انحنى ليقبل ابنه القبلة الأخيرة.. رسم فيها “الزهار” على جبين “الزهار” وسام الاستحقاق.. استحقاق الإسم واللقب والانتماء.

انحنى الأب تغمره عاطفة الأبوة.. وذرف دمعه أمام العالم على “فقد” نجله الأصغر ذي الاثنين والعشرين ربيعا.. فبكى الرجل وأبكى المحيطين به والمشاهدين عبر عدسات التصوير.

انحنى القائد الكبير في حماس، وملأى السنابل تنحني بتواضع، ليحيي الإبن “حسام” والعضو المجاهد في كتائب القسام على صبره في الجهاد وصدقه حتى الاستشهاد.

انحنى، وحين انحنى ارتفع وسما، ليتعطر الأب المجاهد والإبن الشهيد بنسائم الجنة ورياحين زفّ عريس جديد إلى الحياة الأبدية.

القائد والأب محمود الزهار.. إنه الرجل الذي يرسم بالدم والدمع أسطورة القدس، ويرصع بحركته وجهاده صورة فلسطين في قلب الأمة وضميرها.

“هذه ضريبة ندفعها من دمائنا ودماء أبنائنا”.. هكذا قال الرجل الذي حضر فيه الأب ولم يغب فيه القيادي المسؤول في حركة مسؤولة، فمن شاهده مساء الثلاثاء على شاشات الفضائيات، وهو ينعى 20 شهيدا من غزة الجريحة بعد الهجمة الصهيونية الهمجية، أو قرأ ما تناقلته وسائل الإعلام عنه حين ألقى نظرة الوداع على ابنه في مستشفى “الشفاء” بغزة، يدرك أن أرواح الأبناء والفلسطينيين غالية لكنها تقدم بحب وطواعية فداء للدين والوطن. قال الدكتور الزهار: “نحن نقدم هؤلاء الشهداء ليس من باب الترف وليس لأن قلوبنا متحجرة، فنحن آباء ونعرف ماذا يعني فقدان الولد، ولكن لأن فلسطين غالية ولأن الجنة أغلى، ولأن التحرير والكرامة أفضل”.

قبل أربع سنوات قدم الرجل ابنه البكر “خالد” شهيدا ضمن كوكبة الجهاد والشرف في فلسطين، التي استرخصت أرواحها في سبيل الله ذودا عن الدين والوطن والإنسان، كان حينها “خالد” يتحدث مع والده عن استعدادات زفافه، لكن طائرة “إف 16” الحربية “الإسرائيلية” دكت المنزل بقنبلة تبلغ نصف طن من المتفجرات، نجا الأب من محاولة الاغتيال، لكن نجله البكر استشهد وزف عريسا في السماء لا في الأرض، وأصيبت في هذا الحادث زوجة الدكتور الزهار وابنته الصغرى.

بعدها بسنتين اغتالت طائرات قوات الاحتلال “أحمد عوض” زوج “سماح”، الابنة الكبرى للرجل المجاهد، وقد كان “عوض” مسؤولا لوحدة التصنيع العسكري في كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

واليوم تقدم عائلة الزهار ابنا جديدا في طريق النصر والتحرير، وتسجل اسم ابنها الأصغر “حسام”، الذي اجتاز العديد من الدورات العسكرية الخاصة ليعمل ضمن وحدة حماية الشخصيات، في سجل ياسين والرنتيسي والمقادمة وعياش…

اللافت هنا أن فلسطين تقدم خيرة شبابها -علما وأخلاقا- للموت من أجل أن تحيى القضية، فـ”حسام” خريج كلية التجارة و”خالد” حاصل على الماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة، و”عوض” خريج كلية العلوم، و”محمود الزهار” دكتور في طب جراحة الحنجرة ووزير الخارجية السابق. لكن الشهادة الكبرى التي تفوق كل الشواهد هي الاستشهاد في سبيل الله فـ “كلنا مشاريع شهادة في سبيل الله” يقول الرجل.

نعم تدمع العين ويخشع القلب ويحزن المرء على فراق الأحبة، لكن معادلة الحياة والموت تُرى بحقائق الآخرة ولقاء الله سبحانه ونصرة الدين، وتَخضع لقيم الوطن والعزة والكرامة. قال الدكتور الزهار عند وداع ابنه حسام “إنني في وداع أحب الناس إلى قلبي… الفراق صعب، ولكن الذي يصبرنا هو دعاؤنا المستمر أن يثبتا الله، وعهدي إلى حسام وخالد وكل الشهداء أن لا نقيل ولا نستقيل حتى تحرير كل الأرض الفلسطينية ودخول القدس”.

أما رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية فقد اختزل كل هذه الصورة، وهو يتبرع بالدم في مستشفى الشفاء لصالح جرحى المجزرة، قائلا “هكذا هم القادة في المقدمة.. وهكذا أبناؤهم في المقدمة”.