تذكير

ليست السيرة النبوية أحداثا ووقائع تاريخية مؤطرة بعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، تلوكها الألسن اندهاشا وإعجابا أحيانا وتسلية وعزاءً مما يعانيه المسلمون اليوم من ذل وهوان؛ بل إنها تمثل حقيقة الإسلام في بعده العقدي والخلقي والحركي التدافعي سلما وحربا رخاءً وشدةً. لذا تعتبر السيرة النبوية ميدانيا لمبادئ الإسلام مجسدا في حياة النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فيها يقف المسلم كل مسلم حاكما أو محكوما على النموذج السليم والأسوة الحسنة في كل شأن من شؤون الحياة، فحياته عليه الصلاة والسلام تقدم إلينا نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج الرائع للإنسان الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته، ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة،..وللقائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك، وللمسلم الجامع ـ في دقة وعدل ـ بين واجب التعبد والتبتل لربه، والمعاشرة اللطيفة مع أهله وأصحابه. لا جرم أن دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليست إلا إبرازا لهذه الجوانب الإنسانية كلها مجسدة في أرفع نموذج وأتم صورة) 1 .

وعلى قدر ارتباطنا بالسيرة ونهلنا من معينها تأسيا واتباعا وتمثلا للنموذج النبوي تصلح التربية الإيمانية وتستوي الشخصية المسلمة وتتأهل للقيام بأعبـاء الدعوة والبناء والتدافـع مع قوى الباطل، فنصل قنوات الفكر والشعور والولاء بالنموذج المثالي) 2 . وهذا هو تفسير الحملة المسعورة ضد كل ما هو إسلامي في مناهج التعليم في البلدان العربية والإسلامية تجفيفا لمنابع الإرهاب زعما وافتراءً.

وفي السيرة النبوية تعتبر هجرته صلى الله عليه وسلم حدثا مفصليا بارزا سواء من حيث دلالته الإيمانية استجابة لله ورسوله، أو من حيث تبعاته وما يقتضيه من بذل وتضحية وركوب للأخطار وارتماء في المجهول، أو من حيث دلالته التشريعية تثبيتا لسنة التدافع على قاعدة: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين 3 ، أو من حيث بعده التخطيطي ترسيخا لقاعدة الأخذ بالأسباب تطبيقا لقوله الباري عز سلطانه: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.. 4 .

نتناول في هذا المقال الهجرة النبوية من زاوية التخطيط والتدبيـر استجلاءً لحقيقة الهدي النبوي في مجال التدافع تمكينا لدعوة الله ودينه، فالسيرة النبوية العطرة هي نموذج القومة ووصفها ومدرستها. عليك ـ أيها المسلم ـ في عصرك ومَصرك وظروفك وحظك من الله وقوة من معك من حزب الله، قوة الإيمان قبل قوة العدد، أن تترجمها واقعا حيا تتعرض به لأمر الله) 5 .

سياق الهجرة ودواعيها

مع تنامي المقبلين على دين الله المستجيبين للدعوة المحمدية اشتد تضييق كفر قريش على المسلمين، كان لزاما البحث عن بدائل أخرى تضمن استمرار الدعوة وأمن وسلامة أبنائها، فراح صلى الله عليه وسلم يطرق أبواب القبائل المجاورة، مثلما كان يغنم مواسم الحج بحثا عمن يأوي الدعوة ويناصرها، ووجد صلى الله عليه وسلم استعدادا في بعض أهل يثرب ترجم في بيعتي العقبة الأولى والثانية لميثاق إيـواء ونصرة اغتاظت له قريش وخططت لتصفية حامل لواء الدعوة والتخلص منه نهائيا.

أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين بالهجرة إلى يثرب التي وصفها لهم كما تجلت له معالمها في الرؤية، وفي مدة قصيرة لم يبق في مكة إلا عليا وأبا بكر رضي الله عنهما واللذين أبقاهما صلى الله عليه وسلم لمهمتين كبيرتين كما سيتضح لاحقا.

مراحل الهجرة النبوية

مثلت هجرتـا الحبشة مؤشرا لهجرة المسلمين من مكة، مثلما حسمت بيعتـا العقبة في البلدة التي ستأوي المسلمين المهاجرين الفارين بدينهم، وغداة تأكد زعماء قريش من فحوى بيعة العقبة، ووعيا منها بما يمثله استقرار المسلمين بيثرب لما لها من موقع استراتيجي في طرق القوافل التجارية نحو الشام، خططت لتصفية النبي صلى الله عليه وسلم تعبيرا عن نفاذ صبرها وبوار أساليب التضييق والترهيب، يقول الحق جل وعلا: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين 6 ، وخلال ضرب الحصار على بيته صلى الله عليه وسلم وتطويقه من طرف من انتدبوا لتنفيذ الجريمة النكراء يغادر النبي صلى الله عليه وسلم تاليا قوله تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون 7 ، ليلتحق ببيت أبي بكر ومنه توجها جنوبا لغار ثور حيث مكثا ثلاث ليال، ومنه انطلقا نحو يثرب مسترشدين بعبد الله بن أريقط أحد الخبراء بمجاهل الصحراء في رحلة تاريخية تحط الرحال في ضواحي يثرب ـ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحقا ـ بعد أسبوع حابل بمواقف مشاهد خالدة، إيذانا بعهد جديد ومرحلة بناء كيان دولة الإسلام.

من دروس الهجرة النبوية وعبرها:قد يتساءل المتتبع لماذا لم يسر بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب تفاديا للمغامرة بحياته؟ والجواب ـ والله أعلم ـ هو أن الإسراء والمعراج معجزة قصد بها التأكيد والاستدلال على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، في حين تمثل الهجرة النبوية بعدا تشريعيا وترسم معالم سير الدعوة، وما ينبغي أن يكون عليه الأتباع مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة احتراما لسنة التدافع بين الحق والباطل.

وارتباطا بنفس التساؤل، فالمعجزة يلجأ لها عند الضرورة أو الاستثناء، إذ بشرية الأنبياء أبلغ تأثيرا في النفوس، لهذا استغرب أقوام من بشرية أنبيائهم ورسلهم: وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها 8 ، وهي البشرية التي ما فتئ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر بها في أكثر من موقف، ومن ذلك قوله تعالى: قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.. 9 ؛ هذه البشرية التي تؤسس لنموذج بشري صالح للاتباع والتأسي، وتشحذ الههم والعزائم اقتحاما لما قد يعترض الدعوة من عقبات.

الهجرة النبوية حدث تاريخي بارز بكل المقاييس، وستظل مدرسة تستقى منها العبر والدروس، واليوم نتناولها من زاويتي التخطيط والتدبير، لشدة حاجة المسلمين لهاتين الآليتين امتلاكا لأسباب القوة التي أمرنا بها كما سبق في سورة الأنفال. لقد أبانت الهجرة النبوية في كل مراحلها عن حس كبير ووعي عميق بمسألة التخطيط والتدبير، ونقف فيما يلي عن بعض تجلياتهما:

1. التخطيط استشراف للمستقبل، ويكون التخطيط ناجحا موفقا على قدر استحضاره لكل الاحتمالات الممكنة والمتوقعة، فيصبح هامش المفاجأة ضئيلا ما أمكن، وبما أن كل المؤشرات تؤكد استحالة تعايش المسلمين مع كفار قريش في مكة، راح صلى الله عليه وسلم يبحث عن بدائل أخرى، حيث وجد استعدادا لدى الأوس والخزرج لإيـواء الدعوة، بل ونصرتها والدفاع عنها.

2. التكتم على العملية ككل، فلم يكن خبر الإعـداد للهجرة يتجاوز النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه، على أساس: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان”.

3. خاصية أخرى في منهجية التخطيط وهي التدرج الذي تجلى في بيعتي العقبة، إذ تطور الميثاق من مستوى ما يصطلح عليه ببيعة النساء إلى مستوى الدفاع والنصرة.

4. ومن مقتضيات التخطيط البرمجة، إذ وضع صلى الله عليه وسلم برنامج الهجرة: توقيت المغادرة، التوجه جنوبا تمويها، المكوث بغار ثور ثلاث ليال قبل التوجه نحو يثرب.

5. توزيع الأدوار وعدم احتكار المهام، فسيدنا علي كرم الله وجهه كلف بتضليل المتربصين بأنه صلى الله عليه وسلم مازال في فراشه، وعبد الله بن أبي بكر أسندت له مهمة نقل أخبار قريش، وأسماء بنت أبي بكر توصل الطعام، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يوفر اللبن ويخفي آثار عبد الله بن أبي بكر.

6. إعداد أبي بكر الصديق رضي الله عنه لراحلتين وتعليفهما بأحسن علف أكثر من شهرين، تأهبا للحدث التاريخي.

7. الاستعانة بذوي الكفاءة من أهل المروءة، حيث تـم التعـاقد مع عبد الله بن أريقط الخبير بمجاهل الصحراء، وفي ذلك درس بليغ وحكمة عظيمة لأبناء الدعوة اليوم.

خلاصات

1. الهجرة النبوية مظهر من مظاهر تأييد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والذود عنه باعتباره المستأمن على المشروع الإسلامي، وهذه قاعدة تسري على ورثته صلى الله عليه وسلم ومن يبعثه الله تعالى لتجديد دينه بين عباده، وفي الحديث: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب..”.

2. جواز الاستعانة بذوي الكفاءة لإنجاح المشروع الإسلامي حتى وإن لم يكن مسلما، وفي هذا إشارة واضحة لانفتاح أبناء الحركة الإسلامية على ذوي المؤهلات إفادة من قدراتهم، وما يقتضيه ذلك من حسن تواصل وخفض جناح وبشاشة وجه وجميل تلطف.

3. حسن التخطيط وروعة التدبير لا تعدو أن تكون أسبابا أمرنا أن نجتهد في إعدادها دون التعلق بها، إذ الحافظ الناصر المسدد الموفق هو الله جل وعلا، فقد اجتهد صلى الله عليه وسلم في التخفي وتضليل الرقابة القرشية، وخلال عمليات تمشيط المنطقة وقف فرسان قريش عند باب الغار حتى قال الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا). وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم جـواب المـوقن في ربه الواثـق من نصره: “ما ظنك يا أبا بكر بإثنين الله ثالثهما!” 10 ، ونظرا لمركزية الموقف ومحوريته في الإيمان سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة، يقول جل جلاله: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها 11 . وهذه هي حقيقة التوكل على الله، الأخذ بالأسباب والاجتهاد فيها قدر الاستطاعة، ثم التجرد من الأسباب وتفويض الأمر لـرب الأسباب، على قاعدة: احفظ الله يحفظك، واتق الله تر عجبا.

بهذا تكون الهجرة قد شرعت للمسلمين كيفية التحرك الميداني، مثلما أعطت درسا تطبيقيا في حقيقة الإيمان وما يتطلبه من إعداد مادي وتأهيل قلبي اكتسابا للمعية الإلهية وضمانا لتنزل السكينة القلبية في الأوقات الحرجة عندما تبلغ قلوب المنافقين وضعاف الإيمان حناجرهم. فاللهم تنزل علينا بسكينتك، وثبت منا الأقدام، ولا تشمت بنا الأعداء. وآخر دعوانا: الحمد لله رب العالمين.


[1] فقه السيرة النبوية: د. محمد سعيد رمضان البوطي، ص: 16.\
[2] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، عبد السلام ياسين، ص: 125.\
[3] سورة العنكبوت، الآية: 1.\
[4] سورة الأنفال، الآية: 61.\
[5] سنة الله، عبد السلام ياسين، ص: 300.\
[6] سورة الأنفال، الآية: 30.\
[7] سورة يس، الآية: 7.\
[8] سورة الفرقان، الآيتان: 7، 8.\
[9] سورة الكهف، الآية: 105.\
[10] الرحيق المختوم، ص: 150.\
[11] سورة التوبة، الآية: 40.\