انقضت سنة 2007 كغيرها من السنوات العجاف في هذا البلد الحبيب، واعتادت بعض المنابر الإعلامية أن تبرز في آخر إصدار لها للسنة بعض المحطات المهمة التي عاشتها البلاد في السنة المنصرمة. وتحدثت إحدى قنواتنا التلفزية بدورها عن الحدث البارز الذي ميز السنة، واختارت بنجاح الانتخابات التشريعية التي جرت في السابع من شتنبر لما اتسمت به من شفافية ونزاهة. ونسجل هنا بادئ ذي بدء ملاحظة أولية أن هذه الشهادة فيما يخص نتائج الانتخابات التشريعية لـ2007 هي في الوقت ذاته إدانة لجميع نتائج الانتخابات السالفة ودون استثناء، والتي طالما حدثتنا هذه القنوات عن شفافيتها ونزاهتها.

بالفعل اتسمت نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2007 بالشفافية والوضوح في المقاطعة الشعبية لها، هاته المقاطعة التي ترددت أصداؤها في كل اتجاه، وأصبح تحليل الحدث والتعليق عليه القاسم المشترك بين الكتاب والمعلقين في الصحف المستقلة والحزبية.

شفافية نعم.. في الصوت المعبر عن إرادة المجتمع فيما يرفضه، وفي المطالبة بالتغيير وأن ما هو معروض على الشعب قد سئم منه، وهو الآن يعلن القطيعة النهائية لهذه المسرحية المخزنية المخزية.

شفافية نعم.. لأنه رغم الحملة الدعائية الواسعة للانتخابات، وما رافق ذلك من تسخير لإمكانيات مادية ومعنوية هائلة للتأثير على المواطنين وإقناعهم بأهمية العملية الانتخابية، كل ذلك لم يقنع المجتمع بجدية المشاركة وامتلاك هذه الهياكل النخرة وهذه المؤسسات المعلولة، لأن التجربة العملية أثبتت للشعب أن هذه المؤسسات لا علاقة لها بالديمقراطية بتاتا، وإنما وجدت في بلادنا لتزوير الواقع وتجميله وتسويغه، وأن هذه المؤسسات والهياكل الأخرى بعيدة كل البعد عن الدور الحقيقي في اتخاذ القرارات أو القيام بحق المراقبة والمساءلة.

قد يحتج مستفيد من الوضع متحديا:” أليس في البلاد حرية التعبير مكفولة للجميع وبالطبع في الحدود المعلومة؟”.

في مغالطة مكشوفة يحاول البعض إقناعنا بأن السلطة لا تمنع أحدا من الكلام والدليل أن الصحف المستقلة تنشر على صفحاتها في العهد الجديد ما لم يكن يسمح بنشر حرف منه فيما مضى.

السؤال هنا ما قيمة كل هذا الصياح والاحتجاج إذا كان لا يلتفت إليه في إصدار قرار أو مرسوم؟؟؟

أليس السياسة المتبعة عندنا هي “قولوا ما شئتم وسنفعل ما بدا لنا” فالأدوار مقسمة بيننا، أنتم أيها المحتجون مارسوا حرية الصياح في حين تحتفظ المؤسسات المعلومة بحقها في ممارسة حرية الفعل والقرار.

حرية الصياح قد تكون منتشرة هنا وهناك، كما أن البلد تنتشر فيه مؤسسات ومجالس وهياكل وهي موجودة بالفعل ولا أحد يستطيع أن ينكرها، ولكن هل يستطيع أن يكابر عاقل ويدعي بأن لهذه المؤسسات دورا له قيمة في الإنتاج، أم أن الجميع يعرف بأن دور هذه المؤسسات لا يكاد تتجاوز التصريف والتوزيع.

نعم اتسمت هذه الانتخابات بالشفافية فأنجبت في عملية قيصرية حكومة هي مجرد ديكور وصدى لغيرها، لا هي فاعل حقيقي ولا هي أصيلة فيما تقوم به. حكومة تنتحل صفة الشعب وما هي في الواقع سوى إرادة السلطة والسلطان. حكومة لا يهمها رضى المواطن من سخطه، بل غاية المنى أن تبقى محل قبول المقامات العلى دون غيرها.

شفافية نعم.. لأنها أسقطت القناع عن الجميع وأظهرت المأزق الخانق الذي صارت إليه الأحزاب والحيرة التي يعيشها المجتمع برمته. وهذه نتيجة متوقعة لمن رضي لنفسه ولحزبه أن يكون دوره مقصورا على التلقي والاستقبال في ترتيب شؤون حاضر مجتمعه ومستقبله. أحزاب مقطوعة الصلة بالمشاركة في القرار السياسي ناهيك أن أغلبها مقطوع الصلة بالجماهير ذاتها ومع ذلك يتمنون لو سمح لهم باختيار أعضاء الحكومة حتى يرفع الحرج عنهم أمام العدو والصديق ولا يظهرون في موقف المستجدي وفي ورطة كبيرة حتى مع قواعدهم.

معذرة أيها المذيع فأنا أعلم أنك لاتقصد هذه الشفافية بل تشير إلى الأخرى، ولكن لنعلم جميعا أن الشفافية ليست نوعا من التهريج السياسي، فالشفافية لها مناخها وشروطها وليس لدينا لا هذا ولا ذاك، ولا نملك سوى الإفلاس وفي كل شيء، ولكي يتوفر المناخ والشروط لا بد أن نقطع شوطا طويلا ونقتحم عقبات وعقبات ونتسلح بالصدق والإخلاص في تبني الخيار الذي يضمن الحرية للجميع والإصرار على الدفاع عن قيم هذا الاختيار. وسنة الله في الحياة وعبرة التاريخ ترشدنا إلى أن الإرادة الوطنية الحرة إذا تحركت وكان عزمها أكيدا وصبرت على مواقفها وتحملت واحتسبت فلن يحول دون تحقيق مرادها شيء، ذلك أن الله ينصر من نصره وما الانحياز إلى الحرية إلا انتصار لحق أوجبه الله. ورحم الله أمير المؤمنين سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه القائل قولته المشهورة “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”

وختاما أقول أن الشيء الإيجابي الوحيد لهذه الانتخابات هو إعلان موت مشروع المخزن لدى الشعب، وسقوط الأحزاب في الاختبار ونجاح المجتمع التواق إلى الحرية.

الشيء الإيجابي الوحيد في هذه الانتخابات أنها كشفت لنا بأن المجتمع لا يزال ينبض بالحياة وأن رهاننا على الغد القريب ليس حلما ولا رجما بالغيب وإنما الحقيقة التي تقترب من الشعب ويقترب منها “أليس الصبح بقريب”.