من ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرةليت كلَّ تالٍ كلامَ الله تعالى قارئٍ سيرةَ الصحب الكرام، حالِمٍ عاجزٍ مُتَمَنٍّ ساكنٍ مُتَشَوّفٍ آمِلٍ مِنْ بُعُدٍ أن يتمثَّل له الناسُ جيلاً قرآنيّاً، يُرَشِّحُ نفسه ليكون من الخلْقِ الجديد المتجدد المجدِّد لذلك الجيل القرآني العظيم فهماً وعملاً وسلوكاً ومسارعةً واستباقاً وفراراً إلى الله تعالى.

لنقرأ من آيات الله البينات نسخةً بشريةً هي عَيِّنَةٌ من صنعة النبوة وثمرةٌ من زرع خيرِ الزُّرَّاع:

“أرسل سعدُ بن أبي وقاص قبل القادسية ربعيَّ بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها. فقال رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة .

رسالةٌ واضحةٌ مباشِرةٌ ولكنَّ لها معنىً عميقاً، ومبعوثٌ بسيطٌ لا يملك من الدنيا إلاَّ ما عليه من ثياب وما تحته من مركوب ولكنه يتحدث بقلب مُسْتَغْنٍ بالله مُسْتَعْلٍ بالحق متعلِّقٍ بالدار الآخرة لا يلتفت إلى مظاهر تَرَفٍ داسه بقدميه. وهو مدرك تمام الإدراك للمهمة العظيمة التي ورثها عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: التجديد الوَفِيُّ للمعاني والمعارف التي قام عليها هذا الدين من أول يوم، واستقامةٌ قاصدةٌ على المنهاج النبوي العظيم لا زَيْغَ ولا التفاتَ والدنيا داعيةٌ مداعِبَةٌ مُقْبِلَةٌ مُشْرِعةٌ أبوابَها مُفَتِّحَةٌ كنوزَها وخيراتِها مُسْلِمَةٌ مقاليدَهَا مُسْلِسَةٌ قِيادَهَا للفاتحين البسطاء العظماء.

فأما إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده فهو دلالة على رب عَلِيٍّ عظيمٍ رحيم حليم كريم عبدوه عرفوه وأحبوه ووحَّدوه. وليس في هذا الإخراج إكراهٌ لِمَنْ يدعون، بل هو كُرْهٌ كُتِبَ على حامل دين الله إلى الناس وتحمُّلٌ في ذاته سبحانه وحِرْصٌ يجده الداعي في قلبه يكاد يذهب بنفسه حسراتٍ على المحرومين من رحمة الله.

وأما إخراج الناس من جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام فهو إنقاذهم من سلطان البشرِ القاصرِ مهما تطاول في جبروته، ومِنْ عَمَى الجاهلِ مهما ادَّعى العلم، ومن جَوْرِ الظالمِ مهما تَحَرَّى العدل، إلى سلطان السميع البصير العليم بمن خلق وهو اللطيف الخبير.

وأما إخراجهم من ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة فهو أشبه بعملية توليد: يخرج المولود من بطن أمه كارها مستصرخا وهو لا يدري أنه يخرج من ضيق إلى سَعة ومن كَدَرٍ إلى صفو ومن ظلمات إلى نور.

وما نسبة الدنيا وهي لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة إلى الآخرة وعرض الجنة فيها كعرض السماوات والأرض؟

وهل الدنيا أَكْثَرُ من محطة مؤقتة لوظيفة عابرة، وعصاً يتوكَّأُ عليها العبد الْمُدْلِجُ ليبلغ المنزل؟

لو كان التمكين في الأرض سَقْفَ غايةِ هذا الدين لقبل صلى الله عليه وسلم عرض قريش إذ عرضوا عليه الملك والمال والجاه، ولكفى نفسَه صلى الله عليه وسلم وأصحابَه سنواتٍ طويلة من الْجَهد ومن العنت ومن الأذى ومن الدماء؛ ولكن النبي المؤيد بالوحي رأى غير ذلك: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه”.

كانت غاية النبي صلى الله عليه وسلم من أول ما قيل له “اِقْرأْ” أنْ يُعَرِّفَ الناس إلى ربهم ويحببهم فيه ويُعَبِّدَهُم إياه تعليماً وتزكيةً. وَتَمَكُّنُ الإيمان من القلوب لا يتحقق بقوة السلطان وبريقِ المال وهيبة الجاه إن لم تَخْضَع هذه القلوب لعملية تطهير وتزكية تستلزم علماً وجهدا وصبراً من الْمُزَكِّي ووقتا لتظهر ثمرةُ التزكية واستعداداً وإرادةً لدى المتزكي وتوفيقاً ربانيا قبل ومع وبعد كل شيء. وقد كان جيل البعثة صفوةً استجابت واهتدت وآمنت وأحسنت وبذلت نفسها وأموالها في مقابل الغاية العظيمة: طلبِ وجهِ اللهِ والدارِ الآخرة.جيل قرآني جديدرحم الله الفقيدة الراحلة خديجة عطري، من كانت سبباً في إنشاء هذه السلسلة وفي تعطير هذه السلسلة وهذه الكلمات بذكر خاتم الرسل وتاج الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، وبذكر خير القرون، من صحبوا خير مصحوب ونهلوا من عظيم منهل وتزودوا لآخرتهم بحب أحب محبوب عند ربه. جزاها ربُّها عز وجل بما كان يحمل قلبها الكبير من هَمٍّ لكل حاملِ هَمٍّ، ومن حرص على كل حريص على دعوة الله، ومن حسرةِ نفسها الكبيرة على ضعف جسد أتعبه طلبُ المراد الأعظم. رحمها الله وأسكنها الفردوس الأعلى، ورزقنا وإياها معية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وثبَّتَنا على العهد حتى نحوز ما حاز الصادقون والصادقات، وأسأل الله تعالى التوفيقَ والسدادَ والبركةَ والتيسيرَ والإخلاصَ في هذا الحديث، بين الدنيا والآخرة، عن عَيِّنَةٍ مِمَّا يُخَرِّجُ هذا الدينُ القيمُ من أهل الآخرة في كل زمان، أُنْمُوذَجِ التربية المهتدية بهداية القرآن المنتسبةِ إلى نور النبوة.

فازت القرون الأولى بالصحبة المباشرة للداعي إلى الله وبتزكية النبوة إذْ وصفها صلى الله عليه وسلم بأنها “خير القرون”، وإذْ لم يَطُلْ عليها الأمد في “شأن” يُنسيها اللهَ والدارَ الآخرةَ، ورَطُبَتْ بذكر المحبوب ألسنتُها فلم تَقْسُ قلوبُها واهتدت بنور الله واعتصمت بحبل الله حتى إنها لَتَنْفَحُكَ من ذلك العبير الطيب وأنت تَتَشَمَّمُ ذِكْرَهَا الزكي من آثارها الخالدة.

أَفْرَدَ شهيد القرآن رحمه الله ورضي عنه فصلا في آخرِ كتبِه: “معالم في الطريق” سماه: “جيلٌ قرآنِيٌّ فريد”.

يقول رحمه الله:

(لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس -جيلَ الصحابة رضوان الله عليهم- جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ، ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة. هذه ظاهرة واضحة واقعة ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلاً لعلنا نهتدي إلى سرِّه) .

رحم الله شهيد القرآن وأجزل له المثوبة ورفعه في مقام الشهداء أعلى الدرجات آمين.

إننا ننظر إلى خيرِ القرون نظرة محبة وإجلال وتعظيم يُضحي معها ما أنتجته الصناعةُ النبوية التي باشرها صلى الله عليه وسلم بيديه وتحت عينه تحفةً “فريدةً” في التاريخ لا تتكرر، ويسمو ذلك الجيل العظيم بنظرتنا هته من شدة صفائه ولطفه إلى درجة يغدو بها نوعاً من الْخَلْقِ أقرب إلى الملائكة منه إلى البشر لا تتطرق إليه صفة البشرية التي خلقه الله عليها ولا يسري عليه ناموسها وقانونها وأحكامها! حتى إذا وَرَدَ في الخبر من سيرة ذلك الجيل ما هو من صميم وطبيعة بشريته ترى عينَ الرّضا منَّا تدافع -ربما نَتَكَلَّفُ في هذا تكلُّفاً- بما ليس مطلوباً للدفاع عمن نفخ الله من روحه في مائِهم والطينِ، فَهُمْ بهذا يكتالون بمكيال الصواب والخطإ معاً. ولا ينقص من قَدْرِ الجيل الذي رحمه ربُّه وختم عليه بخاتم الصنعة النبوية أن تشوب بشريتَه شوائبُ -وما خلقهم إلا لذاك- لا يُستثنى منها إلا المصطفَوْنَ الأخيار عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

لقد جعل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم نموذجا للإنسان الكامل الذي أكمل الله به الدين وأَتَمَّ به النعمة وتَمَّمَ به الْخُلُقَ الإنساني، وجعل سبحانه أصحاب حبيبه صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا وأسوةً نقيس على مجموعِ أخلاقِهم -وهم الصنعة النبوية الخالصة- حظَّ نُفُوسِنا من التربية الإيمانية ودرجتها في الكمال الإحساني. بَيْدَ أننا إن انحجبنا عن المؤمنين والمؤمنات إخوانِ وأَخَواتِ النبي صلى الله عليه وسلم، من فازوا بأُخُوَّته صلى الله عليه وسلم مِنْ بعده وَوَرَدُوا ماء الصحبةِ ميراثِ النبوة كابراً عن كابر ويسلكون مع الصحابةِ الْمَسْلَكَ ذاتَه في التربية وفي البناء، ويهتدون بمعالم الطريق نفسِها وينهلون من المنهلِ النبوي عَيْنِه فإننا ربما نسقط -بغير قصد- في الشك في اليقين الغيبي الذي نَبَّأنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينَها وأنه سبحانه يختم أَمْرَ هذه الأمة على منهاج ما ابتدأها به من النبوة. وإن الذي خَرَّج من مدرسة النبوة ذلك الجيلَ القرآنِيَّ “الأول” لقادر سبحانه أن يُخَرِّجَ من ميراث النبوة أجيالاً قرآنية جديدة على منهاجِ المدرسة النبوية ذاتها. وليس هذا الكلام اعتداداً بغير ما أنبأنا به الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم من كَلِمِهِ الصادق، ولا يقيناً إلا في بشارة الغيب التي فاز من صَدَّقَ بها وتعرَّض لنفحاتها.

وبهذه النظرة لا نمسي ونحن نَحْصُرُ الفضلَ في جيل قرآني “فريد” لا أمل في صناعة جيل جديد على مثاله، بل نصبح بإذن الله تعالى وبفضله إزاءَ خَلْقٍ جديدٍ متجدد من الجيل الأول ونسخةٍ مختومةٍ بالخاتم النبوي الشريف المبارك الخالدِ ذاتِه. فإنْ رَأَينا مِنْ بشريةِ مَنْ نخالطهم من المؤمنين ومن المؤمنات بَعْضَ هَفَواتٍ فلا نَحْجُبَنَّ أعينَنا عن كل الخير الذي فيهم كأنه ما كان في الجيل القرآني الأول من يفرح المولى تبارك وتعالى بتوبتهم إذْ يُخطئون فيستغفرون فيغفر لهم! وإنه لا يَسْلَمُ من شطط النفس ومن قِصَرِ النظر إلى جواهر المؤمنين والمؤمنات إلا الْمُخْلَصون المرحومون الْمُعَافَوْن. وشتان شتان ما بين الحكمة النبوية الرحيمة التي يُرْزَقُهَا العلماء الحكماء وارثو الأنبياءِ والتي تعالج الأمر بنور الوحي فتستحضر تاريخَ المؤمن والمؤمنة وعطاءَهما وغناءَهما وسابقتَهما وتتجاوز عن السّقطة العارضة وبين المنطق القاصر الذي يقتطع الهفوةَ من السياق وينفخ فيها مِنْ كِيـرِهِ يُضَخِّمُها ويحكم على البناء كله بالخراب!