تقديم جريدة الوقت:

يقرّ الدكتور أحمد بوعود أن هناك فراغاً كبيراً في البحوث التجديدية الخاصة بقراءة القرآن الكريم وتفسيره داخل الإسلاميين، ويرى أن هذا الفراغ أدّى إلى نمو القراءات المعاصرة للقرآن الكريم والتي عمدت إلى استثمار العلوم الجديدة في قراءة النص وتحليل الخطاب، وفي حين نشأت ردود فعل قاسية تجاه هذا النمط من القراءات؛ فإنّ بوعود يتبنى موقفاً علمياً ولا يؤيد التوجّه إلى تضليل وتكفير أصحاب هذه القراءات، ويعمل بدلا من ذلك على تناولها بالنقد والتحليل والوقوف على سلبياتها عبر طرائق البحث العلمي، وهو ماض في هذا الاتجاه وأنجز كتاباً بهذا الشأن سيصدر قريباً، ويعرض بعض أفكاره في هذا الحوار الذي يدلف إلى موضوع آخر يتناول فيه وضعية الجماعات الإسلامية في المغرب، ففي الوقت الذي استرعت هذه الجماعات انتباه وإعجاب الإسلاميين في الشرق، فإن أموراً كثيرة مازالت غائبة عن هؤلاء بخصوص تحولات هذه الجماعات وأوضاعها الداخلية، ويُفضّل بوعود التطرّق إلى جماعة العدل والإحسان وحركة الإصلاح والتوحيد مشيراً إلى ما يميّز بينهما وما يقف حائلاً دون تلاقيهما.

الحوار: سؤال: يمثل النصّ القرآني محوريّة الإيمان الدّيني في الإسلام، وهو المرجعيّة الأساسية التي تستمدّ منها القيم والأحكام والتشريعات، ولكنه خضع لجملة من العمليات التأويلية التي جعلته يتحرّك في إطار تداولي مفعم بالتشابهات، وتأتي القراءات المعاصرة في مقدمة الفعّاليات التأويلية إثارةً للإشكال. ما تعليقكم النقدي العام على القراءات المعاصرة؟ وما هي أصول المقاربة القرآنيّة “”المعاصرة”” في رأيكم؟

الجواب: إن كثيرا من علومنا في حاجة إلى مراجعة وتجديد، وفي مقدمتها علوم القرآن التي يخشى كثير من الناس الاقتراب منها خوفا من الزلل والانزلاق إلى الكفر والضلال. وكثير ممن تصدّوا إلى قراءة القرآن الكريم قراءة معاصرة أو قراءة حداثية باستخدام العلوم الإنسانية والألسنية إنما فعلوا ذلك بسبب الفراغ المهول الحاصل في هذا المجال. لكن عوض الاكتفاء برمي أصحابها بالضلال والكفر، فإن الحاجة ماسة إلى النظر فيها لتمييز صوابها من خطئها، وبيان الرأي الذي يتفق مع الشرع والعقل والواقع واللغة. والمتأمل في أطروحات الحداثيين بشأن النص القرآني يجدها ذات مرتكزات ثلاثة: مرتكز من كتب علوم القرآن (البرهان، الإتقان…)، وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من المباحث في علوم القرآن تحتاج إلى مراجعة وتمحيص لاحتوائها على نصوص وروايات تخالف كمال النص القرآني وقدسيته. ومرتكز من الفكر الاستشراقي (ومن رموزه “”نولدكه””، صاحب الكتاب الضخم تاريخ القرآن، وبلاشير، صاحب ترجمة القرآن المشهورة وكتاب القرآن تاريخ تنزيله..). وهذا الفكر يعتمد المنهج الإسقاطي؛ حيث يسقط الصراع الذي دار عن الكتاب المقدس عندهم على النص القرآني. بل إنهم لا يؤمنون أن القرآن الكريم من عند الله، وإنما يعتبرونه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم وما شابه ذلك. وهناك مرتكز من الفكر الحداثي (فلسفة الأنوار، البنيوية، التفكيكية…)، وهذا الفكر ولد من رحم العداوة للكنيسة والدين، فيرفض الخضوع لأي سلطة فوقية سوى سلطة العقل، بل يدعو إلى القطيعة مع كل ما هو غيبي ميتافيزيقي.

سؤال: وماذا تقولون في الإنجاز القرآني أولاً للمفكر محمد أركون؟

الجواب: بالنسبة لمحمد أركون، فإنه يرى أن هناك ثلاث منهجيات في بحث الظاهرة القرآنية، وهي: المنهجية التيولوجية، والمنهجية التاريخية الأنتربولوجية، والمنهجية الألسنية السيميائية النقدية التفكيكية التي يتبناها. والمنطلق الرئيس للسيميائيات كان هو الحكايات الشعبية، وهي كما يقول روادها مطاردة للمعنى لا ترحم، بقدر ما يتمنع ويتدلل ويزداد غنجه، بقدر ما يكبر حجم التأويل ويزداد كثافة وتماسكا ويؤدي إلى “انزلاقات دلالية لا حصر لها ولا عد” حسب تعبير أمبيرتو إيكو. ويهدف الدرس السيميائي إلى تخليص حقول المعرفة الإنسانية من القيود الميتافيزيقية التي تكبلها. أما التفكيك فهو من المصطلحات المتداولة في الدراسات النقدية المعاصرة، ويرتبط بهـايدغر(Heidegger) (1976)، قبل أن ينتشر في الفكر الفرنسي المعاصر على يد اليــهودي جـــاك دريـدا (Jacques Dérida)(2004) ابتداء من سنة 1967، ويقصد به القطيعة مع الميتافيزيقا والخروج من سلطتها، بل كل فكر غيبي ميتافيزيقي ماورائي ينبغي تقويضه لإعادة البناء. وأشير إلى أن هناك دراسة بعنوان “”الظاهرة القرآنية عند محمد أركون”” ستصدر لي قريبا بالمغرب إن شاء الله.

سؤال: كذلك ينصبّ اهتمام المفكر محمد عابد الجابري على مشروعه في نقد العقل العربي، على دراسة القرآن.. وفي الموضوع نفسه عُرف نصر حامد أبو زيد بهذا الاختصاص. فما هي نظرتكم لعملهما في هذا المجال؟

الجواب: محمد عابد الجابري يمكن وصف منهجه بالفيلولوجي، لأن حسب آخر ما صدر له “”التعريف بالقرآن الكريم”” اكتفى بإيراد الروايات والنصوص وقابل بعضها ببعض في حدود من الأدب مع كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وعليه، أرى أن الكتاب يمكن أن يكون مفيدا لمن يريد التدقيق في نصوص علوم القرآن حيث يقدم مادة ضخمة للمهتمين، وإن كنت لا أتفق مع الجابري فيما توصل إليه من نتائج. وبخصوص نصر حامد أبو زيد، فإنه يعمل على واجهتين: الأولى: دراسة علوم القرآن، من أجل تأكيد تأثر النص القرآني بواقع نزوله، وذلك من خلال دراسة مباحث المكي والمدني وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. والثانية: تأويل آيات من النص القرآني من خلال تطبيق درسي السيميوطيقا والهيرمينوطيقا. وتعتبر هيرمينوطيقا هانس جورج غادمير (2002) مستندة في التأويل. هذه الهيرمينوطيقا التي تنتمي إلى المنهج الفينومينولوجي تذهب إلى أن التوتر القائم بين الحاضر والماضي عمل محوري في الفهم والتأويل. وملخص هذه الهيرمينوطيقا، التي تسمى أيضا بهيرمينوطيقا الوقائع، أن التأويل أو الفهم هو التحام أفق القارئ مع أفق النص، وكل فهم هو فهم تاريخي يتغير بتغير أفق القارئ وخبرته وواقعه. إن عمل نصر حامد أبو زيد غايته إثبات تأثر القرآن بواقع نزوله ومن ثم تأكيد تاريخيته.

سؤال: وما هو المنهج الذي ترونه في إطار التعاطي مع مجمل القراءات المعاصرة أو الحداثية للقرآن؟

الجواب: في الخلاصة يمكن القول في ذلك، إن هناك حاجة ماسة إلى عدم سلوك منهج التكفير تجاه أصحاب هذه القراءات، فالنوايا يعلمها الله، وإنما يجب مواجهة الفكرة بالفكرة. ولابد من مراجعة نقدية لتراث علوم القرآن وتنقيته مما لا يتفق وقدسية النص القرآني. وسبر أغوار النظريات المعاصرة في الفهم والتفسير، وبحث اللسانيات والعلوم الاجتماعية الحديثة، ومراجعة القواعد التفسيرية في تراث علم التفسير. وكل هذا من أجل الوصول إلى فهم معاصر للنص القرآني ينضبط بضوابط الشرع واللغة والعقل والواقع.

سؤال: تتنوّع الحركات والجماعات الإسلاميّة في العالم العربي والإسلامي، وهي ظاهرة يمكنها نظرياً أن تؤكد فكرة الحركة الاجتهاديّة في الإسلام وإمكانات التعدّد الفكري داخل الإسلام، ولكن يشهد الواقع تحوّل هذا التنوّع إلى أشكال مختلفة من المواجهة والصراع الفئوي. وثمة في المغرب جماعات إسلاميّة متنوّعة بتنوّع رؤاها وبرامجها، وقد عدّ كثيرون النموذج المغربي الإسلامي في مقدّمة النماذج الباعثة على الافتخار، غير أنّ السّاحة هناك لم تكن هادئة، وكان كتاب الشيخ فريد الأنصاري حول أخطاء الحركة الإسلامية شاهدا جليا على ذلك. من منظوركم البحثي ما هي المآلات المستقبلية للحركة الإسلامية في المغرب؟ ما هي أوجه التلاقي والتفارق بين الجماعات الإسلامية في المغرب: (مثلا) جماعة الشبيبة الإسلاميّة، جماعة العدل والإحسان، حركة الإصلاح والتجديد، البديل الحضاري..؟

الجواب: بالفعل، يعرف المغرب تنوعا في العمل الإسلامي بتنوع الرؤى والبرامج، وكذا العلاقة مع النظام الحاكم. وسأتكلم هنا عن جماعة العدل والإحسان وحركة الإصلاح والتوحيد باعتبارهما الحركتين الكبيرتين بالمغرب. جماعة العدل والإحسان، مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين صاحب المؤلفات الكثيرة ذات البعد التنظيري في مجالات التربية والفكر والدعوة… أُسّست في أوائل الثمانينات، حيث كانت تعرف بأسرة الجماعة. وكان الأستاذ عبد السلام ياسين قبل ذلك قد وجّه رسالة نصح إلى الملك الراحل في بداية السبعينات بعنوان “الإسلام أو الطوفان” وخلاصتها الدعوة إلى توبة عمرية (نسبة إلى عمر بن عبد العزيز)، فكان مآله السَجن بمستشفى المجانين! قبل تأسيس الجماعة طاف الأستاذ ياسين على الفاعلين الإسلاميين بالمغرب (من جمعيات، علماء وغير ذلك…) بغية توحيد الجهود والعمل داخل حركة واحدة، لكنه لقي صدّا وإعراضا، فبادر إلى تأسيس الجماعة التي كانت تعرف آنذاك بأسرة الجماعة.

سؤال: ما الذي يميّز هذه الجماعة بحسب وجهة نظركم؟

الجواب: ما يميز جماعة العدل والإحسان عن غيرها من الحركات الإسلامية داخل المغرب وخارجه هو توفرها على منهاج تسير عليه منذ تأسيسها. وقد سماه مؤلفه الأستاذ عبد السلام ياسين “”المنهاج النبوي.. تربية وتنظيما وزحفا””؛ وكما يتضح من العنوان فالمنهاج هو طريق الجماعة في التربية والتنظيم والزحف من أجل تحقيق غايتي العدل والإحسان. هذا المنهاج، إضافة إلى شخصية مرشد الجماعة الذي جمع بين التربية النبوية والعلم والجهاد، ضَمِن للجماعة وحدة تصور ووحدة في السلوك. أقول هذا رغم ما تعانيه الجماعة من تضييق وخنق من قبل النظام الحاكم.

سؤال: وماذا عن حركة الإصلاح والتوحيد التي تأخذ حضوراً أكبر في الساحة والإعلام؟

الجواب: أما حركة الإصلاح والتوحيد فهي مزيج من جمعيات لا يوجد بينها رابط فكري أو تصوّر يجمعها، وهذا ما يفسر الانسحابات والانشقاقات الكثيرة التي وقعت للحركة، كما هي حالة الدكتور فريد الأنصاري، الذي يعتبر كتابه “”الأخطاء السنة للحركة الإسلامية” صرخة أفصحت عن جرح عميق. ولعل ذهاب كثيرين من رجال الحركة إلى العمل الحزبي ضمن حزب العدالة والتنمية أضعف الحركة إلى حدّ بعيد، سواء على المستوى البرنامجي أو على مستوى الأطر الفاعلة. ذلك أن هذه المشاركة في اللعبة السياسية، كانت على حساب النضج الفكري والتنظيري، بل زادت من تراجع وضمور هذا النضج، ويرجع هذا إلى استفراغ الجهد في السياسي، وغياب أطر فكرية قادرة على بلورة تجديد فكري.

سؤال: وماذا عن ممكنات التلاقي والتقارب بين الجماعات الإسلامية المغاربية؟

الجواب: إن التلاقي بين مكونات الحركة الإسلامية في المغرب يمكن أن نقيسه بمدى الاقتراب أو البعد من النظام، فضلا عن التصور الخاص بكل مكون من هذه المكونات. ففي ظل النظام الملكي الحاكم لا أرى تقاربا بين هذه المكونات؛ إذ كيف يمكن أن تجتمع حركتان -أو أكثر- إحداهما مستمالة من قبل الدولة، وتدافع عنه، والأخرى منبوذة مضيّق عليها يضطهد ويتابع أعضاؤها؟ لكن مع هذا وذاك، فحبل المودة والإخاء والدعاء بظهر الغيب موصول بين جميع الأطراف. ويمكن القول، حسب تعبير الباحث المغربي الدكتور محمد ضريف، إن النظام المغربي وصل إلى الباب المسدود في تعامله مع جماعة العدل والإحسان، أكبر الحركات الإسلامية والمعارضة الأولى بالمغرب، وقد جرّب معها جميع الوسائل ولم تنفع، ولم يبق أمامه إلا أن يفسح لها مجالا للتحرك حتى يظهر ما عندها مما يمكن أن تسهم به في المشهد السياسي المغرب… وعندها يمكن أن نتحدث عن تقارب وتعاون بين مكونات الحركة الإسلامية المغربية.