الرباط العظيمكان ربعي بن عامر عَيِّنَةً واحدةً من الصنعة النبوية سنيةً خالصةً تتلألأ نوراً، وثمرةً من ثمرات التربية القرآنية جَنِيَّة زرعها وسقاها وتعهَّدَها خاتم الرسل وسيد الزُّرَّاع عليه وعلى آله وصحبه من الله أزكى صلاة وأندى سلام. فما هو سِرُّ الفسيلةِ المباركة وطبيعةُ العملية الجراحية وكُنْهُ التطبيب ولُبُّ التربية التي باشرها الزارع الطبيب المعلم المربي في قلوب الجيل الأول حتى غَدَا وبين ما كَانَهُ وما صَارَهُ كما بين الأرض والسماء بل كما بين العدم والوجود؟ فهل نطمع أن نكون نحن -إخوانَ وأخواتِ النبي صلى الله عليه وسلم- جيلاً قرآنيّا جديداً على غرار الجيل القرآني الأول؟ وبِمَ وبمن وكيف؟

يُنسب إلى الإمام مالك رحمه الله أنه قال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها)، فَبِمَ صلح أول هذه الأمة لِنَقُصَّ الآثار إلى ما يُصْلِحُنا نحن في آخرها؟

يُجْمِع الكل على أنه ما صلح أول هذه الأمة إلا بالنبوة الخاتمة وبالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد كانت البشرية كلها قبلهما في ظلمات معتمة لا شعاع من نور يهديها. والنبوة هي القطب الأعظم الذي يدور عليه رحى هذا الدين العظيم المتجدد لأنها عنايةُ السماء بالعباد في الأرض ومددُ السماء إلى أهل الأرض وطوق النجاة للإنسان المستخلَف في الأرض.

ولُبُّ النبوة وجوهرُ الرسالةِ ووظيفةُ المبعوث الداعي هي الشهادةُ والبشارةُ والنذارةُ والدعوةُ إلى الله بإذنه والدلالةُ عليه: “يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً اِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً” (الأحزاب- 45/46)، وهي والتعليمُ والتزكيةُ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الجمعة 2/4)، وهي التبليغُ عن الله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)(المائدة 67)، وهي التبيين: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم)(إبراهيم 4)، وهي الرحمةُ: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(الأنبياء 107)…

وقد فاز الجيل الأول من هذه الأمة بما تَلاَ عليه وبما زكَّاه وعلمه وبلَّغه المبعوثُ رحمةً للعالمين، فكيف تتجدد مهمتُه صلى الله عليه وآله وسلم وكيف يتجدد بتجَدُّدِها دينُ الله، على ذات المنهاج، في من يَلْحَقُ بَعْدُ من المؤمنين؟

لا يتجدد هذا الدينُ التَّجَدُّدَ الأعظمَ -كما وعد الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم- إلا على قاعدة واحدة متمثِّلة في تَجَدُّدِ لُبِّ النبوةِ وجوهرِ الرسالةِ ووظيفةِ الدعوةِ يحمل لواءَها القلبُ الربانِيُّ القرآنِيُّ الوارثُ منهاجَ النبوة التَّالي آيات ربه المزكي المعلمُ الكتابَ والحكمةَ المبلِّغُ المبيِّنُ الراحمُ الشاهدُ بالقسط المبشرُ المنذر الداعي إلى الله بإذنه الدالُّ عليه سبحانه.

فإن تصفحتَ تاريخ الإيمان من لدن آدم ونوح عليهما السلام وجدت خطه البياني يتصاعد ويعلو ويسمو بالأمة وبالبشرية على هذه القاعدة التاريخية الثابتة في تاريخ الأمة والله لا يُخْلِفُ الميعاد.

ولا تحتاج إلى كثيرِ تدقيقٍ لتعرف أن أَهَمَّ ما حقق سيد الأنبياء والمربِّين صلى الله عليه وآله وسلم فيمن بُعِثَ فيهم كامنٌ في ذات نفوسهم وقرارة قلوبهم. فإن سألتَ عن أعظمَ ما تَحَقَّقَ من عمله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه القلوب فهو ربطُها ذلك الرَّبْطَ العظيم المتينَ بالله وبالدار الآخرة.

ولا يكتمل ميراث النبوة في ذاتِ مُجَدِّدٍ ولا يتم حتى تكونَ الدلالةُ على الله وذِكْرُ الآخرة والتذكيرُ بها نَفَسَه الْمُلْهَمَ وحالَه المسترسَلَ.

من العلماء وُعَّاظٌ يُذَكِّرُون الناس بالخير يُرَقِّقون منهم القلوب، ومنهم خطباء مُفَوَّهُون يشدون إليهم الخلق بما أُوتُوا من فصاحة القول، ومنهم فقهاءُ مُفْتُون بعلم، ومنهم دُعَاةٌ مبلِّغون مبشرون بغد الإسلام يحسنون الصِّلَة، ومنهم حكماء ينطقون عن قلوب صافية وخبرة كافية وفي كلٍّ خير. نعم، ولكنْ مَنْ لَمْ يربط قلبك بالله وبالدار الآخرة برباط الدلالة عليه تعالى فما بَلَغَ بك الغاية والْمَرَام والمدى والمنتهى. ما بَلَغَ.

بهذا الرباط العظيم -لا بغيره- كان ذلك الجيل عظيماً إذ دعاه داعي النبوة وناداه مناديها فاستجاب فرُفِعَتْ عن عينيه الحجب المسبلةُ بين دنياه والآخرة. وبهذا الرباط العظيم -لا بسواه- صمدَ الصادقون أمام زخرف الدنيا وحظوظ النفس وبوارق الوغى.

فكيف غِيضَ، مِنْ جلال الله، بَحْرُ الدنيا في قلوب ذلك الجيل الأول وطغى فيها بجمال الله بَحْرُ الدار الآخرة؟

هو بَحْرٌ واحد عند السابحين في ملكوت المعاني الإيمانية والمعارف الإحسانية: أزال الحقُّ سبحانه من قلوب أصفيائه وأحبابه البرزخَ الحائل بين البحرين (بين الدنيا والآخرة) فبغى بحر الآخرة على بحر الدنيا في مَغِيضِهِ فهم في سَبْحٍ به طويلٍ طويل، يسوقهم قَدَر إلى قَدَر، تنقلهم الموجة بإذن ربها إلى تالِيَتِها، لا يَبْرُدُ لهم شوقٌ، لا يرحل عنهم أَرَقٌ، لا يفترُ لهم لسانٌ، لا يسكن فيهم جَنَانٌ، لا تستأنس بغير أُنس حبيبها منهم نَفْسٌ، لا يلهجُ بغير فضله نَفَسٌ حتى يبلغوا شاطئَ الزيادة لأهلِ الإحسان في “وجوهٌ يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة”(القيامة 22/23).

وهلْ خُلِقُوا إلاَّ لذاك؟ أم هل أشهدهم ربهم إذْ أخذ منهم من ظهورهم ذريتهم إلا على ذاك؟

ألا وإنَّ بين الْحُلُمِ اللَّطيفِ والهدفِ المأمولِ والغايةِ المرجوةِ جراحاً لا يَدْمُلُها -بإذن الله- إلا بَلْسَمُ الصَّفِيِّ الْمَحْبُوب، وإن بين النموذج المسطور المبثوث في بطون الكتب وبين تَمَثُّلِه في الأرض مرارةً لا يُحَلِّي مذاقَها في جوف الصادق من العباد إلا رِيقُ الصحبة الربانية وارِثَةِ النبوة، وبين “صَفَا” الجيل القرآنِيِّ الجديد المأمول وبين “مَرْوَتِه” رَمْضَاءَ لا تَبْرُدُ على من يَبْلُغُ السَّعْيَ مع الْمُجِدِّين المتوكلين المفتقرين إلى ربهم إلاَّ بذِكْرِ المطلوب تحت ظِلِّ المحبوب.