يكيد الأعداء كيدا ويستفرغون كل أساليب مكرهم، ويخطط السياسيون ويحسبون الحسابات، ويريدون ويشاؤون، ويشاء ربك من فوق سبع سماوات. أن يخزي سعيهم ويرد كيدهم إلى نحورهم ويجعل للمؤمنين من كل ضيق فرجا، ويجعل بعد كل عسر يسرا يلمسه الموقنون بنصر الله ألطافا إلهية وعناية ربانية، تتجلى إذا قل المعين وخذل الناصر وذهب الحول والقوة. وما وقع في غزة إحدى تلك التجليات والكرامات التي تخرج عن طور البشر، وتثبت أنها لمسة حانية من يد القدر، وتلك سنة الله التي لا تتخلف وعدا صادقا من الله جلت قدرته لعباده الصالحين المتقين المظلومين أن يجعل لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون.

شاء ربك، والرزاق هو المانع المعطي الضار النافع هو سبحانه وتعالى، أن يكسر الحصار ولو لأيام معدودات عن هذا الشعب المجاهد، الذي جوّع الصهاينة أطفاله وأضمؤوا نساءه ورجاله، ومنعوا عن مرضاه الدواء ولو استطاعوا لمنعوا الهواء كما منعوا الكهرباء، وأساليب الإبادة الجماعية خاصية متأصلة في يهود قتلة الأنبياء والمرسلين المفسدين في الأرض، في كل زمان ومكان لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ويسعون في إيقاد نيران الحرب وإيقاظ الفتن على مر الأزمان والعصور.

يقص علينا ربنا قصصهم للذكرى والاعتبار وللتفكر والاستبصار، ويضع لنا قواعد ينبغي أن تكون منطلقات للفهم والسلوك في علاقتنا باليهود حالا ومآلا في فلسطين وفي كل مكان، ففلسطين وإن كانت الآن بؤرة توتر وساحة مواجهة يصطدم فيها المسلمون واليهود فهي لا ينبغي أن تحجب عنا حقيقة أن “الصراع” أو التدافع كمفهوم قرآني بين الحق والباطل بين جاهلية وإسلام بين حرب دائمة وسلام أبدي هو تدافع تشهده كل مناطق العالم وفي كل المجالات، أم هذه الحقائق القرآنية الصادقة وأسها تتلخص في أن إمكانية التعايش بين الحق والباطل هي وهم في وهم، “فالحتمية التاريخية” تقتضي تصادما بين المسلمين “عباد الله” حقا، وبين اليهود أبناء الله وأحباؤه -في زعمهم- يقول الله عز وجل: “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7)”(1).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضى الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‏”تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ فَيَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ‏”‏‏.‏(2)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‏”لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ”‏.(3)

فكل فهم يعتبر السلام بمعناه “الساداتي أو الأوسلوي”الانهزامي الرائج خيارا استراتيجيا لا محيد عنه هو فهم بعيد عن استيعاب كنه وطبيعة الصراع، التي مهما حاولت النخب السياسية اللائكية -عندنا حقيقة وتظاهرا عندهم- تزييفها أو حصرها في صراع سياسي مصلحي، فهو صراع ديني عقائدي حضاري شامل مواجهة بين حقائق القرآن الكريم بما هي الحق المطلق وبين خرافات التلمود بما هي باطل في باطل. ففلسطين بمآذنها وكنائسها وبيعها وصوامعها ومقامات أنبياءها ومزارات أوليائها تصدع بأنها أرض دين ورسالة، ومقامع “الأليكة” ومطارق التحييد الثقافي لن تفلح في طمس هذه الحقيقة الباهرة.

قد نتحاور في بعض التفاصيل وقد نختلف-نحن المسلمون- في بعض التكتيكات التي تمليها طبيعة كل مرحلة وخصوصيتها لكن لا ينبغي القفز على القاعدة. (ليست “قضية فلسطين” قضية محلية، بل هي قضية مصيرية. الآن أخذ العرب يدركون خطورة ما لا قِبل لهم به، واقترحوا تنازلاتهم للاعتراف بالكيان الصهيوني في “حدوده الآمنة”. والصهاينة اليهود والمهودون يحلمون بإسرائيل الكبرى، بإسرائيل ما بين النيل والفرات، بل بإسرائيل العالمية التي بشرت بها توراة اليهود.

قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون)(4).

نعود إلى غزة الجريحة والعود أحمد ، لنقرأ في اقتحام الحدود منحة إلاهية بعد أن اشتدت المحنة قرابة ثمانية أشهر، عانى فيها الشعب الفلسطيني أصناف “العقاب الجماعي” جزاء له على اختياره الديمقراطي لحماس، والعالم الغربي “الإنساني جدا “الذي تجرح رهافة مشاعره صور المأساة بدارفورد لم يحرك ساكنا كأن شعب فلسطين ليسوا بشرا!!! ولنقرأ فيها أن ما يتسارع من أحداث هو سنة الله التي لا تتخلف أبدا بل هي السنة التي تؤكد أن حركة المومن على الحق وعلى نهج الأنبياء والرسل أم لا “الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولو آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3)”(5) بما هي ابتلاء أولا وبما هي منحة شاءت سنة الله أن تجعل لها مقدمات وعللا ، فتهميش دور مصر إقليميا ومحاولة تجاوزها من طرف القوى الدولية كرقم أساسي في معادلة المفاوضات والتسوية وكذلك ما يتعرض له النظام المصري من ضغوطات بسبب وضع حقوق الإنسان والأقلية القبطية داخليا وكذا الاحتقان الداخلي بسبب الوضع الاقتصادي والسياسي وانحسار الدور القومي لمصر في المنطقة كلها أسباب جعلت موقف النظام المصري المكره في كل الأحوال لا يقمع تحرك المحاصرين من أبناء غزة لفك الحصار وفتح المعابر وهي سابقة نتمنى لها لواحق من مصر وغيرها من الأنظمة العربية التي خنقت نفسها بربقة التبعية لأمريكا ،ثم نقرأ فيها أن إرادة الشعوب أكبر من الأسوار والحدود فتحرك شعب فلسطين الذي دفعه الإفلاس السياسي والحصار الدولي والإقليمي والمحلي إلى اقتحام الحدود بصدور عارية غير عابئ بالموت يؤشر إلى روح جهادية متحفزة بدأت تسري في المنطقة وما وقع في غزة أول الغيث الذي يؤكد أن الشعوب نفضت يدها من كل مشاريع الحوار والسلام المفلسة. فلا مدريد أفلحت ولا أوسلو صمدت ولا خارطة الطريق تحركت ولا أنابوليس تململت فالتقتيل والتجويع والاعتقال والاغتيال والإذلال والاستيطان والاحتلال هي الحقيقة وما سواها أوهام ورهانات خاسرة.

——————————————–

1- سورة الإسراء.

2- صحيح الإمام البخاري الحديث رقم 2962.

3- صحيح الإمام البخاري الحديث رقم 2963.

4- كتاب “سنة الله” للأستاذ عبد السلام ياسين.

5- سورة العنكبوت.