أجرت أسبوعية المشعل حوارا مع الأستاذ عمر احرشان عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان حول وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” نعيد نشره تعميما للفائدة.

سؤال- رسالة (جميعا من أجل الخلاص) موجهة بأسلوب مشفر للنظام السياسي القائم أكثر منها للرأي العام الوطني، فهل يصح قول البعض بأنها مجرد وسيلة ضغط سياسية استعملتها جماعة العدل والإحسان لرفع مضايقات السلطة عن نشاطها؟

جواب- وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” ليست موجهة إلى طرف بعينه، ولكنها موجهة إلى كل من يعنيه شأن المغرب سواء في الداخل أو الخارج، وسواء كان في موقع المسؤولية أو خارجها، كيفما كانت درجة مسؤوليته وجنسه وسنه ومكان وجوده.

أما الهدف منها فغير مرتبط بدافع ذاتي أو بالسعي إلى تحقيق مصلحة خاصة كما ذكرت في سؤالك، فلو كان هدف الجماعة الضغط على السلطة لاستغلت مناسبات عدة مرت منها البلاد وكانت السلطة خلالها في أزمة خانقة ويكفي أن أذكرك فقط ببعضها: انفجارات الدار البيضاء في مارس وأبريل 2007، وتقلبات ملف الصحراء بعد مفاوضات مانهاست، ومناسبة الانتخابات، وغلاء المعيشة، فالمغرب مليء بـ”الفرص” التي يمكن توظيفها للضغط على السلطة، ولكن هذا ليس أسلوب العدل والإحسان لأنها لا تحب الركوب على الأزمات ولا لي الذراع.

هدف الوثيقة بالأساس فتح نقاش وطني بسقف عال وفي جو من الوضوح والمسؤولية، والعدل والإحسان تقوم بذلك من منطلق شعورها بالوضع المتدهور للبلاد ورغبتها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكذا لأن من مسؤوليتها ذلك لأنها حين تسكت يتهمها البعض أو يطالبها بموقف مما يجري وحين تتكلم يلومها البعض الآخر ربما لم تتكلم كما يحبون.

سؤال- ذهبت جميع القراءات إلى اعتبار ما جاء في الوثيقة مجرد تحصيل حاصل، وأنها لا تقترح أية حلول بديلة، هل يعني هذا أن العدل والإحسان لا تتوفر على برنامج سياسي، يوازي حجم المرحلة ويخرج البلاد من عنق الزجاجة؟

جواب- أما عن اعتبار ما جاء في الوثيقة تحصيل حاصل فهذا في صالح الوثيقة ويؤكد بأن ما جاء فيها عليه اتفاق، وهذا يعني أن هناك قواسم مشتركة كثيرة يمكن الانطلاق منها لبناء مستقبل على أسس صلبة تحفظ للبلاد وحدتها وقوتها وفعاليتها. والوثيقة بهذا الصدد حققت أحد أهدافها وهو تقريب وجهات نظر مختلف الفاعلين في البلاد، ولو على مستوى تشخيص الواقع، ولا أخفيك سرا أن هذا كان هدفا ولذلك لم نرد الاستشهاد بإحصاءات وأرقام وأمثلة يمكن أن تثير جدلا حول مصدرها ومدى صحتها بما يحرف النقاش عن مقصده، ورأينا أن الإحصاءات والأرقام المتداولة، ولو حتى الرسمية منها، كافية لتوضيح حجم الكارثة التي تعيشها البلاد ولا فائدة في الاستشهاد بغيرها.

أما فيما يخص خلو الوثيقة من حلول مقترحة فهذا أمر غير صحيح لأن الجماعة أعادت التذكير مرة أخرى بالميثاق الذي دعت إليه منذ مدة طويلة، كذلك تضمنت الوثيقة مداخل أخرى للحلول من قبيل ضرورة توفر الإرادة السياسية، والوضوح السياسي لمعرفة سبب ما نعاني منه والمتسبب فيه بشكل مباشر، وتجنب أسلوب الاستفراد في الحكم، وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة، وفصل السلطة عن الثروة، والأولوية للعدل بتقسيم عادل للثروة الوطنية، كما أنها أشارت إلى طبيعة المغرب الذي نريد حين تحدثت عن مجتمع العدل والحريات العامة والأخلاق الفاضلة وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والكرامة الوطنية، والانتفاع الإيجابي والشراكة المنصفة والشريفة وذات المصالح المتبادلة وتأمين الحاجات الأساسية في الأمن والغذاء والاستقرار والصحة والمعرفة، وعهد التواصل الوطني والاستعداد الصادق والجدي للعمل إلى جانب كل المكونات المخلصة في هذا البلد، وكذا حين أشارت إلى أن مغربا حرا وديمقراطيا وناميا وآمنا وحقوقيا ومتصالحا مع ذاته وكل مكوناته، هو في مصلحة الجميع، في الداخل والخارج ضد التوترات الإقليمية وضد التطرف والهجرة السرية ومن أجل استقرار وتعاون منطقة الجوار الأوربية والمغاربية والإفريقية.

لذلك ليس صحيحا أنها خلت من اقتراحات للحلول، ولكنها طرحت مداخل الحلول أو العناوين الرئيسة لها، وحتى إن قيل أن هذا متداول وليس فيه جديد، فإن الوثيقة تكون حققت هدفها الثاني وهو الاتفاق على المداخل الكبرى للحل. بمعنى أن هناك اتفاقا حول التشخيص والحل ولم يبق أمامنا إلا الآليات والوسائل وهذه موضوعها مائدة الحوار الوطني ولم نرد الانفراد أو الإملاء على غيرنا حتى لا ننعت مرة أخرى بأننا نفرض حلولا على الغير وفتحنا الباب للأطراف الأخرى لتدلي بمقترحاتها.

أما ما قلت بأن الجماعة تفتقد لبرنامج سياسي فأعتقد بأن هذا ليس مكان الحديث عن رؤية العدل والإحسان وبرنامجها، ولا أريد المزايدة في هذا الشأن ولكن ستبدي لكم الأيام القادمة عكس ما تقوله لأن هذه تهم قديمة وصارت اليوم متجاوزة. وقد تتاح فرصة لاحقة للحديث عن هذا الأمر.

سؤال- ما هي في نظركم وسائل الخلاص الذي تدعو إليه الجماعة، ومن هم الشركاء في تحقيقه حسب تقدير رسالة “جميعا من أجل الخلاص”، وهل هي دعوة من الجماعة إلى تدشين العمل المشترك بين التيارات الإسلامية بالمغرب؟

جواب- مفتاح الحل كما تقترحه العدل والإحسان هو حل جماعي توافقي ينبثق عن حوار وطني مفتوح يشارك فيه الجميع بدون إقصاء وتناقش فيه القضايا بدون خطوط حمراء في جو من الحرية والوضوح والمسؤولية، وبالاحتكام إلى الشعب مصدر السلطة والذي له الكلمة الفصل في اختيار من يمثله، وبعيدا عن كل أشكال العنف بكل أنواعه.

والعدل والإحسان حين تؤكد على هذا الحل فإنها تعلن بأنها ليست بديلا لأحد ولم تأت لتلغي أحدا وأنها مستعدة للتعاون مع كل من له رغبة في خدمة البلاد والعباد ولو كان يختلف معها. إننا ندعو إلى الوصول إلى مرحلة ندبر فيها اختلافاتنا بشكل يقوي البلاد ويحقق التنوع الإيجابي فيها لأن العمل من أجل البلاد يجب أن يفتح أمام كل المغاربة بغض النظر عن مواقفهم ومواقعهم وانتماءاتهم وغير ذلك.

سؤال- استعملت في ديباجة الوثيقة عبارة (تخليق الرعاة)، فهل يعني هذا أن الجماعة قد عدلت عن دعوتها في تغيير النظام المخزني القائم بالبلاد؟

جواب- أعتقد بأن القراءة التجزيئية للوثيقة لن تساعد في فهم أهدافها ومضامينها، فهناك فقرة تؤكد أن النظام المخزني أصبح عائقا أمام الديمقراطية والتنمية ومهددا لهوية الأمة ولمصالحها المختلفة.

وإزالة لكل التباس أعيد التأكيد بأن مواقفنا لم تتغير، بل الأكثر من ذلك فمرور الأيام وتوالي التجارب يؤكدان صواب مواقفنا ولذلك لا نزداد إلا تشبثا بها مهما كانت نتائج ذلك.

سؤال- ما هي الموانع التي تحول دون تحويل جماعة العدل والإحسان إلى حزب سياسي، خاصة وأن بعض الحناجر تلوك بأن سياسة كل ممنوع مرغوب هو الأسلوب الذي تنهجه الجماعة؟

جواب- أعتقد بأن العدل والإحسان أعربت منذ بدايات تأسيسها عن رغبتها في العمل السياسي وسلكت لذلك المسلك الطبيعي سواء القانوني أو الإداري وأسست جمعية ذات صبغة سياسية، ولكن السلطة هي التي ترفض وجود قوة سياسية تنافسها لأنها لم تقبل أن تكون لعبة في يديها كما اعتادت مع آخرين.

مرة أخرى أؤكد أن العدل والإحسان لا ترفض العمل الحزبي من حيث المبدأ ولكنها ترفض عملا حزبيا تتحكم فيه السلطة المخزنية وتحركه وفق أهوائها وبما يفرغها من محتواها الحقيقي. ونحن نفضل وضعنا الراهن على أن نصبح دمى في يد غيرنا أو أن تسلب إرادتنا أو أن يصبح قرارنا في يد غيرنا.

أما ما قلت بأن الجماعة تسلك سياسة كل ممنوع مرغوب فهذا ليس ذنبها وحبذا لو وجه السؤال إلى المانع ليفك الحصار وسترون النتيجة، سترون أن الناس سيقبلون أفواجا على العدل والإحسان أكثر مما هم الآن وتجربة الأبواب المفتوحة التي نظمناها في ماي من السنة الفارطة خير مثال.

ليس ذنبنا أن باقي الفرقاء السياسيين ضعافا ولسنا نحن الذين نتحمل سبب ذلك، ولسنا نحن سبب ضعف السلطة المخزنية، وليس في نيتنا إقصاء غيرنا ولا ندعي أننا نملك الحل وحدنا. لدينا مقترحات وحلولا سنطرحها حين نرى الوقت مناسبا للنقاش وليس لنفرضها على أحد، وسيكون الشعب هو الحكم.

ولدينا كفاءات وطاقات في مختلف الميادين كلها حماس واستعداد للمساهمة في بناء مغرب ننعم فيه جميعا بالحرية والكرامة والعدل؛ والذي يحول بيننا وبين ذلك هو هذا النظام المخزني الذي لم يقد البلاد إلا إلى الكارثة. والكل يعرف أنه السبب ولكن قليل من يتجرأ ليعلن ذلك وتعرفون جميعا السبب.