ماهية الوثيقةالوثيقة التي تحمل عنوان “جميعا من أجل الخلاص” والصادرة عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والاحسان في دورته الثانية عشرة يومي 8 وَ9 دجنبر 2007 هي وثيقة سياسية تتكون من تسعة عناوين فرعية تلخص في مجموعها موقفا سياسيا شرعيا من واقع سياسي معاش، (الجماعة لا ترضى بهدف اجتماعي سياسي جزئي دون العدل الشرعي)، وثيقة تصف الواقع كما هو، دون تحفظ أو تمويه، وتشخص الأزمة التي يتقلب فيها المغرب بما هي عليه دون تهويل ولا تهوين، ثم تحدد المسؤوليات بجرأة ناذرة، وتربط المعلولات بالعلل بطريقة واضحة، ثم تقترح البديل والمدخل إليه بطريقة غير مسبوقة، وهي تستحضر مختلف العقبات التي تمنع الناس من الالتفاف حول المشروع التغييري الذي تبشر به جماعة خُبِّر صدقها وثباتها أزيد من ثلاثة عقود.

الوثيقة ليست موعظة، ليست قُلْ كلمتك وامشِ، لا تريد إبكاء الناس وتكريس يأسهم، بل هي نداء تاريخي عملي مشهود ومسئول، تضاف إلى وثائق وإنجازات ميدانية حققتها الجماعة طيلة العقود الثلاثة التي خلت، والوثيقة لا تحمل موقفا جديدا وإنما تُجدد موقفا ثابتا. هو نفسه المبتوت في “الإسلام أو الطوفان” وفي “رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام: قول وفعل” وفي “مذكرة إلى من يُهِمه الأمر” (1)، وفي كثير من الكتب والأشرطة والمحاضرات والحوارات والمقالات والتحليلات والمهرجانات والمؤتمرات.

الوثيقة شهادة: إذ من الواجب على المؤمنين أن يكونوا شهداء بالحق والقسط مهما تلبدت سماء الواقع، ولا يخشون في الله لومة لائم ولو نُشِّروا بالمناشير، فهم بقية نورانية تتمثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط}، ومن معاني الشهادة لله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاهتمام بالأمر المسلمين. ورأس المنكر الظلم والبغي.

الوثيقة نصيحة: قال صلى الله عليه وسلم: {الدين النصيحة}. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: {لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم} (متفق عليه). وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: “بايعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم” (متفق عليه). والنصيحة تتوجه إلى الجميع ولكن على قدر المسؤولية تأتي طبيعة النصيحة.

قد يقول قائل وماذا ستفعل هذه الوثيقة؟

الوثيقة إبراء للذمة وإقامة للحجة وإسداء للنصيحة وتبليغ للأمانة وتحميل للمسؤولية ومد يد التعاون والتوافق والحوار والإنجاز. و”فوق طاقتك لا تُلَامْ”. ومن الأنبياء من لم يؤمن معهم أحد، ومنهم من قُتل، ومنهم من رُفِع، وجميعهم كُذبوا ولفقت لهم الإشاعات الكاذبة، لكنهم صبروا شاهدين بالقسط، مبشِّرين ومنذِرين وداعين إلى الله بإذنه وسُرجا منيرة. ما منعهم التكذيب والإعراض والتلبُّد عن التبليغ والاستبشار والاستمرار.

الرسالة تحمل يقين التغيير ومشروع التغيير ومدخل التغيير وأطراف التغيير، وليست ملتمسا باردا يقنع بِطَلاء وصباغة، إنها دعوة إلى الخلاص، أي الانتهاء الكلي من وضعٍ يذمه ويكتوي بناره الجميع، وتشييد وضعٍ أحسن ينعم فيه الجميع بالحرية والعدل والأمن والكرامة.

أما التقارير والمعطيات والأرقام والآلام الصادمة الواردة في الوثيقة فهي متداولة بين السياسيين والإعلاميين ولا تتطلب جهدا خاصا للحصول عليها، ولكنها تتطلب جهدا في تجاوز النظرة السطحية الجزئية إلى التحليل العميق والجريء، وذلك برد الأسباب إلى مسبباتها ووضع الإصبع على الجراح، ثم اقتراح البدائل الشاملة الممكنة بشجاعة ومسؤولية، والاستعداد الحقيقي للانخراط في بناء جماعي تشاركي بديل.

عناصر الوثيقة/الرسالة؟الوثيقة رسالة من مُرسِل (ملقي/مخاطِب) معلوم إلى مُرسَل إليه محدد وبينهما مضمون معين، بعضه تحمله العبارة، وبعضه يفهم من الإشارة. كل ذلك في سياق مرجعي واضح، فما هي عناصر هذه الرسالة؟

1- المُرسِل: هو جماعة العدل والإحسان التي لم يعد يجهل أحد أنها مدرسة إسلامية تفهم الإسلام فهما شموليا وسطيا شهوديا، يربط ما هو تربوي إيماني بما هو تنظيمي سياسي، بما هو فكري معرفي، وهي تنظيم نشيط داخل مختلف جهات المغرب وخارجه، ومنتشرة بحمد الله في جميع دول العالم، بل هي أكبر تنظيم سياسي منظم في المغرب، بشهادة الخصم قبل الصديق (2)، والجماعة قانونيا هي جمعية ذات صبغة سياسية، مما يعني أنها ليست زاوية للتبرك والتوظيف. وإنما هي طائفة من المسلمين تتبنى الإسلام كاملا دعوة ودولة، تهمُّما فرديا وخلاصا جماعيا.

2- المرسَل إليه: كل من يهمه الأمر من فاعلين سياسيين واقتصاديين وأهل الدعوة وفعاليات حقوق الانسان وجميع العقلاء والفضلاء الديمقراطيون، “وعموم الأمة وكل من لهم غيرة على هذا البلد” أو كما قال الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي: “رسالة إلى الغيورين في هذا البلد على أنه آن الأوان لكي نجتمع جميعا حول مشروع يخرجنا من الورطة التي نعيش فيها” (3) وتقول الوثيقة: “إن جماعة العدل والإحسان تتوجه في هذه الظروف بهذه الرسالة إلى الشعب المغربي المسلم وإلى مختلف قواه الحية، ترسيخا لمبدأ الجماعة في الصدق والوضوح والصدع بالحق مهما كانت تبعاته” فقرة 2

3- مضمون الرسالة: هو دعوة مفتوحة للتعاون الجدي من أجل تخليص البلاد من الانهيار الشامل الذي أصابها في مختلف المجالات، الاجتماعية، الأمنية، الاقتصادية، السياسية والدينية، وبشهادة الجميع في الداخل والخارج. هي صيحة في ضمير العقلاء بُغية حثهم على التغيير الحقيقي الذي يلامس جوهر الأوضاع لا الذي يتشبث بالسراب، فهل لنا إرادة جادة وعازمة على التغيير أم أننا ننتظر أن يُفعل بنا ولا نفعل؟

ومنطق التغيير يتطلب الإعداد والمواجهة والصبر ودفع الثمن، ولنتذكر وصية سيدنا لقمان عليه السلام لابنه وهو يلخص له المطالب الشرعية في كلمات جامعة “يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور”، الأمر بالمعروف مواجهة ميدانية، والنهي عن المنكر مواجهة ميدانية. “واصبر على ما أصابك”.

4- سياق الإرسال: جاءت الرسالة متزامنة مع الانهيار العام الذي تعرفه البلاد في جميع المجالات، وخاصة بعد مهزلة 7 شتنبر 2007 التي لعنها أكثر من 80 في المائة من المغاربة، ولعن ما تلاها من عبث سياسي وغلاء في الأسعار وانفلات أمني وانتشار للرذيلة المحمية وفشل في مخططات إصلاح التعليم وتدني الخدمات الصحية ومضاعفة الخمارات (حيث رخصت وزارة الداخلية لأزيد من 400 محل لبيع الخمور، جريدة التجديد، عدد 1800)…

فالسياق العام يجمله استمرار واستدامة عاهات خطيرة: الوراثة، الدستورانية، الانتخابانية، الصورنة الحكومية، التشرذم الحزبي، الانحلال الخلقي… كل ذلك له بؤرة واحدة لخصها الأمين العام للدائرة السياسية الأستاذ عبد الواحد المتوكل بقوله: “معضلة المغرب الأساسية هي مشكلة الاستبداد والتسلط المخزني” (4).

ما العمل؟التشخيص الدقيق واجب شرعي ومطلب سياسي، لكننا لسنا مدرسة وصفية تمتهن تصوير الوقائع بسوداوية قاتمة بلا رابط وبلا تحليل ولا نقد ولا معالجة. إن الوصف الدقيق لا يكفي إذ نحتاج إلى “علم الخطوة” لا إلى “علم الخطبة”، نحتاج إلى وعود ناجزة لا إلى شكاوى عاجزة، نحتاج إلى جهاد البناء لا إلى أماني الانتشاء.

فأغلب ما في الوثيقة من وصف يتفق عليه أغلب الناس، ونُشر في وسائل الإعلام بالتفصيل، وإن لم يتحل الناس بالشجاعة الكافية لتسمية الأشياء بأسمائها، ناهيك عن القومة في وجه الظالم ومصارحته بظلمه، لا حُبا في الظهور وإنما أداء للأمانة الشرعية والمسؤولية السياسية. قال صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له ظالم فقد تُوُدِّعَ منها) رواه الحاكم بسند حسن.

بقي العلاج، الحل، سبيل الخلاص، ما هو؟

يصح توزيع مواقف الناس من طبيعة الواقع السياسي الذي نعيش فيه إلى ثلاثة أصناف:

1- صنف يقول: لا يوجد مشكل/أزمة في الحُكم، وبالتالي لا فائدة من الحديث عن البديل أو عن الحل أو الخلاص.

2- صنف يقول: يوجد مشكل/أزمة، لكن لا يوجد حل، وهذا الصنف فريقان:

أ‌- فريق يائس من الحل، حيت يرى أنه من المُحال أن تتغير أوضاعنا نظرا لمشروعية الفساد التاريخية.

ب‌- فريق مستبشر، لم ييأس من التغيير لكنه لم يلمس له أثر، حيت لم يعثر على مشروع من الحجم والعمق والقوة ما يكفي لزلزلة الفساد وإحداث التغيير إلى التي هي أحسن، ويضمن عدم السقوط في فوضى مفتوحة. فهو لا ينفي وجود الحل نهائيا لكنه ينفي جاهزيته الآن.

3- صنف يقول: يوجد مشكل/أزمة ويوجد حل: بل توجد مشاكل وتوجد حلول، ويصلح أن نميز فيه بين تصورين:

أ‌- تصور يرهن التغيير بالاستمرار، أي أنه يستبعد الإصلاح إلا بشرط “الباراديغم” القائم. فيقلص مدخل التغيير في عدم التغيير. يفضل الاستعطاف على المواجهة.

ب‌- تصور يعي حجم الأزمة كما هي، ومنفتح على القبول والمشاركة في كل الإمكانات التغييرية السلمية والواقعية والجماعية الجذرية، التي تحدث إصلاحا حقيقيا في واقعنا الفردي والجماعي، وتحمي بلادنا من جميع الانزلاقات المحتملة. وهذا  في نظري- هو التصور الإجرائي القمين بالمدارسة.

لهذا فالوثيقة غير موجهة للاستهلاك الإعلامي، وإنما موجهة من أجل التعاطي السياسي مع القضايا التي تطرحها للتفكير والحوار والعمل. لذلك فهي تطرح أرضية فكرية وسياسية تستشرف المستقبل المغربي الجديد، وتؤسس لمنطق وأفق النهوض الجماعي الحقيقي.

لماذا الحل الجماعي؟عنوان الوثيقة يلخص الحل في ركنين كبيرين ضروريين مها: رُكن “جميعا” نتعاون، ورُكن تحقيق “الخلاص”، وكل حل يحقق هذين الركنين فالجماعة تؤيده وتشارك فيه، اعتقادا منها بأن البواعث الإيمانية تربي على أن “الجماعة رحمة والفرقة عذاب” كما جاء في الحديث، و”عليكم بالجماعة”، والله تعالى يخاطبا في القرآن الكريم جماعة ويحثنا على التوبة والاستجابة جميعا، ثم إن عُمق الأزمة يفرض جماعية الحل، وطبيعة المطالب والآمال تتطلب التعاون على النهوض بجليل الأعمال، وهذا يوجب ضرورة التعاون وتكاثف الجهود لإصلاح ما حصل إفساده في زمن طويل وفي مختلف المجالات والقطاعات. وكفانا تفردا وتخلفا وأمية وضعفا أزيد من خمسين سنة بعد جلاء المستعمِر العسكري.

وسبب الشتات والفرقة في نظري هو معيارية التفرد، قال الله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا}، ففرعنة فرعون وعلوه في الأرض يرجع إلى قدرته على تفريق بني إسرائيل، عملا بقاعدة استبدادية قديمة: “فَرِّق تسُد”، فجاءت رسالة الأنبياء ومن معهم وعقل حكمتهم لتواجه منطق الإفساد والاستبداد على جميع المستويات، من أجل الخلاص من الظلم والبغي والعسف والكفر والاستعباد. والخلاص النموذجي، الجذري، العميق والمستمر لا يكون إلا جماعيا. وإلا أبدلنا الاستبداد باستبداد مغاير ومغامر.

أي مجتمع تقترحه الوثيقة؟جاء في الوثيقة: “إن جماعة العدل والإحسان لمع الشعب ومع مختلف فاعليه على العهد الدائم بحول الله، عهد الثبات على المبادئ المشروعة دون استكانة أو جبن أو ركون إلى ظالم، وعهد الوفاء لدين الإسلام وللمطالب المشروعة لهذا الشعب في إقرار مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة، وعهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد من أجل تحقيق هذا المجتمع الذي نتطلع إليه جميعا”.

أما القضايا التفصيلية الجزئية فلم يحن وقتها بعد، لأن الأمر يتعلق بمجموعة مكونات، وبالتالي فالتفصيل يأتي في مرحلة مابعد الاتفاق على القضايا الكلية الجامعة، ولن ينفرد بطرحها طرف واحد وإنما هي محط تعاون ومناقشة وتوافق بين الجميع حتى نشيد مجتمعا “حُرا وديمقراطيا وناميا وآمنا وحقوقيا ومتصالحا مع ذاته وكل مكوناته…مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الإقتصادية الحقيقية، والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغداء والاستقرار والصحة والمعرفة…” (الفقرة الأخيرة)

فهل تتجاوز مطالب العقلاء مجتمعا أخويا كهذا؟ وهل لفاضلٍ المصلحة في تعطيل بناء هذا المجتمع؟ وهل يرضى الديمقراطيون بمقام الذيلية بين الأمم؟

أليس في الإمكان أبدع مما كان؟قال خالق الإنسان والخبير بأحواله والعليم بخيره وشره: “إنَّ اللهَ لا يغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم”، حتى تفيد -مما تفيد- التدرج في التغيير، والتغيير يبدأ من الأنفس لينجلي في الآفاق، وها الأمة قد أعياها الترقيع بالصبر على حكام الجبر والعض زمنا طويلا، أفلا تفكر فيما بعد ذلك؟ ألا تطرح سؤال التغيير على الأقل لإنقاذ الأجيال القادمة من ظلم القرون؟ أفلا تفكر في التي هي أحسن، وبالتي هي أحسن؟ ألا يمكن أن نكون أحسن؟ لِم لا نتشوف لما بعد المخزن؟ لِم لا نفكر ونعمل في الحل التشاركي البنائي الكُلي، الذي يستوعب الجميع ويستثمر طاقات الجميع؟

وتجنبا لكل المزالق المحتملة وجب التفكير بمنطق التدرج، بل بشريعة التدرج لفقه الوضع الذي نعيشه ومعالجة المرحلة الانتقالية -التي سندخل فيها عن قريب إن شاء الله- بحرية وحزم ومسؤولية، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “من يريد أن يغير العالَم في لحظة… فإنما هو حالم أو مجنون} (5).

في الإمكان أن نصير أفضل وأرقى وأنقى وأبقى مما كان، ولا يوجد المستحيل إلا في قاموس الجبناء، الذين يتهربون من ثلاث:

1. شرط الإرادة: صيحة في واد ونفخ في رماد إن لم تنضج إرادة حقيقية للتغيير لها الاستعداد الكامل لقطع مع ماضي الاستبداد والبهلوانية السياسية، والتأسيس المتدرج لحياة مجتمعية راشدة على أرضية وطنية مشتركة صلبة يقف عليها المغرب وتمكنه من الاستفادة من كل طاقاته وإمكاناته. وفي الأمة ولله الحمد  ما تزال- السواعد الطاهرة التي تحاول أن تصنع بيئة ملائمة للبناء، والفسائل الطيبة التي لم تجد بعد تربة صالحة تنزرع فيها.

تقول الوثيقة في فقرة “حِمى الملَّة والدِّين”: “فالإرادة السياسية -المفتاح المرجو لحل أزمتنا- هي أساسا فعل أخلاقي بأعلى معاني الأخلاق وأسماها في العمل والممارسة والواقع”.

2. شرط الحوار: لا يرفض الحوار إلا من كان ظالما مستكبرا أو ضعيفا خائفا، أما الجماعة فلا ترى مندوحة عن حوار وطني جدي وواسع بين كل الأطراف الغيورة والشريفة  أفرادا ومؤسسات- دون استثناء لأحد، ومن غير منَّةٍ من أي طرف، حول الشكل والأسلوب الذي يقترحونه لنظام الحكم ولمؤسسات الدولة وكل ما يتعلق بالتوجهات الكبرى لبناء وحدة البلاد ورخاء العباد، حوارا واضحا ومسئولا يُنقل عبر وسائل الإعلام الوطنية ليَعلم الشعب كل الأمور التي تُهِمُّ قضاياه الحقيقية ويكون على علم بما يجري ويتحمل مسؤوليته كاملة، وليقوم بواجبه بوضوح ومسؤولية. ولا يصح الالتفاف عن الحوار بمبررات أوهى من بيت العنكبوت.

3. شرط الميثاق: لا بديل عن صياغة ميثاق وطني علني في حضن الأمة، يجمع شتاتها ويؤلف بين أطرافها، وليس ميثاقا نخبويا أو مخزنيا يصنع في الزوايا المُظلمة التي تمارس الوصاية على شعب تَعتبره قاصرا. وبعد الميثاق تُنتخب جمعية تأسيسية مصادق عليها من طرف الشعب لصياغة مشروع الدستور الوطني المنشود، والعودة به إلى الشعب من جديد ليقول كلمته. من هنا الطريق إلى وضع دستور وطني تاريخي، من الأمة وإلى الأمة، بلا طبخ ولا “كولسة” ولا إقصاء ولا استيراد. لأن “الدستور يجب أن يمثل آراء الشعب وأن يتم تحريره من طرف منتخبين ينتخبهم الشعب ولا يأتي من فوق وكأنه هدية إلى الشعب”. (6)

وأخيرا فالمسؤولية في البناء والنهوض ليست حُلما أو نهزة أو نزهة، وليس في مقدور أي طرف أن يتحملها بمفرده، كيف وقد فشل فيها المخزن بالرغم مما يحتكره من سلطة وثروة شموليتين ( المال، الجاه، الإدارة، الإعلام…) وما يدعيه لنفسه من قداسة وتفوق!

اللهم هذا إدبار ليل الظالمين المفسدين وإقبال نهار الصالحين المصلحين فاغفر لنا واستعمالنا فيما يرضيك عنا ويعز هذه الأمة. آمين والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.

فاتح محرم 1429/ 10 يناير 2008

——————

1- ورد في “مذكرة إلى من يهمه الأمر” عنوان (رقم 2) “خطوات في سبيل الخلاص” ، يعالج نفس القضايا ويطرح نفس الحلول. وبالإضافة إلى الرسائل ذات الطابع السياسي، أصدرت الجماعة مجموعة من الرسائل التربوية، مثل “رسالة تذكير” و “المنظومة الوعظية” و “رسالة النصيحة”….

2- صرح وزير الداخلية شكيب بن موسى لوكالة الأنباء الفرنسية يوم 31 ماي 2006 بأنه “من خلال تكثيف أنشطتها تكون العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”! أي أنها نشيطة وأنشطتها  على خلاف باقي التنظيمات- مكثفة، و لا تخرج عن إطار القانون إلا إذا كَثَّفت أنشطتها!!!.

3- أسبوعية المشعل، 13 دجنبر 2007

4- جريدة “العدالة والتنمية”، العدد 63 بتاريخ 31/12/2007

5- الأستاذ عبد السلام ياسين، “سنة الله”، ص21.

6- المهدي المنجرة، “قيمة القيم” ، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، البيضاء 2006، ص 297.