نعم والله يا أهل غزة.. إن شموعكم تنير دروبنا، وتضيء عواصمنا العربية والإسلامية، وتشع نورا متقدا في قلب كل مسلم أبي وفكر كل إنسان شريف.

من حلكة ذلك الليل البهيم أنارت شموعكم طريق كم من إبداع، وأسالت على الأوراق كم من فكرة وعلى الخدود كم من دمعة، وأحيت في القلوب كم من معنى، وحركت في واقعنا كم من نشاط واحتجاج ووقفة.

فقد أضاءت شموعكم بقوة قلوب الكثيرين وعقولهم، فالتف الإسلامي والقومي يهتفون وينددون كتفا إلى كتف، وخرج الإعلامي من نمطيته الحيادية، ونطق المثقف العربي في العديد من البلاد، بل إن شموعكم قربت بين الضفة والقطاع، وحرقت مسافات مهمة بين فتح وحماس، وأعادت بنورانيتها معنى الشعب الواحد والأمة الواحدة.

يكفي شموعكم فخرا أنها رمز العزة وعنوان الإباء وكلمة المقاومة ودلالة الصمود ومعنى الثبات، ويكفيكم أن أضواء وأنوار هذه المعاني والقيم تضيء ربوع الأمة جميعا، كالمنارة التي بها تستضيء قوارب التيه في بحر الضياع.

إن وهج شموعكم أضاء في بيوت جاكارطا وشاشات القاهرة وشوارع قرطاجة وأحياء الدار البيضاء ودروب الأندلس. إذ رغم أن بلدانا البئيسة متخمة تحت الإنارة فإننا نشعر بقتامة في العيش وضبابية في الرؤية وتعثر في السير، أما شموعكم فقد رسمت ضوء في الأفق وصفاء إنسانيا ومجتمعيا قل ما نرى مثله في هذا الزمن العربي الرديء.

لقد أعادتنا صورة شموعكم المنيرة إلى البساطة وأبعدتنا ولو للحظات عن ضوضاء العالم وصخب الحياة، علنا نسائل ذواتنا عن إيمانها، وعقولنا عن وعيها، وواقعنا عن حاله، وتماسكنا عن متانته، ومستقبلنا عن وجهته، وهويتنا عن ماهيتها.

ورغم أنكم تحت الحصار والحرب الهوجاء الضروس فقد كنتم المبادرون المبدعون، فانطلقت مسيرة الشموع، مع انقطاع الكهرباء، من غزة ليكون لكم السبق في استنهاض الهمم وإعطاء النموذج، وأتبعتها وقفات التنديد في الضفة، وسبقها دعوة إخوانكم من فلسطينيو 48 إلى مسيرة لتجاوز حاجز بيت حانون ورفع الحصار.

لا تأبهوا لهذا التخاذل الحكومي المريب والتثاقل العربي المخجل والتحامل الدولي الظالم واللامبالاة المقصودة إزاء وضعكم المأساوي، فإن قضيتكم العادلة أيها الفلسطينيين ستظل وخزا يؤلم الضمير العالمي ويؤنب الإنسانية التعيسة، ويوجعها تقريعا ويحرجها مساءلة.

كنتم ولا زلتم على العهد.. عهد الجهاد والاستشهاد، لا لين ولا سكون، لا دنية في الدين ولا السياسة، لا تنازل عن الثوابت ولا المقدسات، لا رايات بيضاء ولا سوداء.

إننا نرى السيرة النبوية العطرة مجسدة فيكم، فتذكروننا بحصار الصحابة وهم فقراء ضعفاء في شعاب مكة في بداية دعوة الإسلام، الكل مقاطع لهم ومحاصر لكنهم ما غيروا ولا بدلوا، حتى جاء فتح الله ونصر الله. “إن الله لا يخلف الميعاد”.

يا أهل غزة.. ما كان للأضواء أن تنطفئ في القطاع قبل أن تنطفئ في عواصمنا العربية، لكن شتان بين ضوئنا الذي خبا وضوئكم، فقد خفتت في بلادنا أضواء العزة والكرامة والقيم والأخلاق والإباء أما عندكم فلم ينقطع إلا تيار الكهرباء وظلت أنوار القيم والكرامة ظلت متقدة منيرة لديكم. لذلك كنتم وما زلتم تنيرون دروبنا.

في سويداء القلب أنتم أيها الغزاويون.. ستظلون عزتنا التي ننشد، ونموذجنا الذي نطمح، وعنواننا الذي نفخر، وشرفنا الذي نحفظ، ونسبنا الذي نعتز.