عزيزي القارئ

زيارتك لهدا الموقع وقراءتك لهذا المقال ليست بمحض الصدفة، لابد وأنك تبحث عن خبر الآخرة وعن الحقيقة، ومن بين ما تتساءل عنه: معنى الكتابة لله الواحد الأحد. فمرحبا بك، ولأن همنا واحد، سأخاطبك بـ”يا أنا”.

كتبت هدا المقال بنية الدعاء، أبدؤه بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا وهو الذي زان الوجود بخلقه وزان العقول بوصفه وزان الأفواه بذكر اسمه. لو أن نبت الأزهار من قطر الندى مألوف، لنبت من حبات عرقه من الورود ألوف، اللهم صل وسلم وبارك عليه آلاف الألوف.

اختصت أمة الإسلام من بين سائر الأمم بأمر مباشر من الله تعالى لها تمثل في قوله سبحانه: ﴿اقْرَأْ﴾. وكان هذا الأمر أول أمر أُنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، تنبيها له ولأمته على أهمية القراءة في حياة البشر، ولكي يعتني بها أفراد الأمة ويولونها ما تستحقه من اهتمام. كذلك فقد كان القسم بالقلم في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ من أوائل ما نزل من القسم في القرآن الكريم، بل وسميت سورة من سور القرآن باسمه تنبيها أيضا على أهميته في الكتابة.

وحينما تخلت الأمة عن هذا الأمر الجلل، ونامت في سبات الأمية العميق، فقدت مركز ريادتها ومكان صدارتها. بل أصبحت الأمة بذلك محل هزل من أعدائها. فها هو أحد زعماء الكيان الصهيوني يصف أمة الإسلام والقراءة والقرآن بأنها أمة لا تقرأ، وحتى إذا قرأت فإنها لا تفهم!!!

ورغم كل هذا، لابد وأننا سنعود ونحيى، وعد من الله.

يا أنا، شاء الله عز وجل أن يجعلنا في خير أمة أخرجت للناس وأن يختارنا لنكون حماة وحملة رسالة باقية ببقاء نور الله. اختارنا الحق جل وعلا لنكون دعاة المحبة والرحمة والخير، مبشرين دائما أبدا بغد أفضل لهذه الأمة تشرق فيه شمس الإسلام وتلتقي فيه الفضائل والمروءات على خدمة الدين وخدمة أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لست ممن يحسنون استعمال اللغة، ولا أجيد علوم النحو والبلاغة والأدب، ولا حتى أين توضع النقط والفواصل. إلا أن الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو أن عددا كبيرا من الكتاب لا تعدو أن تكون كتاباتهم كتابات مبتدء لا تدل على الله ولا اليوم الأخر، ولا تستنهض الهمم ولا تحيي الأمم، من قبيل الكتابة عن الملح في العصر البيزنطي أو مقارنة استعمال الزيت بين الإغريق والفينيق…

إن القلم يمرض ويغضب بكثرة الكتابة في مواضيع بدون معنى ولا مبنى، وإن الكلمة تغضب كذلك حتى إذا احمرت تناثرث أحرفا تصل إلى القارئ المهموم الذي يبحث عن خير جليس في الكتاب، فلا يسعه إلا أن يترك الكتاب في زاوية بعيدة عنه عله ينجو بنفسه من سموم الأحرف المتناثرة هنا وهناك.

إن الذي يحمل رسالة السلام لابد وأن تكون كتاباته لله وبالله، مبشرة بغد أفضل، يسري فيها ذكر الله واليوم الآخر ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم سريان الماء في الغصن الرطب، ومشرقة تجعل القارئ يرتاع في روضة من رياض الجنة عند قراءتها.

يكتب، الكاتب والمفكر والعالم والأديب والمثقف نقشا على الصخر، لله ولتبقى كلمة باقية في عقبه، يكتب للأجيال التي تأتي من بعده، يكتب لتبليغ دعوة الإسلام للمطر والقمر والحجر، يكتب ليقرأه كل البشر، وليعلم الجميع أن الإسلام جاء لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلا سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

إن مشروع الكتابة مشروع حياة لمن يحلم ويعمل لغد لا يشنق فيه القلم، ولا تغتال فيه القيم ولا يختزل فيه الدين في نشيد وعلم. هو مشروع جهاد وصبر ومصابرة ووفاء، مشروع لمن يقول للظالم هلْْ أنتَ الذي أنجبتنا؟ هلْ صيَّركَ اللهُ إلهاً فوقنا ؟ هلْ نحنُ طلبنا منكَ أنْ تحكمنا ؟ هلْ كانت لنا عشرة أوطانٍ وفيها وطنٌ مُستعملٌ زادَ عنْ حاجتنا فوهبنا لكَ هذا الوطنا ؟ هل أقرضتنا شيئاً على أن تخسفَ الأرضَ بنا إنْ لمْ نُسدد دَينَنَا ؟ هو مشروع لمن يقول للظالم ما دمتَ إذن لستَ إلهاً أو أبا أو حاكماً مُنتخبا أو مالكاً أو دائناً فلماذا لمْ تَزلْ تركبنا؟؟

إن مشاريع الكتابة تتطلب نوعا من الجهد والقراءة والتركيز والصبر ثم الصبر ثم بعده الصبر. وقد تمر أسابيع أو شهور دون أن تتم كتابة سطر واحد أو قراءة كتاب بأكمله، بل إنه في بعض الأحيان يتبادر إلى الدهن أن وفرة المواد في المواقع الإلكترونية العالمية تغني القارئ المعاصر أو حتى الباحث أنه لا جدوى من الكتابة فيما هو موجود. ثم هاهي الخزانات مليئة بالكتب ولكن أين القراء ؟؟

قد يقول قائل أن هذا غير مقبول وغير معقول لكنه كما قال مطر، مرض مرة فزار طبيبا عله يجد عنده دواء. فبدأ بفحص عينيه وأنفه، وقلبه ورأسه فلم يجد شيء، ففحص جيبه فقال له هنا الألم. فتبسم الطبيب وأجابه ما هو إلا قلم، فأجابه إنه يد تجاهد وفم يقاوم، إنه وسيلة وهم. هكذا أقترح أن يكون قلم الكاتب والمفكر والعالم والأديب والمثقف…

تبقى الكتابة هما شائكا… إذا كنت مهموما… ماذا تكتب؟ وإذا كنت محزونا… ماذا تكتب؟ أ لن تكتب إلا إذا كنت مسرورا… لأنك ببساطة، قد لا تكون. كيف نبشر بعدل الإسلام… ولمن..؟ كيف نبت روح السلام…… ولمن نبته..؟ للأعمدة التي تظل طول الليل منتصبة، تحدق في الظلمة، بأنوارها الخابية..! لمن نبته.. إذا لم يكن هناك أحد يسمعنا، فضلا عن أن ينظر إلينا..! للفراغ الذي يتوسع على حساب هموم الأمة الممتدة بلا نهاية..؟ للقلق الذي يتضخم في أنفس الناس والزمن؟ للعازفين على جراح الأمة؟ لمن؟؟؟

إن مشروع الكتابة مشروع حياة لمن يحمل روحه التي بين جنبيه على كفه، ويحمل قلما وقرطاسا في قلبه ويده، وقل إن شئت حاسوبا على كتفه، ليمر فوق سماء الناس، على جواد الفجر كالصباح، يمر بكفه وكتابه على مواقع الجراح، ليقول للناس أنهم لازالوا بشرا، وأنهم لم يصبحوا بعد كالحجر، لتقوم الجبال والسهول وينتفض القدر.

عزيزي القارئ، عفوا يا أنا، إذا كنت لا زلت معي في هذه الرحلة الهادئة، فاعلم أنه مات الذين من قبلنا فمنهم من ضمه قبر ومنهم من لم يستر همه كفن، واعلم كذلك أن الكتابة تبقى لله إذا كانت تستنهض الهمة وتحيي الأمة وتوقضها من سبات عميق، وتنفض الغبار، ليحيى الشجر والحجر والقمر والبشر وأن الكاتب الحقيقي هو من أتعب الأيام والفصول، وعبرت جبينه فوق جبين الشمس والزمن، وما ونى ولا وهن، حتى ونت من تحته الصعاب، يستسلم لراحة الكفن، يعود متعبا ليستريح، ومن جوف قبره لابد أن يصيح: “إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين”.

عزيزي القارئ، عفوا يا أنا، قد لا تلتقي أجسادنا ولكننا خضنا سويا هذه الرحلة، إلى أن نلتقي هنا أو هناك في مقعد صدق عند مليك مقتدر. لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.