فقيرا وبشرا كالناس ومهينا ومفسدا. ومكروا به يبغون قتله، وإخراجه وإثباته. (اقرأ إن شئت كل هذا تجده في ثنايا القرآن خاصة في سوره المكية).

أما القرآن فرأوا مذهبه أحلاما، ومنهجه السحر والشعر والكِهانة، وعلمه أساطير. يريدون تبديله، ويلغون فيه، ولايسمعون له. (اقرأ إن شئت كل هذا تجده في ثنايا القرآن خاصة في سوره المكية).

أما الحياة فمذهبهم فيها دهري:

“وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وما يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ”. (سورة الجاثية الآية 24)

والإنسان عندهم عقلاني فردا، ووضعاني دولة، وقطيعي مجتمعا. وهو المعتد بخبرته وقوته وأنانيته، لا يؤمن إلا بالفساد والعنف مذهبا في الحياة.

– ظن الحق

آية تلخص ظن الحق في ذات الحق عز وجل، وهي قوله تعالى: “قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار” (سورة الرعد آية 16).

تفصلها الآية في قوله تعالى:

“وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً”. (سورة الإسراء آية 111)

وآية تلخص ظن الحق في مشيئته: “قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ” (سورة النساء آية 78)

وعلى سبيلها قوله تعالى: “قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (سورة آل عمران آية 73)

وقوله تعالى: “قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ” (سورة آل عمران آية 154)

وقوله تعالى: “قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ”. (سورة الأنعام آية 71)

تدل الآية الأولى على قدره خيره وشره. وتدل الثانية على عطائه، وأنه الرزاق لا غيره. وتدل الثالثة أنما الشريعة شريعته والكتب كتبه. وتدل الرابعة أن الهدى هداه يجريه على أيدي رسله، فهم الهادون بأمره.

“وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”. (سورة الشورى آية 52)

أشرك الكفار بالله، فظنوا أنهم قادرون، وأنهم معجزو الله، وأن لهم من الأمر شيء، أو أن الأمر كله لهم، وظنوا الفضل بأيديهم وأن يد الله مغلولة، وأنه فقير؛ فكانوا على هذا في عزة وشقاق وتكاثر.

وجاء الحق يذكرهم أن الله خالق كل شيء، فإنه قادر عليهم، وأن الفضل بيـده، وأن متاع الدنيا قليل، وأن “يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء”، وأن فضله العظيم هو لمن اتقى، وأن الخزي على الكافرين. ثم إن “الأمر كله لله”؛ فهو المشرع المحل للطيبات المحرم للخبائث، فلا علم إلا علمه، وما تفرع عن علمه، وما سواه جهل وضلال. وإنه عز وجل “لا يأمر بالفحشاء”؛ بل هو الشيطان “يأمر بالسوء والفحشاء” فلم يأمر عز وجل بتفقير ولا بشرك؛ بل هو الذي أمر بالعدل والإحسان، والإنفاق في سبيل الله، وعبادته وحده، لا شريك له.

هذا هداه، و”إن هدى الله هو الهدى” وسواه أهواء مضلة، وفتن كقطع الليل مظلما. كل هذا، قبضة قدره “قل كل من عند الله”.

هذا ظن الحق: إيمان بالله وحده، ورسله الهادين بأمره، وكتبه حيث أمره، وقدره خيره وشره.

من الإيمان بالله، يفيض الإيمان بملائكته الساهرين على تدبير ملكه بأمره، فبيده مقاليد كل شيء. ومنه يكون الإيمان بالكتب والرسل والقدر. كل هذا غايته سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. والإيمان باليوم الآخر، وبالجزاء والحساب، حافز إلى الخضوع لأمر الله، وترسيخ القدم في عبادته، والتسليم له في قدره، واتباع رسله في صغير الأمر وكبيره.

أركان الإيمان ستة كما وردت في حديث جبريل.

هذه أركان ظن الحق: إيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

– كيف يحمل ظن الحق على ظن الباطل؟

كيف يتسرب إليه في لطف فيمحوه؟

نذكر أن الشرك خراب وفساد.

“لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون” (سورة الأنبياء الآية 22)

وأن ادعاء الولد دمار.

“َقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا َقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا” (سورة مريم الآية 35)

وأن الولي إنما يكون من الذل، وما مع الذل أمان.

“الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” (سورة الأنعام آية 82)

“وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا” (سورة الإسراء الآية 111)

نذكر أن الله غني حميد، وأن يداه مبسوطتان، ونتلوا قوله تعالى: “الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (سورة البقرة الآية 268 )

نذكر أن ناصية الإنسان بيد الله، وبيده رزقه.

ونذكر بعاقبة من كذب، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه وهذا قدره. ونبشر بالمغفرة من تاب إلى الله وننذر مغبة الإعراض عن الله، ونصف عاقبة المكذبين الأولين.

نذكر الإنسان الذي حسب أن ماله أخلده أن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لمن اتقى، وأن عذاب الآخرة أشد، وأن الموت مدركه لا محالة ولو كان في بروج مشيدة.

نذكره أن البعث حق، كما أن الخلق الأول حق. وأن كل ما خالف هذا باطل بلا حجة من كتاب أو عهد أو إذن أو اتباع رسول. وأن الشرك باطل، وإلا فأين دليل ما خلق الشركاء، “قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين”. (سورة الأحقاف الآية 4)

والذين زعموا الإيمان وهم في درك النفاق، كيف نتخذهم أولياء يهدوننا سبيل الرشاد؟

قتلوا الأنبياء وتركوا الجهاد في سبيل الله، و”قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ”. (سورة المائدة الآية 24)

وتنافسوا الدنيا؛ فأخذوا الربا، وأكلو أموال الناس بالباطل، وسارعوا في الإثم والعدوان وأكلهم السحت (اقرأ سورة المائدة الآية 24)

وأضاعوا الصلاة وإذا نودي إليها اتخذوها هزؤا. (اقرأ سورة المائدة الآية24)

نقضوا الميثاق في قوله تعالى في سورة المائدة: “وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ” (الآية 12)

نقضوا الميثاق، فلا نتخذهم أولياء: “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (سورة المائدة الآيات55-56-57)

لا تنتحل حجة مقام مقارعة حجة الدعوة، إلا ما كان وحيا، فلأهله ما يتخيرون.

“أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ” (سورة القلم آية 38)

“إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ” (سورة القلم آية 39)

أو عهدا مع الله فلذويه ما يحكمون: “أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ” (سورة القلم آية 40)

أو لهم شركاء خلقوا كخلق الله: “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ” (سورة القلم آية42)

أو أنهم سئلوا أجرا، ورأوا في أهل الدعوة طلاب دنيا لا آخرة. “أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ” (سورة القلم آية 47)

أو لهم من علم الغيب ما يبين لهم الصدق والكذب في الإخبار عن الغيب. “أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ” (سورة القلم آية 48)

غير هذا، لا وجه لحجة في رد حجة الدعوة إلى الله.

وحجة الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر تأتينا بها سورة النازعات:

– هلاك الأولين لكفرهم.

“أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ. كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ”.

– وتذكير بالله وما خلق من إنسان.

“أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ”.

– وتذكير بالله وما خلق من أكـوان.

“أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ”.

بسط للتاريخ وتفسير، وكشف عن سنة الله في دنيا الناس. ووصف لمعنى الإنسان والكون والموت والحياة والنشور.

“هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ”.

علم بالتاريخ والواقع ثم دلالة على طريق الخلاص، وهو طريق الركوع والعبادة لله وحده لا شريك له.

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ”.

وليس فوق هذه الحجة والبيان حجة أو بيان.

“فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ”.

(الآيات من سورة النازعات)