1- تمهيد:تميزت جماعة العدل والإحسان بميزتين أساسيتين:

الميزة الأولى: أنها تأسست على قاعدة عرض مشروع تقدم به الأستاذ عبد السلام ياسين منذ أول خطوة في طريقه الدعوي، وذلك من خلال “المنهاج النبوي” من حيث هو خصال عشر تشكل في مجموعها وانتظامها مضمون القرآن الكريم، ومن حيث هي شعب إيمان تجسد مجموع الشخصية المؤمنة المجاهدة على الطريقة النبوية.

فالخصال العشر هي المعروضة في كتبه: “بين الدعوة والدولة” و”الإسلام غدا” ورسالة “الإسلام أو الطوفان”، وهي المعروضة كذلك في ما تلاها من مؤلفات: “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، و”تنوير المؤمنات” و”العدل: الإسلاميون والحكم”، و”الإحسان” وهي الناظمة لكل القضايا الحوارية والتواصلية التي أنجزتها باقي المؤلفات، وهي كشّاف مضامين المؤلفات التي ناقشت قضايا خاصة ك”محنة العقل المسلم” و”سنة الله” وغيرهما من المؤلفات والمصنفات والأعمال مهما كان حجمها وسياقها ومناسبتها.

وهي ميزة هامة، إذ كانت مصدر وضوح كبير في أمد وأفق حركة المشروع جملة من حيث بيان أهدافه الكبرى ومقاصده العليا وغاياته السامية.

فالعرض الناظم للخصال العشر وشعبها الإيمانية وقيمها الإحسانية المنسجم تماما، مع الواقع البنائي لتنظيم جماعة العدل والإحسان في الميدان مثل كذلك نموذجية فريدة في ردم الهوة، التي عرف بها الكثير من غير الأستاذ عبد السلام ياسين من العاملين في حقل الدعوة، بين عملية التفكير وعملية البناء والحركة، مما أعطى لعملية بناء الجماعة وضوحا كبيرا ورصيدا علميا هائلا تأسيسا على مستوى تربوي إحساني أخلاقي عظيم تميز به أعضاؤها رجالا ونساء.

إنه وضوح في عملية البناء الكلية من خلال مشروع متكامل وشامل ممتد في الزمان والمكان وعابر للدنيا إلى الآخرة جهادا عامرا.

الميزة الثانية: أنها، وإضافة إلى العرض التفصيلي للمشروع المجتمعي من خلال الخصال العشر وشعبها الإيمانية وقيمها الإحسانية تحت شعار: “العدل والإحسان” كانت الجماعة تغطي كل فترة أو مرحلة سياسية بوثيقة سياسية تؤطر الفعل السياسي اليومي للجماعة في مباشرة قضايا الواقع السياسي المغربي.

وقد كانت الوثائق الكبرى التي تعرض من خلالها الجماعة مطالبها ومواقفها السياسية لتحقيق واقع الحرية والكرامة والعدل للشعب المغربي تعرض أهدافا دقيقة وعيا بالمرحلة المعيشة وبمطالبها وبوسائل العمل فيها خدمة لهذه المطالب الكلية: الحرية والكرامة والعدل، ووعيا بالمدى المستقبلي في كل أبعاده المحلية والإقليمية والدولية.

إن هذه الميزة تؤشر على أن العمل السياسي لجماعة العدل والإحسان مؤطر بمشروعها المجتمعي، على الرغم من الحصار المستمر والمتنوع، وأن الجماعة تشتغل وفق مشروع سياسي تبنى لبناته الواقعية لبنة فوق لبنة ومرحلة ممهدة للمرحلة التي تليها وأساس لها؛ سواء من حيث البناء الداخلي أو سعي الجماعة ومشاركتها (ليس المقصود المشاركة في الانتخابات) في بناء الواقع السياسي والمجتمعي العام.

وعلى هذه القاعدة يجب أن تقرأ وثائق العدل والإحسان موضوع المقالة ليدرك أن سياقها العام واحد وأنها لبنات واحدة تلو الأخرى وحلقات يشد بعضها بعضا وليست صيحات في واد معزولة.

2- بين الوثائق الثلاثة: الصيرورة البنائية والفقه المستقبلي والوعي الاستراتيجيأ- “مذكرة إلى من يهمه الأمر (يناير 2000)”:

السلاح الأخلاقي شرط المدخل الديمقراطي

إذا كانت رسالة “الإسلام أو الطوفان”، التي وجهها الأستاذ عبد السلام ياسين سنة 1974 إلى ملك المغرب ساعتها الحسن الثاني ناصحا إياه وداعيا إياه إلى توبة عمرية (نسبة إلى عمر ابن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه) قد غطت مرحلة هامة من تاريخ الجماعة الدعوي والسياسي امتد إلى وفاة الحسن الثاني وصاحَبتها في ذلك “رسالة القرن في ميزان الإسلام” التي ناقشت بوضوح وقوة دعوة الحسن الثاني إلى التجديد، ومازالت دلالاتها ممتدة في الزمان والمكان بما هي وثيقة تأسيسية لمشروع سياسي كبير وتحتاج إلى دراسة خاصة ومفصلة، فإن “مذكرة إلى من يهمه الأمر” جاءت لتجيب عن سؤال عهد سمى نفسه بالجديد بعد وفاة الحسن الثاني وجلوس محمد السادس على كرسي الملك.

فبعد أن صرح الغالب الأغلب بسرعة بموقفه من إشارات الملك الجديد مباشرة بعد توليه الحكم، وقد دارت غالب التصريحات على ضرورة التقاط الإشارات الملكية واعتبارها فرصة تاريخية للبناء الديمقراطي في المغرب، وبعد أن انتظر الجميع، حوالي خمسة أشهر على وفاة الملك، موقف الجماعة بما هي أكبر قوة سياسية في المغرب، ونظرا لموقفها من النظام السياسي زمن الحسن الثاني، رحمه الله، صدرت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” مناقشة الوضع السياسي “الجديد” ومنادية بمطالب أساسية للدخول الحقيقي في ممارسة ديمقراطية فعلية تضمن الاختيار الحر للشعب المغربي.

وقبل التذكير بتلك المطالب لنرقب من خلا تتبع مسارها الوضع الذي مهد إلى الدعوة المباشرة من خلال مؤسسة المجلس القطري للدائرة السياسية إلى “حلف الإخاء” ثم بعده “الورقة السياسية: جميعا من أجل الخلاص”، لابد من الإشارة إلى أن المذكرة المشار إليها قد أحدثت ضجة هائلة عند صدورها، وأكاد أجزم، إلى أن أغلب القراءات أساءت فهم المذكرة ولم تستوعب جيدا مضمونها السياسي والمدخل الذي اقترحته.

وإن كان المقام هنا ليس هو تقييم تلك الردود، لأنها كانت مظروفة بزمانها، فإن الذي يهم في هذه المناسبة هو بيان امتداد المدلول السياسي للمذكرة لما عرضت الخيار الأنسب للانتقال السلس إلى مرحلة الممارسة الديمقراطية الفعلية مع العهد الجديد، لكن الأيام والسنوات أثبتت أن اختيار النظام/الدولة والنخبة المتحالفة معه لم يكن ذا جدوى وفائدة نظرا لفشل منطق التوافق السياسي وما بني عليه مما سمي بالإصلاحات، لأنه شكل توافقا شكليا لما كان منطق المخزن هو رائده، في حين اكتشف حلفاؤه أنهم شاركوا على أساس كبير من الغموض والإطلاقية في الشعارات (يراجع في الباب التقرير التقييمي الصادر عن الاتحاد الاشتراكي بعد انتخابات 7 شتنبر 2007، وغيره من التصريحات في الباب).

إن استفراد النظام (القصر)/الدولة بتسطير منهج التوافق السياسي ومضمونه، إذ لا يمكنه إلا ذلك نظرا لطبيعته الاستبدادية والاحتكارية الشاملة، فوت فرصة تاريخية على المغاربة لأجل صناعة السياق الأصلح لتحقيق التوافق الوطني الحقيقي للدخول على عتبة القرن الواحد والعشرين من خلال تمريض المرحلة الانتقالية وفق مداخل تؤدي إلى تحقيق شروط الاختيار الحر للشعب المغربي بما يضمن له كرامته وحريته.

فقد كانت المذكرة/الرسالة جامعة في تقييمها للمرحلة المعيشة واقتراحها ليدخل المغرب حقيقة في ممارسة ديموقراطية تمكن الأمة من إمكانية الاختيار الحر، ذلك أن الواقع المعيش لا يمكن أن يقبل ادعاء ترسيخ الممارسة الديموقراطية وقيام دولة الحق والقانون وفق الشروط والقواعد السياسية والمجتمعية المتحكمة فيه، ولذلك عرضت المذكرة مدخلا له ثلاثة مرتكزات:

الأول: رد مظالم الشعب المغربي، السياسية والحقوقية والاجتماعية والمالية والاقتصادية. وماذلك بعزيز على دولة قادرة على عد أنفاس المواطنين. ولكن الدولة/النظام حدد موضوع رد المظالم وفق منطق التوافق السياسي الذي اختاره، فاختزل تلك المظالم في ملف الاعتقال التعسفي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في شخص فئة من ضحايا “العهد القديم” مما أفقد عملية رد المظالم كل قيمتها السياسية والإنسانية والإصلاحية، خاصة لما تم إقصاء كثير من المعتقلين السياسيين من هذه العملية. إن طي صفحة الماضي بما هو المفهوم الذي أطر هذه العملية لم يكن مستوعبا لمطالب الشعب المغربي في الباب. ولذلك لم تكن له اية آثار مهمة في عملية الإصلاح السياسية والانتقال الدموقراطي الذي أصبح اليوم من أكذوبات العهد الجديد.

الثاني: التوزيع العادل للثروات بعد إنتاجها، ثم إقامة عدالة اجتماعية حيث تكافؤ الفرص.

لقد كان هذا أمل المغاربة الكبير حتى سموا الملك الجديد بملك الفقراء طمعا في أن يحدث تحول في علاقتهم بثروات البلاد من حيث إنتاجها وتوزيعا، لكن المفاجأة كانت كبيرة لما حصل نقيض ذلك إذ ازداد الفقراء فقرا والأغنياء غناء وظهر للجميع أن ثروة البلاد وخيراتها محتكرة من طرف فئة لها علاقات وطيدة بالقصر وحلفائه.

الثالث: تطهير الإدارة وإصلاحها إصلاحا شاملا. إذ لا ديموقراطية بين يدي إدارة فاسدة مفسدة، بل هي عش مزمن للفساد. وهو شرط إذ لا يكفي حيادها الذي تميز بالسلبية، لكن في أن تخضع لعملية إصلاح وتطهير من عناصر صارت جرثومة جاثمة على صدر المغاربة، إذ لم تكن له أية فعالية وجدوى للمفهوم الجديدة للسلطة الذي أطلقه العهد الجديد؛ فحالة الإدارة يعلمها الجميع ولا تحتاج إلى أي دليل.

إنها مرتكزات ثلاث لمدخل أولي لمرحلة أولية يوفر الشروط الدنيا لممارسة ديموقراطية تضمن أن يختار الشعب من يحكمه وكيف يحكمه وبما يحكمه. ولذلك سمت المذكرة هذه المرتكزات بالسلاح الأخلاقي يتسلح به القصر للدخول إلى تحقيق المطلب الأساس، وهو شرط الاختيار الحر عبر بوابة الديمقراطية الفعلية، علما بأن المذكرة تلح على سنة التدرج في السعي لتوفير هذه الشروط. إلا أن الذي حصل لا يتعلق بعملية متدرجة، بل بتمويه خطير وتزوير فضيع في حق إرادة ومصير الشعب المغربي كشفت كل المعطيات أنه آل إلى واقع كارثي عبر عنه المغاربة من خلال نسبة المشاركة المتدنية جدا في الانتخابات.

ب- نداء “حلف الإخاء” (دجنبر 2006): الميثاق الجامع واستراتيجية التقويض

كانت جماعة العدل والإحسان دوما تدعو إلى أن المدخل هو التأسيس لميثاق جامع يصاغ على مرأى ومسمع ومراقبة من الشعب المغربي.

وبعد تقييم الوضع المغربي في كل أبعاده ومجالاته صدر عن “مقدس” في دجنبر 2006 نداء يدعو إلى ضرورة أن يجلس الغيورون والمهتمون والمهمومون بمصير الشعب لأجل العمل على تأليف “جبهة واسعة لمواجهة الطغيان والاستبداد ولإيقاف النزيف والخراب المستشري بفعل المفسدين والمبذرين” (النداء).

وسيكون هذا الجلوس العملي في إطار عملية نقاش كبرى تصنع حوارا “يحدد المعالم الكبرى للنظام السياسي الذي يمكن أن يحظى بقبول المغاربة وثقتهم، ويرسم الخطوات الأساس لترجمته على أرض الواقع في هدوء، على أمل إنقاذ بلدنا قبل فوات الأوان، بل والتأسيس لتجربة رائدة تكون جديرة بالاقتداء” (النداء).

ومضمون هذه العملية الحوارية النقاشية الصريحة: “لنقول جميعا بلسان واحد وبكلمة واحدة: لا للاستبداد، لا للتسلط، لا للطغيان، لا للفساد والإفساد، لا للعبث بمصير شعب، وخيرات بلد، لا لنموذج من الحكم عفى عليه الزمن، أنهك أمة وأغرقها في الأزمات، ومهد السبيل لتسلط الأعداء، فنهبوا الثروات، واضطروها إلى أضيق الطرقات، وشغلوها بالتفاهات ليسعدوا وتشقى، وينعموا وتردى”(النداء).

إن هذا الوضوح في تحديد الوسيلة والمقاصد التي توظف لها والمضمون السياسي والعملي الذي ينبغي أن يعمرها بيان على أن ما مر من عمر ما سمي بالعهد الجديد لم يدخل البلاد إلا في نفق الأزمة المظلم، مما يعني أن المستقبل السياسي الكريم للمغاربة رهين بالقطيعة مع أصول واقعه المأساوي والمتجلية في الاستبداد وما يترتب عليه.

ومن هنا يكون خطاب “نداء حلف الإخاء” استمرارا للمضمون السياسي الذي بنت عليه “مذكرة إلى من يهمه الأمر” مطالبها السياسية في ما سمي بالعد الجديد، إذ مع الاستمرار بالعبث بمصالح الوطن وخيراته، كان لزاما أن تكون المعارضة التي أصدرت المذكرة في مرحلة معينة على وعي بما ستؤول إليه الأوضاع، مما يعني أنها مطالبة بإنجاز مرحلة أخرى على قاعدة العلم بالأفق السياسي الذي فتحته المذكرة بما هي خطاب متجه إلى تقويض الاستبداد وفضح الواقع التسلطي الفاسد الجاثم على صدر المغاربة والمقيد لحركتهم السياسية اتجاه الحرية الكاملة.

ت- “جميعا من أجل الخلاص” (دجنبر 2007): تحديد المسؤولية وفتح الأفاق السياسية لحركة الميثاق

كان “نداء حلف الإخاء” تجديدا للدعوة إلى ميثاق؛ إلى جبهة سياسية تقطع مع الاستبداد وتدخل بالمغاربة على سكة الديمقراطية الفعلية.

ربما يقول قائل: إن هذه الدعوة القديمة الجديدة للميثاق لم تلق آذانا صاغية، ومن ثمة لم يكن لها أي أثر سياسي طيلة سنة كاملة تميزت بالقمع المتواصل والحصار والمنع لأنشطة الجماعة وتضييق الخناق عليها.

إن ذلك صحيح لو اعتبرنا الدعوة موقفا سياسيا لحظيا، لكن الأمر غير ذلك؛ إذ هي دعوة تنطلق من الوعي الدقيق بالواقع المعيش وباللحظة القائمة؛ فهي خطاب مستقبلي، وهو ما يعني أن ثمراته ليست من نوع الأكلات السياسية الخفيفة، لأن حجم المأساة يقتضي عمليات جراحية قد تستغرق زمنا طويلا، لكنها مضمونة العلاج.

أي أن الميثاق أداة هامة ممتدة الآثار في المستقبل السياسي للمغرب من حيث هو وسيلة في البناء وآلة كبرى في تقويض الاستبداد الأخطبوطي. ذلك أن الدعوة إليه تحمل وعيا بأن طبيعة النظام السياسي في المغرب ليست حالة جزئية لا تحتاج إلا إلى فعل جزئي من هذا الطرف أو ذاك، ولكنها حالة من الحكم لشعب مفقر مجهل نسبة الأمية فيه مرتفعة، مما يعني أن القطع معها لا يمكن من خلال جرعات جزئية متقطعة، ولكن من خلال تجميع واقع تصوري كلي يبني عملا متكاملا ميدانيا يروم السعي الحثيث والجدي والمسئول لتقويض الاستبداد وتبعاته عبر مراحل قد تستغرق وقتا طويلا لأنها مبنية على فقه مستقبلي ووعي استراتيجي ينبغي أن تكون فيه الأمة هي المرجع والمراقب والمحاسب والمتابع.

لذلك، وبعد مرور سنة، كان لزاما على المؤسسة التي أصدرت “نداء حلف الإخاء”، أي مقدس في شخص الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أن تقدم تصورها للمرحلة بناء على مطلب الميثاق، وهو ما دفع الجماعة، وبعد التقييم الدقيق للوضع السياسي المغربي من جوانبه وارتباطاته أن تتقدم إلى الأمام في إطار عملياتها البنائية المتصاعدة لإنجاز شروط الانتقال من واقع الاستبداد إلى واقع الحرية.

وهو ما جسدته الوثيقة السياسية “جميعا من أجل الخلاص”، التي تميزت بكونها أعادت الإلحاح على أن ميثاقا يصاغ من طرف كل الغيورين والفضلاء والعلماء أشخاصا ومؤسسات هو الخيار لإنجاز مستقبل سياسي يضمن الحرية والأمن والاستقرار والاطمئنان محليا وإقليميا ودوليا، لكن لم تكثف الورقة بذلك بل زادت عليه الدقة في تشخيص الواقع فاستطاعت أن تشتغل على ثلاثة محاور:

الأول: التشخيص الدقيق للواقع المغربي في كل المجالات بناء على الإحصاءات والأرقام الرسمية في الباب، وهذا ليس فيه جديد، ولكنه مقدمة لأمرين:

أ- التذكير بجدوى المواقف والمطالب السياسية التي بنت عليها جماعة العدل والإحسان عملها السياسي لتفادي الوصول إلى هذه الكارثة وما يمكن أن يترتب عليها من مستقبل مجهول، على الرغم مما تتعرض له من أشكال متنوعة من القمع والحصار، ولذلك ذكرت الوثيقة ب”رسالة الإسلام أو الطوفان”، وب”رسالة القرن في ميزان الإسلام” وب”مذكرة إلى من يهمه الأمر”، وبالدعوة إلى الميثاق.

ب- الكشف عن حقيقة المسؤولية عن الوضع المغربي في كل مجالاته وأبعاده، وهذا مقدمة مهمة لصناعة المفاهيم والخطط السياسية للعمل المستقبلي.

الثاني: كشف العلاقة المباشرة لطبيعة النظام السياسي من خلال أفراد العائلة الحاكمة ومن يدور في فلكها من أشخاص ومؤسسات بما آل إليه المغرب من مآسي من خلال الاستبداد بالحكم، واحتكار الاقتصاد والمال وأهم مصادر الثروة، فضلا عن الواقع الأخلاقي الذي لم يعد خافيا على أحد مساهمة وسائل الإعلام الرسمية فيه، بل وكثير من الأجهزة الرسمية.

الثالث: تفكيك العلاقة التي يحرص الكثيرون على ترسيخها وجعلها حقيقة مطلقة، وهي علاقة النظام/الدولة بالإسلام الحقيقي وبالديمقراطية الفعلية.

إن اشتغال الورقة على هذه المحاور الثلاثة بكل وضوح ومسؤولية جعلها تفتح آفاقا حركية وسياسية جديدة لا شك أن لها أثرها الممتد لأجل تقويض الاستبداد وحقائقه وقيمه وأصوله في اتجاه إنجاز شروط الاختيار الحر.

إن الوثيقة تؤسس لعملية نقاش كبرى، وهي مرحلة وليست لحظة زمنية، يجب أن تعم المغرب وكل فئاته لأجل صياغة المفاهيم السياسية التي تكون لها حمولتها القوية في صناعة الرأي والتعبئة الجماعية والموقف الصحيحين اتجاه الاستبداد، وتلك هي مقدمة صناعة التحول التاريخي في مسار العمل والبناء السياسيين وفق روح ميثاقية تجنب البلاد ردات العنف المدمر وواقع الانشطار القاتل وهيمنة الاستبداد المقيت.

وبهذا يظهر أن الموقع الذي تنطلق منه جماعة العدل والإحسان والموقف الذي تبني عليه والأفق الذي تسعى إليه يجعل من خطواتها السياسية حلقات مترابطة ومراحل متراصة في عملية بنائية تغييرية جذرية على قاعدة مشروع مجتمعي كامل ومشروع سياسي شامل.