أجرى الموقع الإلكتروني “الرأي” حوارا مع الأستاذ عبد الواحد المتوكل الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، شمل عدد من القضايا منها: وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” والواقع المغربي بعد الانتخابات والمشاركة السياسية للجماعة والحملة المخزنية المستمرة عليها… فيما يلي نص الحوار:

سؤال: دعوتم من أسميتموهم بالشرفاء إلى العمل بشكل إيجابي ومسؤول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هل الوضع في المغرب بهذه الخطورة؟

جواب: أجل، مهما حاولنا تشخيص الواقع في هذه الوثيقة وغيرها فالأمر أشد فظاعة، وكل المتتبعين للشأن المغربي مجمعون على ذلك. دعك من الصخب الإعلامي الذي يوهم الناس بالمشاريع اليومية وبالتنمية البشرية، وتجول في أنحاء البلد كلها واقرأ ما تكتبه المنابر الإعلامية الوفية والتقارير المحلية والأممية، لترى أننا في واقع بئيس ينذر لا قدر الله بانفجار وشيك لا يبقي ولا يذر، وهذا ما ندعو إلى تجنبه بمسؤولية ووضوح.

سؤال: ما جدوى الدعوة إلى فتح حوار مع قوى حية لم تلب من قبل دعوات الجماعة المتكررة؟

جواب: لسنا مسؤولين أخي الكريم عن الآخر، لقد حرصنا في هذه الوثيقة على تشخيص الواقع وتحديد المسؤوليات لننبه الجميع على فداحة الأوضاع وأننا جميعا مدعوون لتصحيح المسار ووضع الحد لهذه المأساة. وقد طرحنا على الجميع ما نراه مدخلا لذلك وهو المدخل الميثاقي المبني على مقاربة جماعية شاملة، وفي آخر الوثيقة طلبنا من فضلاء البلد وهم كثيرون، مهما حاول المخزن تمييعهم أن يقولوا كلمتهم ويتحملوا مسؤوليتهم.

سؤال: كيف ترون الوضع السياسي في المغرب بعد انتخابات 7 سبتمبر وتشكيل الحكومة الجديدة؟

جواب: الوضع السياسي بعد المهزلة التاريخية لـ7 سبتمبر وما تلاها من عبث الحكومة غني عن كل توصيف، فالنتائج تكون دائما من جنس الأسباب، وقد أجمع كل المتتبعين على أن ما وقع في 7 سبتمبر مهزلة تاريخية وصفعة وجهها الشعب للمخزن وللمدخل الانتخابي الذي ما يزال البعض يؤمن به، وكان تشكيل الحكومة بمثابة عبث مكشوف وضحك على الشعب وعلى الأحزاب السياسية، فماذا يمكننا انتظاره من أسباب هذه أوصافها، إلا وضعا سياسيا في غاية الاختلال، فقطار الحكومة المعطوب أصلا متوقف، والكل أصبح يقول بأن البرنامج الوحيد في المغرب هو برنامج القصر، وهي أطروحة خطيرة يستغلها الوسط المحيط بالقصر للإجهاز على العمل السياسي في هذا البلد.

سؤال: لماذا تصر الجماعة على البقاء على هامش المشاركة السياسية، بالرغم من أن فعاليات إسلامية كحزب البديل الحضاري وحزب الأمة لا تجد حرجا في الدخول إلى المؤسسات والمشاركة في الحياة السياسية؟

جواب: مرارا نؤكد بأن رفضنا الانخراط في الجوق الانتخابي الذي ثبت للجميع فشله لا يعني بتاتا بقاءنا على هامش المشاركة السياسية، فمن أبجديات العمل السياسي المعلومة لدى الجميع أن المشاركة السياسية لا تنحصر في الدخول إلى الانتخابات والبرلمان والحكومة، بل هناك مشاركة سياسية خارج هذه المؤسسات الرسمية، تقوم على تعبئة الشعب وتهيئ رأي عام مناصر، والضغط على المؤسسات الرسمية لتحقيق الأهداف المنشودة، وهو خيار معروف وله أنصاره في كل دول العالم. وللأسف الشديد رسخت الثقافة المخزنية في أذهاننا ألا عمل سياسي إلا تحت عباءة المخزن ووفق شروطه ولتطبيق برنامجه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يمكن لأحد مناقشته.

ونحن في العدل والإحسان اخترنا عن وعي هذا الموقع، وتجربة العمل السياسي الرسمي في المغرب أثبتت وتثبت مصداقية خيارنا، فكل التنظيمات السياسية التي صدقت الأطروحة المخزنية وانخرطت فيها فقدت مقوماتها وشعبيتها ووحدتها.

وإصرارنا على ذلك ليس من أجل الحفاظ على الطهرانية السياسية كما يحلو للبعض أن يقول، بل هو خيار مبني على مبادئ وأصول شرعية وسياسية ارتضيناها منذ تأسيس عملنا، وفي نفس الوقت نحترم من له خيارات واجتهادات أخرى والحاكم هو الزمن والشعب.

سؤال: في كتابه “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب” يشير د. فريد الأنصاري إلى أن اتخاذ حزب سياسي كان أكبر خطيئة وقعت فيها الحركة الإسلامية بالمغرب، فهل هذا السبب هو ما يدفع الجماعة إلى الحرص على طهرانيتها السياسية وعدم التحول إلى حزب، مع العلم أنه كان مطلبا للجماعة ؟ وما شروط التحول إلى حزب سياسي؟

جواب: مشروعنا مشروع دعوي شامل يرمي أساسا إلى تربية الإنسان في علاقته بخالقه التي يجب أن ترتقي في مراتب الدين إسلاما وإيمانا وإحسانا، وفي علاقته بمجتمعه التي يجب أن يحكمها العدل بكل معانيه من شورى وكرامة وحرية، ولذلك فالشأن السياسي هو مجرد جزء من هذا المشروع الشامل، وقد أسسنا الدائرة السياسية لتتولى تصريف وتحقيق رؤانا في هذا الشأن، وليس واردا عندنا مهما كانت الظروف أن نحجم مشروعنا في العمل السياسي الحزبي، وقد أكدت أدبيات الجماعة هذا الخيار منذ التأسيس، ولمن أراد المزيد العودة لهذه الأدبيات وخاصة كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” للأستاذ المرشد حفظه الله.

سؤال: كانت استطلاعات الرأي تبشر العدالة والتنمية باكتساح صناديق الاقتراع بمناسبة انتخابات 7 سبتمبر، غير أن النتائج جاءت مخيبة لآمال الحزب، هل هو بداية انحسار المد الإسلامي في المغرب؟

جواب: لا، بل هو نهاية انحسار الطرح المخزني وانسداد آفاق من يصدق هذا الطرح ويؤمن بجدوى المدخل الانتخابي للإصلاح، فالشعب المغربي في مقاطعته لهذه المهزلة المسماة انتخابات لم يقاطع حزب العدالة والتنمية وحده، بل قاطع اللعبة المكشوفة وحدها ـ وقد أحسن من سماها لعبة ـ لأنه أدرك بوعيه رغم الدعايات المخزية الصاخبة التي هدرت فيها ملايين من أموال الشعب المفقر والمجهل والمهمش، رغم ذلك قال الشعب كلمته بقوة وبوضوح.

أما ما يسميه البعض الظاهرة الإسلامية ويقصدون بها التفاف الشعوب الإسلامية وراء المشروع الإسلامي، فالأمر ليس ظاهرة غريبة وعابرة، بل هو المسار الطبيعي والعادي، فبعد فشل كل الأطروحات المفروضة قهرا على المسلمين، من الطبيعي أن يعودوا إلى دينهم ويلتفوا حول الحركة الإسلامية التي تعمل على التمكين لهذا الدين في الواقع.

سؤال: من أهداف إنشاء الدائرة السياسية استيعاب أفراد من خارج الجماعة، إلا أن الملاحظ هو أنكم لم تنجحوا في ذلك، بصفتكم الأمين العام للدائرة إلى ماذا ترجعون ذلك؟

جواب: ما ذكرت كان بالفعل من أهداف إنشاء الدائرة السياسية، ولا يمكن لأحد أن يزعم أن هذا الهدف لم يتحقق، فهذه أحكام انطباعية تفتقر إلى الإثبات بالمؤشرات الرقمية وغيرها، لكن ما يجب استحضاره هنا حتى على افتراض صحة تلكم الأحكام، أننا لا نعمل في ظروف طبيعية وسوية، ليتسنى لنا تحقيق كل أهدافنا وتقديم المؤشرات الدالة على ذلك، إننا نعمل في ظل حصار جائر يمتد ليشمل كل تحركاتنا وأنشطتنا، ومن ذلك مثلا أن أية جمعية فيها شخص يشتبه أن له أدنى علاقة بالعدل والإحسان يتجند المخزن بكل قواه ليجهز عليها ويجمد أنشطتها ضدا على القانون، بل حصلت بعض هذه الجمعيات على أحكام قضائية تنصفها وتدين تصرفات المخزن إزاءها، لكنها أحكام بدون تنفيذ في ظل دولة المخزن المستبدة. أضف إلى ذلك أن السلطات تتابع تحركات وأنشطة من يظهر ولاءه لنا، وتعمل جاهدة على التضييق عليه في عمله ومعاشه، ففي ظل هذه الظروف نشتغل ونسعى لتحقيق كل أهدافنا، ويوم يرفع عنا هذا الحصار الجائر، سنطلع الجميع على مدى تحقيقنا لأهدافنا المسطرة بكل شفافية.

سؤال: بعد هدوء المواجهة التي جمعت الجماعة بالسلطات على خلفية الأبواب المفتوحة، هل تمت أي محاولة للحوار بين الجانبين؟

جواب: أولا، اسمح لي أن أوضح مسألتين تتعلقان بهذا السؤال: أولاهما أنه لا يصح أن نسميها مواجهة لأنها من طرف واحد، طرف هو المخزن المستبد يعتقل ويحاصر الأنشطة بما فيها اجتماع الناس على ذكر الله بينما يحمي كل الرذائل ويدافع عنها قبل صدور الأحكام القضائية -كما وقع في فضيحة القصر الكبير- طرف يحاكم ويضيق على الأرزاق، وطرف صابر متمسك بحقوقه يربي الشعب على نبذ العنف والنفس الطويل وعدم الانجرار وراء ردود الأفعال. إذن، فالأمر ليس مواجهة بل ظلم وإجحاف في حق مكون كبير من مكونات هذا الشعب، يريد المخزن تحجيمه وإسكاته وحرمان الشعب من جهوده في التربية والتأطير، مستعملا في ذلك كل الوسائل بما في ذلك الوسائل الدنيئة المعروفة، ولكم أن تعودوا إلى تقرير هيئتنا الحقوقية للسنة الماضية لتقفوا على حجم الجرائم التي تمارس علينا.

هذا توضيح أول، أما التوضيح الثاني فهو أن هذه الحملة المسعورة لم تهدأ، وإن نقصت حدتها، فالمخزن ما يزال يسلط أجهزته كلها لمراقبة تحركاتنا وأنشطتنا وحرماننا من التواصل مع الشعب، والمتتبع لموقع الجماعة (aljamaa .com) سيكتشف أن الحملة ما تزال مستمرة.

أما عن الحوار مع السلطة فما قلت قبل قليل هو تجسيده الفعلي، أي الحصار ومحاولة التهميش والإقصاء، وعلى كل حال فقد أثبتت التجارب في المغرب أن المخزن لا يؤمن بالحوار بل ديدنه هو الاحتواء وهذا ما لا ولن نرضاه لدعوتنا أبداً.

سؤال: ألا تعتقدون أن الجماعة ارتكبت خطأ حين سمحت للرؤى أن تقتحم ساحة السياسة وأضرت كثيرا بمصداقيتها؟

جواب: لقد أوضحنا هذا الأمر في كثير من الحوارات والتصريحات، ونؤكد من جديد أن الرؤى الصالحة جزء من ست وأربعين جزء من النبوة كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم وتصديقها واجب وهذا كل ما قمنا به، ولا نريد الدخول في جدل الديني والسياسي لأنه أساسا ينطلق من تصور غريب عن ديننا يفرق بين الديني والسياسي. ومصداقيتنا والحمد لله في منأى عن ذلك كله، وتمسكنا بأصول ديننا تزيدنا بفضل الله مصداقية، وليتوهم من شاء ما شاء، فالواقع هو الحاكم.

سؤال: ألا تطرح عليكم مسألة خلافة الشيخ ياسين خاصة مع الأخبار المتداولة عن حالته الصحية؟

جواب: نحن يا سيدي جماعة دعوية متماسكة بفضل الله تعالى، ولنا مؤسساتنا الشورية التي تتولى أمورها التنظيمية، ولسنا حزبا سياسيا يتهافت فيه الناس على الرئاسة، ومرشدنا يتمتع بفضل الله تعالى بصحة جيدة، والإعلام المعادي لم يفتأ يردد تدهور صحته لحاجة في نفوسهم لن يقضيها الله إن شاء الله الحنان المنان.