كانت للدكتور عبد العلي مجدوب مساهمة فكرية في المجلة الفصلية “الآداب”، في عددها الصادر في أكتوبر 2007، التي خصصت ملفها لموضوع: “العلمانية في السياق العربي والإسلامي”. فيما يلي النص الكامل للمساهمة التي كانت بعنوان: “العلمانية ونظام الحكم في المغرب”..

“العلمانية” هي الترجمة العربية السائدة للمصطلح الأجنبي”Laïcité” (بالفرنسية)، و”Secularism” (بالإنجليزية). وجماعة العدل والإحسان، وخاصة في كتابات مرشدها، تختار مكان “العلمانية” استعمالَ الأصل الأجنبي معرّبا، أي “اللائكية”، لتتجنب ما توحي به كلمة “علمانية” من خلط والتباس في شأن أصل اشتقاقها وبنائها الصرفي.

ترجع اللائكية في أصولها الفكرية والسياسية إلى ما انتهى إليه صراعٌ طويل، في أوربا، بين سلطة الكنيسة وبين عامة أهل الفكر الذين كانوا ينادون بالتحرر من قيود اللاهوت والأخذ بأسباب العقل والحداثة وما أدت إليه الاكتشافات العلمية من قوانين ونظريات ومعطيات تخالف مسلمات الموروث الديني النصراني. وهي على العموم، من غير الوقوف عند التفصيلات النظرية وما كان بين اللائكيين أنفسهم من خلافات واجتهادات في النظر والتقدير، نظامٌ ينحو نحو التمييز بين مجتمعين اثنين في حياة الإنسان، مجتمع ديني (société religieuse) الدائرةُ فيه على العاطفة الفردية والاختيار الشخصي، لا شأن له بأمور السياسة ومتعلقاتها، ومجتمع مدني (société civile)، أي مجتمع متحرر من قيود الكنيسة، ليس يَعتبرُ، في أفكاره واجتهاداته وتقديراته، وخاصة في مجال السياسة وتدبير شؤون الدولة، معتقداتِ الدين وما يتصل بها من أوامر وآداب وتوجيهات. وهذا النحو من التمييز بين مجتمعين في الحياة الإنسانية، حسب التعريف الشائع للعلمانية (اللائكية) في المصادر الغربية، هو الذي تنعته العبارة الشائعة عندنا بالفصل بين الدين والدولة.

ثم إن اللائكية الأوربية، في واقع الممارسة، لائكياتٌ بألوان الطيف، يشهد على ذلك سياساتُ الحكومات الأوربية المختلفة في شأن التعامل مع النزوعات الدينية في المجتمع، وخاصة الصحوة الإسلامية الآخذة في التصاعد والاتساع؛ فهناك، مثلا، اللائكية الفرنسية “المتشددة”، بل الناقمة بشكل مفضوح على الاتجاه الإسلامي المتنامي في شرائح واسعة من المجتمع. فقد ضاقت “لائكية” فلسفة الأنوار بحجاب المسلمات الفرنسيات، ولم يهدأ بالُها إلا بإصدار قانون يحرم إظهار “الرموز الدينية” في بعض المؤسسات العمومية. وقد أثار هذا القانون موجات من الغضب والنقد والإدانة إبان ظهوره مشروعا للمناقشة، وبعد صدوره قانونا ملزما. وفي غمرة النقاشات التي عرفتها فرنسا حول هذا القانون، وخاصة في أوساط النخب الفكرية والسياسية والحقوقية، تَبين أن النخب الأوربية نفسَها ما تزال تحتاج إلى وقت طويل ونقاش واسع وعميق للحسم في إشكالات كثيرة تتعلق أساسا بمفهوم اللائكية وفلسفتها وتجلياتها في واقع الممارسة السياسية واحترام حقوق المواطنين وحرياتهم الشخصية.

وبخلاف اللائكية الفرنسية المتعصبة إلى حدّ العنصرية، وخاصة تجاه المواطنين الفرنسيين المنحدرين من أصول إسلامية، هناك لائكيات أوروبية معتدلة مرنة في نظرتها إلى علاقة السياسي بالديني، بل ذات صدر رحب يتسع للآخر مهما كان عرقه ودينه ولغته، كاللائكية البريطانية، والبلجيكية، والهولندية، والسويدية على سبيل المثال.

ومهما يكن هذا التسامح التي تبديه بعض الأنظمة اللائكية الغربية تجاه المعتقدات الدينية، وخاصة المعتقد الإسلامي، فإن تفجيرات 11 شتنبر2001 في نيويورك وواشنطن، وما تبعها من إعلان ما سمته أمريكا وحلفاؤها “الحرب على الإرهاب”، قد أوجد مظلة قانونية وأمنية أعطت للحكومات الغربية سلطات واسعة لانتهاك حقوق المسلمين وتقييد حرياتهم، بل واعتقالهم، بموجب قوانين الإرهاب أحيانا وبغير موجب أحايين أخرى، وهو الأمر التي عرّى عن المصداقية كثيرا من دعاوى الغربيين في مجال الحريات وحقوق الإنسان وحياد الدولة تجاه مواطنيها مهما كانت أصولهم ومعتقداتهم وألوانهم ولغاتهم.

ولا ننسى في هذا السياق الإشارةَ إلى موقف بعض الدول الأوربية، ومنها فرنسا، الرافض صراحة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بسبب هويتها الإسلامية أساسا، بل إن من هذه الدول من اعترض على مشروع الدستور الأوربي، الذي رفضته فرنسا وهولندا في استفتاء شعبي، لأنه لم يتضمن التنصيص على هوية أوربا النصرانية. وهذا كله يدل على أن الفكرة اللائكية، في أصلها، ليست بريئة من شبهة التحيز الديني.

أما عن لائكيات عالمنا العربي والإسلامي، فمثالها الحيّ الأبرز دولةُ تركيا الأتاتوركية، التي تشهد على تردي النخبة اللادينية المتطرفة في الحضيض بوقوفها ضد ترشيح أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية لرئاسة البلاد، لأن زوجته متحجبة، والشرُّ كل الشر عندهم أن تدخل امرأة متحجبة قصر الرئاسة. وقيامة هؤلاء اللائكيين المتطرفين قائمةٌ اليومَ في تركيا من أجل ديمقراطية “على المقاس”، تتنكر لإرادة الأغلبية، بل وتفرض على هذه الأغلبية أن تسلم بأن يكون للأقلية الكمالية المتشددة اليدُ العليا والكلمةُ الفصل في شؤون الناس. وهؤلاء اللائكيون المتطرفون هم الذين ضاقوا، من قبل، وما يزالون، بحجاب المرأة التركية المسلمة في الجامعات والبرلمان وغيرهما من المؤسسات العمومية. فأية “علمانية” هاته التي تنزل إلى هذا المستوى من القمع والمنع والتحكم في حريات الأفراد؟ وأيّ خير يمكن أن يُرجى من أنظمة سياسية تجاهر بعدائها للدين وبمحاربتها لكل ما يمت إليه بصلة من مظاهر وأفكار وسلوكات وأخلاق؟ بل وأية ديمقراطية ستكون ديمقراطية هذه الأنظمة التي تسعى، بكل الوسائل، ومنها وسائل القمع والدعاية والتلفيق والبهتان، من أجل عزل الناس عن معتقداتهم وتحوليهم إلى أرقام جوفاء في عمليات ميكانيكية يسمونها “استحقاقات انتخابية”!!؟

وهذا النموذج التركي الأتاتوركي هو المحتذَى في معظم الدول العربية والإسلامية وإن كانت هذه الدول لا تصرح، أصلا، بأنها “علمانية” خشية إثارة الرأي الإسلامي العام ضد أنظمتها الفاسدة من الأساس. وقد حاولت الحركة الإسلامية التركية، وخاصة في أثناء الولاية الأخيرة لحزب العدالة والتنمية، أن تبين في الواقع الملموس أن اللائكية، متى رجعت إلى أصل الاعتدال وراعت حقوق الناس وحريتهم في الاختيار، تستطيع أن تستوعب المرجعية الدينية وتتجاوز هذا التقابل العدائي الذي يحاول أن يرسخه اللائكيون “المتطرفون” اللادينيون، في تركيا وفي غير تركيا، بين “اللائكية” والدين.

أما في القطر المغربي الإسلامي، فالمسألة، في رأيي، تحتاج إلى بيان من ثلاث نقط:

النقطة الأولى تتعلق بالنظام المخزني الحاكم؛ والمخزن، في الاصطلاح السياسي المغربي الشائع، هو نظام سياسي قوامه ملكية وراثية يستبد فيها الملك بمطلق السلطات، وما البرلمان والحكومة وسائرُ مؤسسات الدولة والهيئات المنتخبة، على طريقة الديمقراطية المغربية، والمسؤولين المعيَّنين على الطريقة المغربية أيضا، إلا أدواتٌ وتوابعُ في خدمة سياسات الملك وقراراته وتعليماته وتوجيهاته. وتحرص جماعة العدل والإحسان على وصف هذا النظام بأنه نظام “جبري” ترسيخا للاصطلاح الإسلامي الأصيل والمنسي وتوسيعا لدائرة تداوله.

فشخص الملك، بنص الدستور، “مقدس”، بيده أن يعقد ويفسخ، ويأمر وينهى، ويعين ويُقيل، ويتصرف على الوجه الذي يراه من غير حسيب ولا رقيب؛ إنه، باختصار، فوق جميع المؤسسات، وهذا دائما بنص الدستور الذي وضعه الملك الراحل، غفر الله ولنا وله، من تلقاء نفسه، وأيضا بحكم الأعراف والتقاليد التي كرستها ممارسات عهود طويلة. وفوق كل هذا، فالملك، بصفته “أمير المؤمنين” هو وحده الذي يحق له أن يجمع بين الدين والسياسة في أقواله وأفعاله وقراراته وغير ذلك مما يصدر عنه، أما سائر المغاربة، فهم مُلزمون، بحكم هذا الاجتهاد المخزني الاستبدادي، باختيار أحد الطريقين، طريق السياسة والابتعاد عن الشأن الديني، أو طريق الدين والابتعاد عن الشأن السياسي. واختيارُ طريق الدين لا يكون إلا تحت عباءة سياسات النظام المُسطَّرة ووفق منظوره واجتهاداته. فليس للعلماء الموظفين لدى الدولة إلا الائتمار بأمر هذه الدولة والانتهاء بنهيها، وإلا فهم مُبْعَدون غير مرحب بهم في أحسن الأحوال، ومتهَمون بالخروج على الجماعة وإثارة الفتنة وعصيان ولي الأمر في أسوأ الحالات. خنقٌ واختناقٌ، واستبداد شامل لأمور الدين والدنيا.

يزعم النظام المغربي أنه يستمد شرعيته من الدين، وأن دولته هي دولة إسلامية “أصولية”، أي أنه ينفي عن نفسه صفة “العلمانية”، التي شاع أنها تعني الفصل بين الدين والدولة، أي، بعبارة أخرى، ممارسة السياسة بمعزل عن أصول الدين وأحكامه.

أما الواقعُ الحارقُ الفاضح المعيش في كل شؤوننا الحياتية فيشهد أن النظام عندنا يستغل الدين أبشع استغلال من أجل ترسيخ أركانه وإحكام قبضته وإدامة سلطانه؛ فالإسلام وأحكامه وآدابه في واد، وسياسات النظام الدينية في المجال الديني في واد آخر. ويكفي الاطلاع على ما أحدثه النظام من تغيرات وما أصدره من تعليمات، وخاصة بعد جرائم الدار البيضاء المنكرة في 16ماي 2003، وما اختطه من سياسات في شأن ما سُمّي بتأهيل الحقل الديني- يكفي الاطلاع على هذه السياسات لمعرفة أن الغاية الأساس من كل ذلك هي إحكام قبضة القمع والمنع والحصار على المعارضين السياسيين الحقيقيين للنظام، وفي طليعتهم جماعة العدل والإحسان، التي ما تزال تدعو إلى دولة الحقوق والحريات والمؤسسات والعدل والشورى بدلَ دولة الجبر والتعليمات والشعارات الكاذبة المخدِّرة والسياسات الاستبدادية الفاشلة.

إذن، فنظام هذا هو وصفه لا يمكن أن يستقيم معه حديثٌ عن “العلمانية، ولا حديثٌ عن “الديمقراطية”، ولا حديثٌ عن “الحداثة”، ولا حديثٌ عن “الليبرالية”، ولا غير أولئك من الأحاديث ما دامت نواته الصلبة هي الاستبداد.

أما الأحزاب المغربية، التي يقارب عددها الأربعين، فهي، في تقديري، وحسب علاقتها بالموضوع الذي نحن بصدده، أنواع ثلاثة:

أحزاب ذاتُ منشأ مخزني مائة في المائة، وهي التي كانت تسميها المعارضة السابقة أحزاب الإدارة، تسير في ركاب الدولة المستبدة، ليس لها من فلسفة أو رؤية أو برنامج أو اختيار إلا ما يختاره المخزن ويمليه ويفرض تعليماته في شأنه. ومن هذه الأحزاب المصنوعة التابعة ما يمثل درجات انحطاط العمل السياسي في العصر الحديث بما تمثله من جهل وإمعية وطمع وانتهازية وغيرها من الرذائل النفسية والسلوكية، التي تتجلى، أوضح ما تتجلى، في حال وصول الإنسان إلى الحضيض. واللائكية عند هذا الصنف من الأحزاب لوكٌ للكلام بما يُرضي النظام ويزيد في رصيد شرعيته ويرّسخ سلطات أمير المؤمنين المطلقة.

والنوع الثاني أحزابٌ كانت مُعارِضة- كانت في الماضي- فرُوّضت واستُدرجت حتى تَمخزنت، فأصبحت ملكيّة أكثر من الملك في الدفاع عن سلطات أمير المؤمنين المطلقة، غايتُها من هذا الدفاع نيلُ رضا المخزن وشهادة حسن السلوك أولا، والتحريض على الإسلاميين الذين يمثلون شجى في حلوقها بما يمثلونه من شعبية متنامية في الناس يوما بعد يوم، وإلا، فإن هؤلاء المخزنيين الجدد كانوا من أشد منتقدي إمارة المؤمنين لما كانت تعنيه عندهم، في الفهم والممارسة، من استبداد وتسلط وتجاوز للقانون والمؤسسات، فضلا عن معاني الرجعية والماضوية والظلامية وغيرها من الأوصاف التي كانت هذه الأحزاب، إلى عهد قريب، ترمي بها كل ما يمتّ إلى المرجعية الإسلامية بصلة، بل ما يزال هذا ديدنها مع مشروع خصومها الإسلاميين واجتهاداتهم وأفكارهم، لكن “إمارة المؤمنين” خطّ أحمر. وسلوك هذه الأحزاب يشبه الصنف الأول من أحزاب المخزن في كونه يتعامل مع موضوع “الدين” و”السياسة” بانتهازية غاية في الخسة؛ “نعم” للدين في السياسة حتى النخاع إذا تعلق الأمر بسيدنا أمير المؤمنين، و”لا” إذا تعلق الأمر بزيد أو عمرو من الأحزاب أو الأفراد أو الجمعيات!! بأي منطق، وبأي موجبٍ من دين أو فكر أو قانون؟ لا شيء، فهذا ما يقوله المخزن وكفى.

والنوع الثالث من الأحزاب، وعددها قليل، ما تزال تعيش على هامش الديمقراطية المخزنية، لأن بعضها ما يزال ينتظر اعترافا قانونيا بوجوده، وبعضها ما يزال يقدّم رجلا ويؤخر أخرى في شأن القبول بشروط اللعبة السياسية ودخول غمار الانتخابات. يمتاز موقف هذه الأحزاب من موضوع علاقة الدين بالسياسة، وبموضوع “إمارة المؤمنين” خاصة، بشيء من الجرأة يشوبها شيء من الغموض والتردد؛ فقد تسمع هنا رأيا عن ضرورة تجريد “إمارة المؤمنين” من السلطات المطلقة التي تحتكرها بغير رقيب ولا حسيب، وحصرِها في ركن التشريفات والتقاليد التي لا تتعدى حدود الأشكال والألقاب. وقد تسمع من جهة أخرى رأيا آخر يقول بوجوب تقنين “إمارة المؤمنين” وتحديدِ صلاحياتها وجعلِ سلطاتها خاضعة للمراقبة والمحاسبة. وقد تسمع من جهة ثالثة رأيا يقول بإبعاد الدين عن السياسة مطلقا، وجعل أمر السياسة وتدبير شؤون الدولة ممارسة بشرية محضة لا علاقة لها بعقائد الدين وشرائعه وأخلاقه. وأصحاب هذا الرأي الأخير لا تكاد تسمع لهم حسّا وسط ضوضاء الثقافة المخزنية السائدة في موضوع علاقة الدين بالسياسة، وهي ثقافة تزكيها وتدافع عنها غالبية الأحزاب الموجودة رغبا و رهبا.

وخارج دائرة الأحزاب، بالمفهوم القانوني والتنظيمي للحزب، بدأت أصوات كثيرة، وخاصة بعد ظهور أمر الحركات الإسلامية وسطوع نجمها في الحياة السياسية، مواليةً للمخزن أو معارضة له- بدأت هذه الأصوات تُسمَع من هنا وهناك، من بعض المفكرين أو الفنانين أو الناشطين في بعض الجمعيات، أو في بعض المنابر الصحفية، الفرنكفونية خاصة، التي تُصَنّف في المستقلين، تنادي بتبني طريق العلمانية(اللائكية) حلا للمعضلات السياسية، وفي مقدمتها معضلة علاقة الديني بالسياسي. وعلى الرغم من الانتقاد الواضح الذي تعبر عنه بعض هذه الأصوات إزاء السياسة المخزنية القائمة على استغلال الدين واحتكار سلطة الحديث باسمه من أجل تقوية سلطان الدولة وترسيخ نفوذها، فإنها، أي هذا الأصوات، لا تُخفي، في كثير من المناسبات، تحيزها السافر ضد مشروع الحركات الإسلامية، بل ومشاركتها، في بعض الأحيان، في حملات إعلامية أو أنشطة ثقافية من أجل إضعاف التيار الإسلامي بتشويه سمعته والتشكيك في نيات رجاله ونسائه، فضلا عن سعي بعضهم، ولنفس الغاية، لنشر كثير من الأباطيل والأراجيف في حق الإسلاميين، وهو فعل يسيء إلى أخلاق أهل الفكر والثقافة، ويخدش مصداقية أهل الصحافة والإعلام.

وفيما يخص جماعة العدل والإحسان، فإن المطلع على كتاباتها ومواقفها في مناسبات كثيرة وما تنشره من بلاغات وبيانات، وما يصدر عن مسؤوليها من تصريحات وتوضيحات، لا يفوته ملاحظةُ الوضوح الكبير الذي تتسم به هذه الجماعة في موضوع علاقة الدين بالسياسة عامة و”اللائكية” بصفة خاصة. وفيما يلي بعض التوضيحات:

جماعة العدل والإحسان، وحسب اختيارها منهجَ اللاعنف في التدافع السياسي وسلوك طريق جهاد الكلمة والحجة لعرض دعوتها والدفاع عن مشروعها، معروفةٌ بمعارضتها ورفضها لسياسات الدولة المخزنية القائمة. وحسب ما بينتُه سابقا من صفات هذه الدولة، فليست “إمارة المؤمنين” عند جماعة العدل والإحسان، حسب المفهوم المخزني، وحسب اجتهاد فقهاء المخزن الذي يجعل صفة “مؤمنين” تشمل المسلمين والنصارى واليهود، إلا مظهرا من مظاهر الحكم الجبري، الذي يناقض، في كبير الأشياء وصغيرها، أصول الحكم الراشد العادل الذي تدعو الجماعة إلى إعادة بنائه. وهذا يعني أن النموذج الذي يقدمه النظام المغربي للتوفيق بين الدين والدولة ليس له من هدف إلا تكريس هيمنة الدولة، فضلا عن استغلال الدين في كل اتجاه من أجل مكاسب سياسية في الداخل والخارج.

أما الأحزاب الدائرة في فلك الدولة، التابعة لسياساتها، فحكمها، عند الجماعة، تابعٌ لحكم المتبوع بالطبيعة. وإن كان لا بد من الاستثناء، فإنه يشمل بعض الأفراد “المتمردين” الذين لا يترددون، في مرات عديدة، وفي مجالس خاصة في الغالب، في التعبير عن مواقف واختيارات مخالفة لخط أحزابهم ومنددة بتبعيتها.

أماّ الذين ينادون بإقرار نظام علماني (لائكي) لتدبير شؤون الدولة، فهم، في غالبيتهم، كما أشرت سابقا، غير منظمين في أحزاب لائكية خالصة، بل هم أفراد نشطون في جمعيات، أو يملكون جرائد ومجلات، أو ينتمون إلى مراكز تهتم بالبحث والدراسة في المجالات السياسة والحقوقية. وهذا لا يعني أن هؤلاء الأفراد ليس لهم أي انتماء حزبي بل، بالعكس، معظمهم أعضاء في أحزاب سياسية وجمعيات حقوقية يغلب على مرجعياتها الفكرية وبرامجها النضالية المنحى اليساري.

وقد دعت جماعة العدل والإحسان- وما تزال- هؤلاء الذين تصفهم بالفضلاء الديمقراطيين، والذين يشتركون معها في معارضة دولة الاستبداد المخزني، ويناضلون من أجل نظام ديمقراطي قوامه الحريات وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ويتميزون بكونهم “لادينيين”، أي يضعون الدين مع موروثات الاستبداد في سلة واحدة، ويسعون في مشروعهم إلى جعل الشأن السياسي بمعزل عن الدين على شاكلة الأنظمة الديمقراطية اللائكية الغربية- لقد دعت الجماعة هؤلاء الفضلاء منذ بروزها في الساحة، في بداية الثمانينات من القرن الماضي، إلى حوار مفتوح ومسؤول من أجل صياغة ميثاق لحمتُه وسداه الإسلامُ دين المغاربة، يقبله من يقبله، ويرفضه من يرفضه، على مرأى من الشعب وسمعه، ليهلك من هلَكَ عن بيّنة ويحيا منْ حييَ عن بيّنة.

حوارٌ صريح ومسؤول نقرأ بعض جوانبه في محاضرة، بالفرنسية، لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين، سنة1980، بعنوان “من أجل حوار مع النُّخب المُغَرَّبة”، ونقرأ عنه، بعد ذلك، بكثير من التفصيل، في كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، سنة 1994، وفي كتاب ” الشورى والديمقراطية”، سنة1996، وفي كتاب “حوار الماضي والمستقبل”، سنة1997، وفي كتاب “حوار مع صديق أمازيغي”، سنة1997، وفي كتاب” Islamiser la modernité(بالفرنسية)، سنة 1998، وفي فصول كثيرة من كتاب “العدل (الإسلاميون والحكم)”، سنة2000، فضلا عن نداءات الجماعة، التي لم تنقطع إلى يومنا هذا، “إلى كل الشرفاء الأحرار، والفضلاء الأصلاء”.

حوار صريح ومسؤول: أيّ إسلام هو إسلامنا؟ أي إسلام هو هذا الإسلام الذي نحرص على قداسته والانتماء إليه؟ أهو إسلام، على طريقة النصارى، لا شأن له بالسياسة وتدبير الدولة، بل شأنُه العاطفة الفردية والاختيار الشخصي، أم أنه إسلام لا تنفصل فيه السياسة وشؤون المعاش الدنيوية عن شؤون العبادة والمصير في اليوم الآخر؟ هل هناك من موجبات، من أصل إيماني أو فقه شرعي أو حكمة إنسانية أو اجتهاد راجح، للدعوة إلى تبني “اللائكية” في بلاد يدين أهلها بالإسلام؟ للفصل بين دنيا المسلمين وآخرتهم؟

حوار صريح ومسؤول يعبّر فيه كل ذي رأي عن رأيه، ويكشف فيه كلُّ ذي وجه عن وجهه حتى يعرفه الناس على حقيقته، بلا لفّ ولا دوران، ولا مخادعات ولا مغالطات؛ هل الإسلام هو النصرانية حتى يُفرض على المسلمين أن يسلكوا السبيل الذي سلكه الأوربيون للتخلص من سطوة الكنيسة والسير في طريق اللائكية التي لا تنفك عن صاحبتيها “العقلانية” و”الحداثية”؟ هل تاريخ المسلمين هو نفسه تاريخ النصارى حتى يُفرض علينا أن نتخذ مسار النصارى هاديا ومنقذا؟

حوار صريح ومسؤول تُطرح فيه الأسئلة الحقيقة من أجل معرفة حقيقية، وتوضع فيه الأصبع حيث ينبغي لها أن توضع من أصل الداء، حتى لا تضيع الجهود في بحث الظواهر والأعراض لاهيةً عن النفوذ إلى الجواهر والأعماق؛ هل الديمقراطية اللائكية اليوم، عند أصحابها الأصلاء، ناجحة بما يُغري باتباعها، أم أن سيئاتها، المتكاثرة هنا وهناك، باتت أكبر من حسناتها التي تعرضها النظريات المجردة والخطابات الأكاديمية؟

حوار صريح ومسؤول، تتقابل فيها الآراء، وتتناظر فيه المشاريع والاجتهادات، وتتعارض فيه الحجج والبيّنات، كل يدلي بدلوه بكل مسؤولية و حرية، بلا قيود ولا حدود ولا خطوط حمراء. فهل من مستجيب؟

لقد نادت الجماعة، وما تزال تنادي، من أجل ميثاق إسلامي، وكلّنا مسلمون، لبناء تُستثمَر فيه جهودُ جميع الصادقين، ويشارك فيه جميع الفضلاء الرافضين لدولة الجبر والتعليمات والمؤسسات الشكلية.

ولكن الظاهر، في رأيي، أن أصحابنا الديمقراطيين اللائكيين في مأزق، لكونهم أولَ من يعلم أن دعوتهم بعزل الدين عن حياة الناس لا يمكن أن يكون لها أثر فعّال بالحجم المطلوب إلا إذا أمكن تجريد الناس من عواطفهم وسلخهم عن مكنونات صدورهم، وهذا هو المحال. ولهذا السبب أساسا نرى أن أصحاب الدعوة اللائكية ما يزالون يتجنبون بكل الوسائل أن يجلسوا إلى طاولة واحدة مع الإسلاميين للمناظرة والحجاج والتحاور الصريح، ويكتفون بالطرق الملتوية والخطابات المراوغة والمقالات المغالطة، التي تنفعهم في مجتمع غالبيته من الأميين، وفي مجتمع ما تزال تفعل فيه الدعاية فعل النار في الهشيم.

مراكش في يوم الأحد: 24 يونيو 2007