الفصل الثاني: في تصور التغيير

منهاج النبوة في التغيير

الضلالة والهدىالضلالة

ذات أبعاد ثلاثة توازي أبعاد الإنسان الثلاثة من روح وعقل وجسد.

ضلالة الروح، الأنانية. وضلالة العقل، العقلانية المتمردة على خالقها. وضلالة الجسد، عوائد الفساد والغفلة عن الله واتباع الشهوات.

ضلالة تصيب الفرد والدولة والمجتمع.

يحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد. يظن أنه معجز الله في الأرض؛ فيطغى ويتجبر. يستغني بماله وجاهه وقوته.

” كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى” (سورة العلق الآية 6)

يحسب أن لن يقدر عليه أحد، حين يستغني بقوته فيطغى ويتجبر.

ويحسب “أن لم يره أحد”؛ فيفكر ويقدر وينظر غافلا عن الله، وتوجيه وحي الله يستغني الإنسان بعقله وجدله وتقليده آباءه، عن وحي الله وعلم الله، فيعمل على مقتضى علمه وتقديره.

ثم يحسب أن ماله أخلده؛ فيستغني بماله عن طلب الآخرة، والخلود في الآخرة. يحسب أن ماله أخلده في الدنيا؛ فيفسد ويعنف، ويجزع إن منع، ويمنع إن أعطي.

“إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً” (سورة المعارج الآيات 19-20-21)

هذا الإنسان يستغني بقوته عن قوة الله، ويظن أنه معجز الله؛ فيطغى ويبغي على عباد الله. ويستغني بعلمه، جدلا أو تقليدا، عن علم الله ووحيه، فيظن أن لم يره أحد، فيظن بالله ظن الجاهلية. ويستغني بماله عن ما ادخره الله في الآخرة، فتأكله الدنيا أكلا لما، من حيث يظن أنه يأكلها. يحسب أن ماله أخلده، فيجزع إن قدر عليه رزقه، ويمنع إن مسه الخير. وهكذا يفسد ويعنف.

هكذا يفتتن الإنسان فردا وجماعة؛ يعتد الإنسان بقوته فردا، كما تعتد الجماعة فتقول “مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً”. (سورة فصلت آية15)

يطغى الإنسان في المجتمع فيعم الشقاق والصراع “بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ”. (سورة ص آية 2)

ويطغى الإنسان حاكما فيستغني بسلطانه، ويقول للناس اتخذوني إلها من دون الله، ويظن أنه معجز الله.

يطغى الإنسان فردا فهو شقي، ويطغى مجتمعا فيعم الشقاق، ويطغى حاكما فيستضعف طائفة من الناس.

“إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ” (سورة القصص آية 4)

يستغني الإنسان بعلمه فردا، فينشأ من ذلك عقلانية الكفر وجدله وتقليده. ويستغني مجتمعا فتنشأ من ذلك ثقافته الدوابية، الغافلة عن معنى الموت والحياة والنشور. ويستغني دولة فينشأ من ذلك القوانين؛ تبخس الناس أشياءهم في الدنيا والآخرة. يستغني الإنسان بماله فردا وجماعة ودولة. فيسعى في الأرض فسادا، وعنفا. هكذا يضل الإنسان فيلهيه ماله وجاهه وجدله، وأمله في الخلود.

الهدى

وأما الإسلام، الحالة التي يراد التغيير إليها، فمستقره الرحمة وآلته الحكمة ومداره اقتحام العقبة. رحمة في القلب تفيض عن محبة الله، وحكمة في العقل تستنير بوحي الله، واقتحام بالعمل الصالح يحذوه طلب وجه الله.

يسلم الإنسان وجهه لله فردا وجماعة وأمة. ويرتقي ذرى الإسلام إسلاما فإيمانا فإحسانا.

يبدأ الوارد على الدين التائب مسلما، فتسوقه محبة المصحوب الدال على الله واتباعه، والإكثار من ذكر الله، والصدق في ابتغاء مرضاة الله، كل أولئك يسوقه إلى جنة الإيمان.

ثم ينعم العبد مومنا، فتسوقه خصال العمل مع الجماعة المومنة، يبذل المال والنفس في سبيل الله، ويتعلم العلم النافع الدال على الله، البصير بآيات الله في الأنفس والآفاق، ويعمل العمل الصالح؛ يعمر الأرض ومساجد الله، كل أولئك يسوقه إلى فردوس الإحسان.

ثم يحبر محسنا، فتسوقه خصال الرعاية لأمر الله وأمر المسلمين، بالتؤدة والرفق والتدرج والثقة في موعود الله، وبالاقتصاد المنتج العادل في قسمة الأرزاق، وبسمت الشورى والعدل في الحكم والعمران الأخوي، كل أولئك يسوقه إلى مقام الاستعداد للموت في سبيل الله ومحبة لقاء الله عبر الجهاد، ونية الجهاد.

هذا هو الدين كما علمه جبريل عليه السلام سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام: إسلام ثم إيمان ثم إحسان ثم انتظار للساعة. (اقرأ حديث جبريل)

يهدي الله الإنسان النجدين، نجد الاقتحام ونجد الكفر.

يقتحم عقبة كبره وأنانيته، فيسعى في فك الرقاب. يقتحم عقبة طمعه وهلعه فيطعم الطعام مسكينا ويتيما وذا حاجة. يقتحم عقبة عقلانيته الشاردة عن الحق فيذعن لمعاني الإيمان، وشريعة القرآن، وعلم القرآن. يكون ممن تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.

المؤمن عبد الله، والكافر عبد لهواه؛ مستكبر طاغ. المؤمن عبد لله، رحيم بخلقه، يسعى في تحريرهم وفك رقابهم من عبودية الأغيار. ومجتمع الإيمان تولى إلى ظل القرآن؛ ترى شمسه إذا طلعت تقرضهم مرحمة الإخاء ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم صبر الجهاد ذات الشمال.

عبد مؤمن خاضع لجلال الله، مستلهم الهداية من الله، ومحررا رقاب العباد؛ يخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. يتبع ما أوحي في القرآن، وذكر الله صقال قلبه، وفاتح مغاليقه، حتى يستنير بنـور القرآن. ومؤمن تحرر من رق المال وحب الدنيا؛ فأقبل ينفق في سبيل الله متوقيا شح نفسه والهلع فيها.

ومؤمن هو مجتمع الإيمان بربه، خاضع لجلاله، متواص بالمرحمة والحب في الله. من حيث الكفار في عزة وشقاق، المومنون هم في ذلة وإخاء، يتفيؤون ظلال هدي القرآن، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. وهم في طلب الآخرة في سعي حثيث، متواصين بالصبر في هذا السعي.