كلما وقعت على شيء من بشاعات الاحتلال الإسرائيلي، وأحدثها ما تشهده غزة الآن، استحضرت كتابَ منير عكش البديع «أميركا والإبادات الجماعية» الذي روى فيه قصة إبادة الهنود الحمر (112 مليون إنسان لم يبق منهم في إحصاء أول القرن العشرين سوى ربع مليون فقط)، وكيف تم عبر فصول تلك القصة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، من خلال اختراع أفظع نظام تطهير عرقي على وجه الأرض. ذلك أن كل ما تعيه الذاكرة في زحف الصهاينة على فلسطين للتضحية بشعبها لتحقيق الحلم الإسرائيلي، يكاد يكون صورة طبق الأصل مما فعله الغزاة الأمريكيون الأوائل لإقامة دولتهم فوق الأرض التي استأصلوا شعبها الحقيقي وتفننوا في أساليب محو تاريخه وثقافته، من الاستيطان إلى الغزو المسلح والترحيل ونشر الأوبئة والأمراض، وصولاً إلى اتفاقات السلام التي ظلت دائماً لحظات التقاط للأنفاس يعزز فيها المغامرون البيض وجودهم ويستجمعون قواهم، ليواصلوا بعد ذلك الانقضاض على أصحاب الأرض. وطيلة الوقت، كانت مليشيات الرجل الأبيض تواصل تجويع أصحاب الأرض ونهب زراعاتهم وتسميم آبارهم ومواشيهم مع تدمير البنى الاقتصادية التي تقوم عليها حياتهم. ومن مفارقات الأقدار، أن الغزاة البيض بعد ما حققوا انتصاراتهم ونجحوا في سحق الشعوب الهندية، أقاموا في نهاية المطاف كياناً أقرب إلى السلطة الوطنية الهندية، (اسمه الأصلي مكتب الشؤون الهندية) كانت مهمته وما زالت؛ تزويد الباحثين بالمعلومات المزورة حول تاريخ شعوب أمريكا الأولى.

وقد اكتشف مؤلف الكتاب أن المكتب المذكور فرع تابع لوزارة الداخلية في الحكومة الأمريكية.

خنق غزة بالحصار، وقطع إمدادات الوقود والغاز والدواء والغذاء إليها مع منع المرضى من تلقي علاجهم في الخارج، هذا كله ليس سوى فصل في مسلسل الإبادة، إذا أضفت إليه مذبحة الأسبوع الماضي والغارات التي لا تتوقف، فستدرك أنها تكمل الحرب التي شنت عام 1948 والـ34 مذبحة التي ارتكبها الصهاينة الغزاة خلال عامي 47 و48.

الفرق بين الذي جرى للهنود الحمر وبين معاناة الفلسطينيين لا يتمثل في عنصر الزمن وحده واختلافه في التجربتين، ولكنه يكمن أيضاً في أن الفلسطينيين جزء من أمة، وأن احتلال فلسطين لا يدمر فقط حياة ذلك الجزء، ولكنه أيضاً يهدد أمن تلك الأمة. صحيح أنه في زماننا تتوافر منابر وهياكل يُفترض انها قائمة على إقامة العدل وإحلال السلام في العالم. ولكن التجربة أثبتت لنا أن تلك المنابر والهياكل لا قيمة لها إذا قورنت بموازين القوة في الساحة السياسية، خصوصاً في ظل ما سمي نظام القطب الواحد، حين أصبحت الولايات المتحدة هي صاحبة الأمر والنهي، على الأقل في مصائر الشعوب المستضعفة، وتحديداً حين يتعلق الأمر بالمصالح والحسابات الاسرائيلية.

لكن الخلل في موازين القوة ليس العنصر الوحيد الحاكم للموقف، أو قل إنه لا يكون عنصراً حاكماً إلا في ظل انهيار النظام العربي وافتقاد البوصلة الهادية لدوله، حتى أزعم بأن الوهن الظاهر بالموقف العربي أصبح يمثل نقطة الضعف الأساسية في ملف القضية، ذلك أن الذهول العربي الراهن واكتفاء عواصمه ذات الصلة بالإدانة والشجب والاستغاثة بالمنظمات الدولية وعواصم الدول الكبرى هما أكثر ما يشجع اسرائيل على التغول والاستقواء والتمادي في البطش والعربدة.

لسنا في ضعف الهنود الحمر وقلة حيلتهم ـ وتجربة حزب الله في مواجهته الرائعة لجيش الاحتلال إبان محاولة غزو لبنان، جاءت دليلاً على سقوط أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر. والنجاحات التي تسجلها المقاومة في العراق وأفغانستان والصومال تعني أن الأمة لم تمت، ولكن لا يزال فيها نبض حياة يحتاج فقط إلى ترشيد وتصويب في الاتجاه الصحيح لكي يتمكن من تغيير المعادلات المفروضة.

على صعيد آخر، فإن التقارير الاقتصادية التي تحدثت عن أزمة العالم المالية عام 2007، وأصداء تلك الازمة في العام الحالي، تشير إلى تراجع معدلات النمو في اقتصادات الدول الكبرى، ورجحان كفة بلدان الجنوب في الاقتصاد المعولم، الأمر الذي يضيف إلى رصيدها مصدرا آخر للقوة.

ما أريد أن أقوله إن أمتنا ليست بائسة في قدراتها، ولكنها بائسة في سياساتها. ولست هنا أتحدث عن مواجهة عسكرية. رغم أن الطرف الآخر يعتبر أن حربه ضد الفلسطينيين لم تتوقف، وبالتالي فإن احتكامه إلى السلاح سياسة ثابتة في مشروعه، إنما أتحدث فقط عن ثبات على الأرض، يرفض الركوع والتفريط ويتبنى موقفاً حازماً إزاء محاولات تخدير العالم العربي بالمؤتمرات والتفاهمات، كسباً للوقت وتغطية لمخططات تغيير الخرائط على الأرض واستمرارا للتوسع في عملية الاستيطان.

إن السلطة الفلسطينية لم تستطع أن تقول لا للاستيطان، وغاية ما فعلته أنها استنكرته في تصريحات علنية، واحتجت عليه في رسائل أرسلت إلى الدول الكبرى ولم تملك حتى الآن شجاعة وقف المفاوضات برغم كل الذي جرى، ناهيك عن أنها أضعفت نفسها أكثر حين فضلت الاستمرار في التفاوض مع العدو الاسرائيلي وأبت مصالحة أشقائها في غزة، وبدا من الشروط التعجيزية التي وضعها رموز السلطة لتحقيق المصالحة أنهم يستقوون على إخوانهم، في حين تتسع صدورهم أكثر لأعدائهم.

ضعف الموقف الفلسطيني له نظيره في الموقف العربي، ذلك أنه في الوقت الذي كانت فيه غزة تغرق في ظلام دامس، وأهلها يرتجفون من شدة البرد في ظل انقطاع الوقود ومرضاها يتهددهم الموت، وشعبها كله يعاني من نقص المياه والغذاء.. في هذه الأجواء ظل لإسرائيل عدد من السفراء والمبعوثين يباشرون أعمالهم بصورة عادية في بعض عواصم العرب، وكأن غزة بلد وراء الشمس أو كأن ما يحدث فيها أمر لا غرابة فيه ولا شذوذ.

لم تدافع الدول العربية عن الشعب الفلسطيني، واستمرت في محاصرته، كما أنها لم تدافع عن أمنها القومي، الذي يتهدده الاستقواء الاسرائيلي المدجج بالسلاح النووي والدعم الأمريكي. ومما يثير الدهشة والأسفَ أن الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي جورج بوش للمنطقة أخيراً كان من بين أهدافها إقناع العالم العربي بأن قضية فلسطين مقدور عليها، ومرشحة للانفراج مع إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة او الموهومة قبل نهاية هذا العام. وأن المشكلة الحقيقية التي تتطلب استنفاراً واحتشاداً هي إيران ومشروعها النووي، الذي شهدت المخابرات المركزية ذاتها أنه لم يعد عسكرياً، وبالتالي لم يعد يمثل الخطورة التي جرى التخويفُ منها.

إن ذلك كله لا يؤسس لسلام يمكن ان يقوم في المنطقة، ولا يفتح الباب لاستقرار من أي نوع، ثم إنه ليراكم في أعماق شعوبنا شعوراً بالمرارة والبغض، لن تستطيع ان تحبسه طويلاً. ولكنه يظل مرشحاً للانفجار في أي وقت. وما يحدث الآن هو تغول وغطرسة من جانب، وجبن وتخاذل من جانب آخر، بمثابة دعوة للتعجيل بذلك الانفجار، الذي يعلم الله وحده أوانه ومداه.