أيتها الكائنات المجهرية المنتصبة خنوعاً وذلاً وهوانا من حافة الأطلسي غرباً إلى خليج السيوف المتراقصة في حضرة آلهة البيت البيض، أيتها الأبصار الشاخصة نحو هذا البربري الجاثم فوق خليج نيويورك يحمل في يمناه مشعل النور والحرية وفي اليد الأخرى كتاباً دوّن عليه تاريخ الانتهاء من إبادة شعب واغتصاب أرض وسرقة حق وتاريخ! أيتها الآذان الطربة بأنغام الحرية والديمقراطية والمساواة القادمة من خلف الأطلسي، أيتها الحناجر الخرساء إلا من التسبيح بحمد آلهة الرأسمالية المتعولمة هل سمعتم نبأ قوم تعالت أقدامهم في وجه من أتى يستأصل رقاباً أبت الانحناء؟!

معذرة أيتها الكائنات المجهرية إن كانت رسالتنا هذه قد قطعت طقوس أمسياتكم الدافئة، فأنا أعلم جيداً مدى حاجتكم لهذه الأمسيات بعد يوم دامٍ في سوق الأسهم والبورصات وأعلم جيداً أن بعض السادة المجهريين انتهى يومهم بما يفطر الفؤاد بعدما ألمت وعكة صحية بالفرس بارز أو مقداد أو العاصي أو ظافر أو غيرها من خيول أمتنا المجيدة!

معذرة أيتها الكائنات المجهرية لتطفلنا على أمسياتكم الدافئة لكن المصاب جلل والأمر يستحق قطع مشاهدة (هزي يا نواعم) على فضائية الـLBC ويستحق أيضاً قطع مشاهدة مباريات الدوري الإسباني أو كأس أمم إفريقيا، فقد أضيفت اليوم منطقة اسمها قطاع غزة إلى قائمة المناطق التي ضُربت بأسلحة الدمار الشامل لتكون ثالث منطقة في العالم يتم سحقها في العصر الحديث بعد هيروشيما ونكازاكي في اليابان وبغداد وما حولها وحول حولها في العراق.

قطاع غزة أيها السادة المجهريون يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط من جهة الجنوب الشرقي، ويقال أنه يعتبر من أكناف بيت المقدس التي تحدث عنها نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم حينما أخبر عن رباط أهلها إلى يوم الدين وحينما أمر من يؤمن بلا إله إلا الله محمد رسول الله أن ينصر أهلها ويمدهم بما يعزز رباطهم ودفاعهم المستمر في الزمن حتى قيام الساعة، يبلغ عدد سكان قطاع غزة مليون ونصف المليون نسمة جميعهم تقريباً ممن رفض ويرفض وسيرفض بإذن الله عز وجل أن يقدم فروض الطاعة والولاء لمغول العصر!

أما عن مساحة قطاع غزة الذي يقطنه مليون ونصف المليون نسمة كما تحدثت سابقاً فهي 365 كم مربعا بطول 45 كيلو مترا وعرض يمتد ما بين 6 إلى 10 كيلو مترات في بعض المناطق. بمعنى أن متوسط الكثافة السكانية في كل كيلو متر مربع يعادل 27000 نسمة تقريباً، يحد قطاع غزة من جهة الشرق والشمال والجنوب جزء عزيز من أرضنا المغتصبة بفعل تآمر عروش العرب مازلنا نقاتل لانتزاعه من بين أنياب مغتصبي أرضنا المرتبطين بمعاهدات صلح وحسن جوار مع عروش العرب التي تآمرت علينا منذ قرن من الزمان وكانت وسيلة لتمرير مؤامرة الاغتصاب، أما من الجهة الغربية جنوب البحر الأبيض المتوسط فلنا حدود مع الشقيقة الكبرى مصر المرتبطة باتفاقية سلام وصلح وحسن جوار مع مغتصبي أرضنا، إضافة لذلك فهي ترتبط بمعاهدات وتحالفات واتفاقيات دفاع مشترك مع مغتصبي أرضنا في مواجهة الإرهاب العالمي الذي يتضمن من جملة ما يتضمنه (لن نركع إلا لله عز وجل)!

بعد هذه المقدمة المملة سنتحدث عن تفاصيل الجريمة النكراء التي تعرض لها قطاع غزة وعن استهداف قطاع غزة بأسلحة الدمار الشامل، ببساطة أيها السادة ودون الدخول في تفاصيل قد تقتطع جزءا كبيرا من أوقاتكم الثمينة، ما حدث يمكن تلخيصه كما يلي:

في يوم 20 / يناير / 2006 جرت انتخابات تشريعية في الأراضي الفلسطينية كانت نتائجها اكتساح الفريق الذي يمثل تيار المقاومة والحفاظ على الحقوق والثوابت الفلسطينية لمقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في عرس ديمقراطي شهد العالم بشفافيته، لم يأتِ هذا الحدث مجرداً عن سياقات أدت إليه، بل كان منطقية لحالة من الغضب والنقمة على مشاريع الحلول السلمية التصفوية التي ثبُت للقاصي والداني فشلها بعد عقد ونصف من الاتفاقيات والمؤتمرات والاجتماعات التفاوضية التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى لا شيء.

بعد فوز هذا الفريق الذي يمثل المقاومة والممانعة ظن البعض أنه يمكن ممارسة بعض الضغوط عليه وعلى الشعب الذي اختاره لتفريغه من مضمونه ونقله إلى المربع المقابل لتسقط مع سقوطه آخر قلاع المقاومة والممانعة في جغرافيا وتاريخ وتراث فلسطين، حيكت المؤامرات وبدأت معركة التجويع والتركيع بالتزامن مع استنزاف المقاومة الفلسطينية عبر موجات الاغتيالات المتتالية، إلى جانب هذا كله ارتضى البعض أن يقوم بدور يعزز هذه المؤامرة ويسندها من الخلف فبدأت مرحلة الفلتان الأمني وفق الخطة التي عبرت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس بمصطلح الفوضى الخلاقة!

اعتقد المتآمرون أن هذا الضغط يمكن أن يؤتي أُكله وأن يحقق ما عجزت عنه الآلة العسكرية الصهيونية وأنه في أسوء الاحتمالات سيكون لهذا الضغط أثر على المواطن الفلسطيني الذي سيحرق الأرض من تحت أقدام من كان سبباً في جوع أطفاله. رغم عظم المؤامرة إلا أن الشعب الفلسطيني والفريق الذي فوضه الشعب الفلسطيني في 20 / يناير / 2006 استطاع أن يصمد وأن يعض على الجرح فلم تسقط قلاعه ولم تُخترق حصونه.

إلا أن وجود فريق متآمر يعيش بيننا يأكل من طعامنا ويتنفس هواءنا ويسعى في الأرض فساداً وخرابا يقتل هنا ويخطف هناك، يطبق أجندات مشبوهة وينسق مع العدو ضد مقاومينا بل ويشارك في اغتيال مقاومينا وعلمائنا كان لابد من لجم هذا الفريق فجاء الحسم العسكري في 15 / يونيه / 2007 لتبدأ مرحلة أخرى ومؤامرة أخرى بالتوازي مع مؤامرة التجويع والتركيع التي لم تتوقف لحظة واحدة منذ سنتين تقريباً حتى الآن.

بعد الحسم العسكري في قطاع غزة وفرار الفريق المتآمر إلى الضفة الغربية تصاعدت معركة التجويع واشتدت شراسة أكثر من ذي قبل، وترافق معها ضرب الحصار على قطاع غزة بشكل لم يسبق له مثيل، فالكيان الصهيوني يغلق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة والتي يتم من خلالها نقل السلع الأساسية والمحروقات وكافة مستلزمات الحياة إلى قطاع غزة ويسيطر على المياه المحاذية لقطاع غزة لحفظ أمنه ولمنع تهريب السلاح إلى قطاع غزة، والشقيقة الكبرى مصر تغلق المعبر الوحيد لقطاع غزة مع العالم الخارجي بحجة الانقسام الداخلي الفلسطيني وكأن المعابر في عرف العلاقات الدولية تستوجب التوحد تحت راية ولي الأمر!!

خلال الشهور الممتدة ما بعد الحسم العسكري وحتى نهاية العام 2007 كانت المؤامرة تتصاعد في بعض الفترات وتنخفض وتيرتها في فترات أخرى وفق ما يخدم الأهداف التي وضعت لأجلها هذه الخطة، فكما تحدثت سابقاً وبعد وصول المتآمرين لقناعة مفادها أن فريق المقاومة والثوابت الذي فوضه الشعب الفلسطيني في انتخابات يناير 2006 لن ينتقل للمربع المقابل بحال من الأحوال، لم يعد هناك من طريقة أخرى سوى إجبار الشعب الفلسطيني على الخروج على قيادته الشرعية تحت وطأة الجوع والحرمان الذي غص فيه منذ سنتين وحتى الآن.

لم يتحقق الهدف المرجو بل تصاعدت شعبية وتأييد الشعب الفلسطيني لهذا الفريق المقاوم الراسخ على العهد إلى أعلى مستوى خلال هذه المؤامرة، تزامن ذلك مع استحقاق يواجهه ساسة الكيان الصهيوني يتمثل في تقرير ” فينوجراد” النهائي الذي سيخرج للعلن في نهاية يناير 2008 والذي يحقق في الهزيمة المدوية لجيش الاحتلال الصهيوني أمام المقاومة اللبنانية في صيف العام 2006، إذن الكيان الصهيوني وساسة الكيان الصهيوني أمام استحقاقات مصيرية بعد فشلهم أمام المقاومة اللبنانية والفلسطينية هذا يستتبع تصعيداً مع الفلسطينيين مقاومةً وشعباً في آن واحد للخروج من هذا الأزمة ولتهيئة المناخ الملائم لعودة الفريق المتآمر ممثلاً بمحمود عباس لقطاع غزة إضافة لذلك شطب حركة حماس من خارطة السياسية الإقليمية وأقصد هنا حركة حماس الفكرة والمضمون أي المقاومة والممانعة.

إلى أن وصل الأمر لضرب قطاع غزة بأسلحة الدمار الشامل بعد إغلاق المعابر منذ سنتين وحتى الآن وبعد تحكم الكيان الصهيوني بإمدادات الوقود والطاقة والسلع الأساسية، تم إحكام إغلاق المعابر على قطاع غزة بشكل غير مسبوق بالتزامن مع تصعيد العمليات العسكرية ليسقط الشهداء بالعشرات خلال أيام وبالتزامن أيضاً مع قطع إمدادات الوقود والكهرباء ليرزح القطاع تحت ظلام دامس ويسقط في اليوم الأول 6 شهداء من مرضى قطاع غزة على أسرة المستشفيات بعد انقطاع التيار الكهربائي، إضافة لكل ذلك نفاذ السلع الأساسية والدواء والمستلزمات الضرورية لاستمرار الحياة في القطاع.

هذا كله في أول يومين من بدء المعركة الفاصلة التي يعتقد الصهاينة ومن أعطاهم الضوء الأخضر في زيارته الأخيرة قبل أيام أنها ستقلب المعادلة وتحقق ما عجزوا عن تحقيقه خلال عامين على بدء المؤامرة، يعتقد الصهاينة ومن يدور في فلكهم أن استشهاد 400 مريض ينتظرون الموت الآن على أسرة المستشفيات التي انقطع عنها التيار الكهربائي منذ صباح اليوم كفيل بكسر إرادة الشعب الفلسطيني وتركيعه، ويعتقدون أيضاً أن نفاذ السلع الأساسية والدواء والمستلزمات الضرورية لاستمرار الحياة في القطاع وما سينتج عنه من إضافة أعداد أخرى لقوائم الشهداء الفلسطينيين يمكن أن يكسر الفلسطينيين ويجبرهم على نصب المشانق لقيادتهم الشرعية، كم هم واهمون!!

انتهت الحكاية أيها السادة يمكنكم الآن العودة لمواصلة طقوس أمسياتكم الدافئة ويمكنكم العودة لمتابعة برامجكم المفضلة ولتتركوا المنكوبين ليواجهوا الإعصار بمفردهم ويقدموا من دمائهم قرابين الحرية والانعتاق، يمكنكم أيضاً أن تناموا بكل طمأنينة فهناك على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط هناك شعب مازال على عهده مع الله عز وجل ومع كل السابقين بأن يبقى الحصن المنيع وخط الدفاع الأول عن أمته ومقدساتها.

لكن لتعلموا جيداً أن بعض الأشمغة لا تستحق سوى أن تكون أحذية ينتعلها الحفاة الجياع، وبعض الرؤوس أدنى منزلة من أن تطهرها أحذية هؤلاء الجياع!

إلى لقاء آخر مع حكاية أخرى أعتقد أنها ستكون في الحياة الآخرة يوم يقوم الأشهاد!