في قراءة أولية للوثيقة التي أصدرتها الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان يوم 08 دجنبر الماضي يمكن إبداء الملاحظات الآتية:

1) أن هذه الوثيقة تأتي في سياق الروح التي طغت على معظم القراءات التي شهدتها الساحة السياسية ببلادنا عقب زلزال 7 شتنبر، وهي قراءات تنحو جميعها نحو تحميل المسؤولية للنظام السياسي المغربي عن الأزمة السياسية الخانقة التي وصلت إليها بلادنا، والنهاية المأساوية لما يعرف في بلادنا بتجربة “التناوب التوافقي” والتي لم تنقل المغرب نحو انتقال ديمقراطي حقيقي كما كان يروج لها المدافعون عن تلك التجربة، بل أضافت إلى عمر الاستبداد ببلادنا سنوات أخرى استطاع النظام المغربي فيها تجديد بعض أساليبه والحفاظ على جوهره في العمق ما دام أن الملك لا يزال الحاكم المطلق والمهيمن الأول على الاقتصاد، حيث لم يقع تغيير ظاهر في أساليب توزيع السلطة والثروة إلا ما كان من توسيع النظام للطبقة المستفيدة من ريعه بعد أن استطاع تدجين بعض القوى والشخصيات التي كانت محسوبة في السابق على المعارضة، مع وجود فارق بين أصحاب تلك القراءات وهو أن العدل والإحسان لم تكن ضمن المشاركين في اللعبة السياسية.

2) إننا أمام وثيقة صادرة لأول مرة عن جهاز مسؤول من أجهزة الجماعة، وهو الدائرة السياسية التي قدمها أعضاء الجماعة على أنها ممثلة الذراع السياسي للجماعة، في حين أن أغلب مواقف الجماعة سابقا كان يتم تصريفها من خلال مواقف يعبر عنها المسؤول الأول في الجماعة (مرشدها عبد السلام ياسين) وهو ما تم التعبير عنه في مذكرات “الإسلام أو الطوفان” “رسالة إلى من يهمه الأمر”، وهي مسألة تشير إليها هذه الوثيقة وتذكر بها، وباعتبار هذه الأخيرة صادرة عن الدائرة السياسية ففي ذلك إشارة إلى أن الجماعة بدأت تتجه تدريجيا نحو المأسسة، بعدما كانت تختزل مواقفها في ما يعبر عنه المرشد من مواقف أو يحرره من كتب، وفي هذا الأمر تطور إيجابي يحسب للجماعة، اكتسبته من الممارسة رغم ما يمكن أن يلاحظ عليها من تأخر للوصول إلى هذا المستوى.

3) أن هذا البيان / الوثيقة تتضمن مجموعة من الأرقام ذات الدلالة الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية، وهي أرقام ترصد الأوضاع الصعبة والمأساوية التي يعيشها الشعب المغربي، وهي أرقام تزهر الجشع الاقتصادي لأركان النظام وغياب الشفافية في التدبير مما جعل المغرب يحتل مركزا متأخرا حتى مقارنة بالدول النامية التي تعيش أوضاعا شبيهو أو قريبة من وضع المغرب (وضعية اقتصادية تفتقر فيها للموارد الطبيعية، ووضعية سياسية تغيب فيها الديمقراطية)، كما يظهر الفشل في تدبير معظم القطاعات الاستراتيجية (التعليم مثلا، حيث تتحدث الوثيقة عما وصفته بالمأساة) وكذا البطالة والأمية وافتقاد الحق في الولوج للصحة والماء، تشغيل الأطفال… وهي وضعية يتحمل المسؤولية عنها بحسب الوثيقة ما وصفته بالأخطبوط المخزني، إنه المخزن السياسي المسؤول الرئيسي عن الأزمة الاقتصادية من خلال سيطرته على الجزء الرئيسي من الثروة الوطنية من خلال أخطبوط اقتصادي تشكل “أونا” عصبه الأساس والذي يهيمن على أغلبية القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية ومحاصرة كل الفاعلين الاقتصاديين المستقلين عن دوائر المخزن، في إشارة واضحة للأسرة الملكية وتحكمها في مفاصل الأمور سياسيا واقتصاديا، وعدم إبدائها أي إشارة للتنازل عن هذه الهيمنة والفصل بين ممارسة الحكم أو التفرغ للتجارة، إذ أن الجمع بينهما جعل المغرب يتحول إلى ما يشبه جمهوريات الموز التي عرفتها أمريكا الجنوبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وأعتقد أن الوثيقة كانت لها الجرأة للإشارة إلى ذلك، رغم قصورها على مستوى تحديد الموقف من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية والتي تنحو منحى داعما للاستبداد الرسمي العربي ونزاعا نحو التشتيت وضمان الاستمرارية على موارد المنطقة.

4) أن اللغة الناظمة للوثيقة (التركيز على أرقام محددة، الحضور الكثيف للمسألة الاجتماعية، حضور البعد الاقتصادي، الحديث عن أهمية الديمقراطية…) تشير إلى تطور الخطاب السياسي للجماعة الذي انتقل من التشبع بخطاب ميتافيزيقي متعال عن الواقع نحو خطاب عقلاني يعتمد الانطلاق من تحليل ملموس للواقع ونظرة نسبية للأمور، وهو التطور الذي يُحسب لهذه الوثيقة.

5) تتضمن هذه الوثيقة نواة البرنامج السياسي للجماعة من جهة في محاولة لتدارك ما كان يوجه لها من انتقادات في السابق، إضافة لانطوائه على لغة تتحدث فيه الجماعة عن جاهزيتها للشراكة مع القوى الأخرى من أجل التغيير، وهي لغة غير مسبوقة في خطاب الجماعة تؤكد من خلالها أنها ليست بديلا للقوى الديمقراطية الحقيقية في البلاد، وأنه مضى عهد امتلاك طرف واحد دون غيره القدرة على التغيير وتأمين الانتقال نحو وضع أفضل في المغرب بما يضمن مصالح الجميع ويزيح مخاوفهم، وفي هذا الخطاب تجاوز لدعوة الجماعة في السابق للقوى السياسية المغربية لإبرام ميثاق مشترك، لكنه ميثاق ينطلق من مبادئ إيديولوجية يعطيها تصور الجماعة الأولوية المطلقة، وفي هذا مصادرة على المطلوب، في حين أن دعوة الوثيقة الأخيرة أكثر نضجا واستيعابا للتطورات التي عرفها الحقل السياسي المغربي.