تقـديـم: الـولاء هو الميل القلبي والانجذاب العاطفي لشيء معين مبدءا كان أو فكرة أو مشروعا، ومن مقتضيات الولاء البذل والتضحية؛ والولاية -بفتح الواو- رابطة قلبية تعني النصرة، والموالاة ضد المعاداة. وعليه، فالـولاء رابطة قلبية أساسها الحب، روى الطبراني عن الإمام علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن،…”. لذلك كان هدف التعليم وما يزال في سائـر المجتمعات “هو غرس الولاء المبكر في النفوس. إما الولاء لحضارة وتقاليد أسرية قومية، وإما الولاء لدين، وإما الولاء لشخص حاكم…”(1)

علاقة الـولاء بالتنمية: في هذا المقال، نسلط الضوء على عنصر الولاء في مجتمعنا وعلاقته بالفشل في مسيرة التنمية التي غدت سرابا ووهما رغم ما ينفق من أجلها من جهود وأمـوال طائلة؛ ذلك أن الولاء يغرس في النفس باعثا داخليا يوجه الإنسان ويمضي به في “حركة عامة تصنع مناخ الحماس، بل مناخ الإرادة والعزم والعمل الجاد. فإذا كان النداء لا يثير ولا يعبئ لغربته عن الأسماع النفسية، وكان التوجيه معاكسا لميل الناس، وكانت الحركة اضطرابا ودورانا، فينبغي مراجعة النظام التربوي التعليمي من أساسه. ينبغي اتهام الباعث المزيف الذي تمج الفطرة صوته، وتعصي توجيهه، ولا تمنحه من ذات جهدها إلا رغبا في الجـزاء العـاجل ورهبا من سطوة القائل الآمر، ولا تسير بسيره إلا مغلولة مجرورة… هذا هو موطن الداء..”(2)

الـولاء بما هو تضحية وبذل يقوم على نكران الذات “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.”3)، ويتنافى مع الأنانية والأثرة (ضد الإيثار) والجري وراء المنافع الشخصية أو الأسرية أو حتى الحزبية والفئوية، وحيث إن العقلية السائدة في المجتمع والتي كرستها المنظومة التربوية من خلال الممارسة هي التي تلخصها عبارة:”أنا وبعدي الطوفان”، يتجلى ذلك في واقع المجتمع واضحا، بل غدا قاعدة مع الأسف، ونكتفي ببعض المظاهر والصور، ومنها:

1. استغلال المناصب والسلط لتحقيق مصالح شخصية أو أسرية أو حزبية فئوية، ويعلم الله كم من أطنان الوقود، وسنوات المكالمات الهاتفية تؤدى من خزينة الدولة لفائدة مآرب شخصية، وأصبح استعمال سيارات المصالح ذات الميم أو الجيم الحمراوين خلال العطل وخارج وقت العمل استعمالات شخصية أمرا عاديا.

2. نظام الامتيازات المعمول به في سائر الأسلاك الوظيفية، وخير مثال على ذلك الهستيريا التي تطبع الاستحقاقات البرلمانية، إذ البـرلمة (اكتساب صفة برلماني) وسيلة للاغتنـاء وقضاء المنافع الشخصية أو الأسرية، ولعل هذا هو الذي يفسر التهافت المحموم لشراء الأصوات، بل والحصول على تزكية الحزب قبلا، لكل شيء ثمن، هذه هي الشفافية في الطبعة المغربية.

3. تغييب مبدإ المحاسبة والمتابعة، إذ لا تحتفظ ذاكرة المواطن المغربي بمتابعة مسؤول سام في الدولة بتهمة الاختلاس، وملف الملاييـر المنهوبة من مؤسسات مالية من بنوك وصندوق الضمان الاجتماعي تفوق في مجموعها ديـون المغرب الخارجية، طوي بعد أن توصلت لجان المتابعة في هذا الشأن إلى أن الأمر يتعلق بسوء التدبير وليس السرقة المدروسة. وفي فرنسا يتابع رئيسها السابق جاك شيـراك بتهمة توظيفـات مشبـوهة لما كان عمدة لبلدية باريس؛ وهنا نـذكر السيد الوزير الأول عباس الفاسي بالشعار العمري -نسبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه- الذي سبق أن رفعه حـزبه: “من أين لك هذا؟”.

4. تكميم الأفواه والأصوات التي تكشف التلاعب بالمال العام، بل والزج بها في السجون بتهم مزيفة، وأبلغ مثال ملف التلاعبات في تمويل ومؤن المؤسسات العسكرية.

هذا غيض من فيض، نتيجته قتل الضمير المهني ووأد الصالح العام في النفوس، فأصبح المال العام مستباحا، ومصالح العباد مضيعة، وتقوقع الصادقون “وقليل ما هم”، وحوصروا بمنطق التعليمات، فضاعت الحقوق، وفشا الفقر، وهوت البلاد وتقهقرت في سلم التقاريـر الأممية للتنمية.

سبل بناء الـولاء السليم: لغـرس الولاء، أي ولاء، سبيلان: تربوي تعليمي، وعملي ميداني. فعلى قدر الـولاء قوة وصفاء وموافقة للفطرة يكون الانبعاث والانخراط في المشروع، وإنما تفشل المخططات والمشاريع عموما لعجـزها عن تعبئة النفوس وشحذ الإرادات نتيجة خلل في الخطاب التعبوي أو فشل في المنظومة التربوية التي تمثل مجموع القيم والمبادئ والأخلاق انطلاقا من هوية حضارية تتأسس على تصور معين للإنسان والكون والحياة، تأتي التربية والتعليم لتصريفها وتنـزيلهـا.

ومن أجل بناء ولاء سليم يضمن انخراطا إيجابيا في البناء وتحملا لأعبائه، بل ويذكـي الباعث للمسـارعة دون تـوان للتضحية خدمة للصالح العام، لا بـد من تصحيح المنظومة التربوية العامة للمجتمع، والنظام التربوي التعليمي أسـها ونقطة ارتكازها انطلاقا من:

1. الحسم في الهوية الحضارية بما هي مرجعية كل منظومة تربوية وموجهها، والملاحظ في الممارسة المغربية هو الغموض والالتواء والتذبذب والتردد، ولعل المتداول في الخطاب الرسمي أن المغرب بلد إسلامي عربي إفـريقي أمازيغي حداثي، تعددية في الولاء أردت الأمة في مهاوي التخلف والفقـر، “وسيبقى المسلمون لقطاء متطفلين في عالم العلوم والصنائع ما دام تعليمهم لا يرتكز على لغة القرآن في المجالين التربوي القلبي والتعليمي الفكري، مسايرا هذا لذاك، موصولا به مستقيا من مبناه ولفظه ومعناه.”(4)، تعددية أنتجت منظومة تربوية مرتبكة، من تجليـاتها التناقضات السلوكية والخلقية المهددة للسلم الاجتماعي: حفل عبدة الشيطان بالدار البيضاء، وعرس القصر الكبير نموذجان.

2. مشروع مجتمعي متوافق عليه ينسجم مع هوية الشعب، ويستجيب في أهدافه لحاجياته الآنية والمستقبلية.

3. تعليم نافع يغرس في النفوس حب الخير، وينمي فيها الاعتزاز بالكرامة، ويكتشف الملكات والقدرات ويطورها ويوجهها خدمة للصالح العام، من خلال ارتباط المشاريع التعليمية بالتنمية، وتجاوزا لمقولة: التعليم عبء على خزينة الدولة.

4. الحقوق والحـريات العامة تعلما وممارسة، فحقوق الإنسان قنطرة الرقي وبوابته، ومعيار توفـرها يقاس بما يبذل من جهود لتعليمها وترسيخها في النفوس، وما يوفـر من ضمانات لتتحول إلى سلوك يومي في بيئة تحفز على الابتكار والاقتراح، وتتيح المشاركة في صناعة القرارات.

5. تخليق الحياة العامة من خلال تفعيل آليات المراقبة وحماية المال العام ومحاربة ظواهـر الاغتناء غير المشروع.

6. توفير العدالة الاجتماعية وتربية المجتمع على القسمة العادلة في المسؤولية والأعباء كما في الثروات. كتب والي مصر لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يستأذنه في بناء سور حول القاهرة لحمايتها من اللصوص، فأجابه رضي الله عنه: “سيّجها بالعـدل”. فمتى يقتنع المسؤولون أن المقاربات الأمنية لا جدوى منها، إن لم تكن تؤدي إلى نتائج عكسية؟

7. توفير مناخ سليم للمنافسة في جميع المجالات على قاعدتي: تكافـؤ الفرص وتحـريـر المبادرات.

خـلاصـة: الولاء رابطة قلبية، بحسب ما تتميز به من موافقة للنفوس ومراعاة للطبع السليم وقوة في الخطاب ونموذجية صاحب المشروع أو حامله يكون الانجذاب والاستعداد للعطاء بذلا وتضحية، ولنا في المشروع الإسلامي المثال الناصع، فقد استطاع النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن يعبئ أمة في سقف زمني قياسي ويخرجها من موات في أعظم رسالة تحريرية للإنسانية جمعاء، مشروع تغييري كرم الإنسان، وساوى بين الناس، وقعد للعدالة الاجتماعية، وشجع على المبادرة والاقتراح، وفوض التصـرف لأهل الاختصاص، فعـزت الأمة بين الأمم…

إن الأزمة ليست أزمة مخططات أو مشاريع تنموية، بل أزمة ثقة وأزمة خطاب لما غاب المشروع المجتمعي الذي يحرك الوجدان ويوقظ الباعث للبذل والعمل، ويعتبر كل فرد نفسه مسؤولا عن نجاحه، مساهما في مجال اختصاصه لانبعاث الأمة وعـزتها مسترشدا بالأثـر المشهور: “أنت على ثغـرة من ثغور المسلمين، فلا يؤتَيَنّ المسلمون من قبلك!”.

فإلى أن يستفيق حكام المسلمين من سباتهم القروني، فيتصالحون مع شعوبهم وهويته، ويصدقونه النية والعزم على تدشيـن أوراش انبعاث الأمة، نهمس في آذانهم أن إسلام الأمة وإيمانها هو وحده الكفيل ببناء ولاء سليم تتجاوب معه الشعوب، وأن المشروع الإسلامي مؤهل لإنقاذ مجتمعاتنا والبشرية مما تعانيه اليوم من ضنك وتيه وويلات واستباحة للكرامة البشرية، متى انبـرى المسلمون للاضطلاع برسالتهم إلى البشرية جمعاء، من خلال نموذج يجلي الإسلام في حقيقته قولا وخلقا وعملا وسلوكا، اجتماعا واقتصادا وحكما…

—————————-

1. حوار مع الفضلاء الديمقراطيين / عبد السلام ياسين ص:152 وما بعدها.

2. نفس المرجع، ص:154.

3. سورة الحشر، الآية:9.

4. حوار مع الفضلاء الديمقراطيين للأستاذ عبد السلام ياسين ص:161.