تقديم

تعتبر مسألة تخليق الحياة العامة للمجتمعات. أساس استقرارها وضمان تماسكها، والسبيل نحو تقدمها وازدهارها. وتكون الحاجة لتخليق الحياة المجتمعية عندما يعرف المجتمع نكسات وتراجعات على المستوى الأخلاقي كما عليه الحال في بلدنا، الذي أصبح فيه الجهر بالسوء وانتهاك حرمات الله مرضا معديا قد يأتي على بقية حياء فينا لاقدر الله. حتى أصبحنا نرى أعياد تذوق الخمور فضلا عن تكاثر جرثومة الشذوذ الجنسي إلى حد أصبح فيه الشواذ يقيمون أعراسا، أستغفر الله بل مآتم على الحياء والحشمة والأخلاق في بلاد الدين والأخلاق، وأصبحوا ينتظمون في إطارات بهدف نشر المساوئ في المجتمع المسلم الأبي. إذا أضفنا إلى هذا ما نسمع ونقرأ عنه بل ونراه بأم أعيننا من جرائم القتل والاغتصاب وهتك الأعراض، والأخطر من ذلك استهداف الطفولة والأجساد الطاهرة البريئة من طرف مرضى الأنفس ومنعدمي الضمير، فإنه لا يمكننا إلا أن ندق ناقوس الخطر منبهين على أن الأمن الروحي والعمق الثقافي والأخلاقي للشعب مستهدف. مما يجعل العمل على الذود عن العقيدة وحماية استقرار البلاد المهدد بما كسبته أيدي السفهاء، وما تسببوا فيه من اختلالات على المستوى التربوي وعلى غيره من البنيات الاجتماعية بدءا من الأسرة إلى أعلى مؤسسات الدولة، قضية ملحة.

إن تخليق الحياة العامة ورد الاعتبار للبناء الأخلاقي للفرد والمجتمع وإعادة ربط الناس بالمنظومة الأخلاقية لمجتمعنا والتي تستمد أسسها من الدين الحنيف الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وكذلك مناقب أجدادنا الذين تربوا على الحياء والكرم والصدق والشهامة والشجاعة والتدين وغيرها من الأخلاق الفاضلة، لأمر ضروري وملح نقتسم المسؤولية في تحقيقه كأبناء هذا الوطن وهذا الشعب المسلم الأبي. كل من موقعه.

فساد الأخلاق من فساد وخراب الذمم

إن الفساد الأخلاقي الذي يستشري وتتسع رقعته في مجتمعنا خاصة عند المترفين من بني جلدتنا إنما مرده إلى خراب وفساد ذممهم، وأيم ذمة فسدت فلا معنى بعد ذلك عند صاحبها للمسؤولية ولا للصدق ولا حرمة عنده لدين ولا لعرض ولا لشرف، فتظهر بذلك مظاهر لا أخلاقية ومنكرة ينكرها العقل السليم والشرع الحنيف. لما لا والدين كله إنما جاء لبسط مكارم الأخلاق مكان مساوئها والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، ويقول الرافعي رحمه الله في كتابه وحي القلم): لو أنني سئلت أن أجمل فلسفة الدين كلها في لفظتين لقلت إنها ثبات الأخلاق ولو سئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجز علاج الإنسانية في كلمتين لا ما زاد على القول إنه ثبات الأخلاق). وبذلك فإنه لا يوجد خلق حسن إلا ودعا إليه الإسلام ورغب فيه، فما بالنا نشهد هذا التردي الأخلاقي في مجتمع مسلم كمجتمعنا؟

إن القيم الأخلاقية الإسلامية قيم مثلى وفاضلة لأنها أولا توجيه رباني ونبوي، ثم لأنها تراعي الطبيعة الإنسانية بل إنها جاءت لتلبس الإنسانية لباس الجمال والبهاء وتضفي عليها المكارم والمحاسن، وعليه فان المسؤولية تبقى ملقاة على الذمم والهمم حاملة القيم. وما فساد الأخلاق إلا من فساد الذمم، وعجزها عن تمثل القيم وتجسيدها في الواقع العملي والسلوك اليومي. وتزداد خطورة فساد وخراب الذمم عندما يصيب من ينتظر منهم حماية القيم والأخلاق والذود عنها من علماء ورؤساء وكل من يلي أمرا من أمور الأمة. فإذا رأيت “عالما” متبعا هواه يقول ما لا يفعل وينهى عن المنكر ويأتيه. فانتظر انتقال العدوى إلى ما دونه، وإذا رأيت إعجاب الحكام بآرائهم وإعراضهم عن النصيحة وعن المشورة فانتظر انحلال العقد الاجتماعي وانتقاض العرى.

وبذلك فإن صلاح الأخلاق من صلاح الذمم، وفساد الأخلاق من خراب الذمم، فهل للذمم الفاسدة من توبة حتى تصلح أحوالنا وأخلاقنا؟

التربية على الأخلاق والخلاص الفردي والجماعي

روى الإمام البخاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم وإنما الصبر بالتصبر”. من خلال هذا الحديث العظيم، بما حملته ألفاظه من مقاصد جليلة وقواعد ذهبية، يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأخلاق تكتسب بتعويد النفس عليها وتدريبها وإلزامها على فضائل الأخلاق وأخلاق الفضيلة، أو قل في كلمة إنها التربية، ذلك أن النفس كالجسد يخلق ناقصا ثم ينمو ويكبر، والنفس تنضج أخلاقيا بالتربية والمجاهدة، والتربية متوقفة على الإرادة والعزيمة. فهل لنا كأفراد تلك الإرادة والعزيمة على الرشد والعودة إلى الأخلاق الفاضلة عوض التمادي في الغي وسيء الأخلاق هل لأمتنا إرادة على تمثل أخلاق العدل والحلم والإتقان والإحسان والجد والشهامة وغيرها من مكارم الأخلاق.

إن حسن الخلق يحبب العبد الفرد لربه عز وجل ويقربه عنده زلفى، وتصديق ذلك ما ورد في مسند الإمام أحمد رحمه الله أن وفدا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: “يا رسول الله من أحب عباد الله إلى الله تعالى”، قال: “أحسنهم خلقا”. وفي حديث آخر يعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمانه الجنة لمن أطاع الله وحسن خلقه: “أنا زعيم ببيت في الجنة لمن حسن خلقه”.

وبذلك فإن حسن الخلق يحقق للعبد محبة الله ومحبة رسول الله ومحبة الناس أجمعين ولن يسع أحد الناس بماله وجاهه ولكن يسعهم بالبشر وحسن خلقه. وإذا كان هذا هو الشأن بالنسبة للأفراد، فإن الأمم بأخلاقها وإلا فلا أمة إلا غثاء. وقد صدق الشاعر إذ قال:

إنما الأمـم الأخـلاق ما بقـيت *** فإن هـم ذهبـت أخلاقهـم ذهبـوا

إن طاعة الله وحسن الخلق تحقق للفرد خلاصه في الآخرة وتنله القرب من الله، ويحقق للأمة خلاصا جماعيا وثباتا بين الأمم، بل إنه لا تسود إلا أمة متخلقة يحمد أخلاقها أهل الأرض وأهل السماء، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتحقق فيهم الإيمان الصادق. كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.