ختم عام 2007 أيامه الـ 365 على إيقاعات غير سارة ولا مبشرة، وانتهت السنة 51 بعد “الاستقلال” بمزيد قتامة في أغلب صور حياة المغاربة، فلا سياسة جدية ولا أخلاق نزيهة ولا اقتصاد متماسك ولا ثقافة هادفة ولا حقوق مصانة ولا تنمية مستمرة…

اختتمت السنة إذن بما يعرفه الجميع، لتشكل حلقة جديدة في سلسلة تطوق أعناق المغاربة، قفلها الحديدي اسمه نظام حكم استبدادي وحلقاته المتماسكة تتكون من فئات ولوبيات وشخصيات فاسدة مفسدة، تنخر في كيان الشعب الفاقد زمام المبادرة المضيع مفتاح الانعتاق.

للأسف ما بين تلك النخبة الحاكمة الفاسدة وهذا الشعب المستغفَل تضيع سنة جديدة من عمر المغاربة، تراجعت فيها البلد خطوات وتأكدت فيها حقيقة الانحدار الخطير الذي يعرفه المغرب.

1- عبث السياسةأثبتت السنة التي ودعناها أن في المغرب حكم فردي مطلق، فلا فصل للسلط ولا مسؤولية سياسية إزاء الصلاحيات، أي أننا في المغرب أبعد ما نكون عن الديمقراطية وإن رفعها الكاذبون شعارا صباح مساء وتغنى بحبها الواهمون عبر أثير الكلمات الرديئة.

عبث السياسة تجلى بالملموس الواضح في محطة كبيرة وعلى مستويين أساسيين وإرادتين بارزتين:

محطة 7 شتنبر: شكلت محطة الانتخابات التشريعية لـ 7 شتنبر 2007 أبرز حدث سياسي في المغرب، عبر فيها الشعب عن رأيه وقال كلمته غير المسبوقة في التاريخ السياسي الحديث للبلد (80% من الكتلة الناخبة قاطعت الانتخابات).

إلى جانب نسبة المشاركة الهزيلة هذه والأموال الضخمة (500 مليون درهم) التي صرفت بلا طائل على صناديق فارغة، هيمن العبث السياسي المخزني على مستويين اثنين:

* فمن جهة افتقدت صناديق الاقتراع للمعنى السياسي الذي تختزنه الانتخابات، أي أنها حافظت على دورها المرسوم لها وهو الإبقاء عليها كأداة تقنية لفرز الموظفين والمنفذين والخدام لدى السلطة المركزية للملك (افتقاد الأساس الدستوري الذي يضمن الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، ضعف صلاحيات الحكومة والوزير الأول…).

* ومن جهة ثانية رغم المقاطعة الكبيرة لعموم المغاربة للمهزلة الانتخابية، مضى صناع القرار في تنصيب البرلمان وتشكيل الحكومة وتدشين دورة سياسية جديدة دون اعتبار لرأي الأغلبية، وهو ما طرح أزمة فكرية على “الديمقراطية السياسية” التي تأسست على قاعدة حكم الأغلبية فإذا بها تتحول في المغرب، وكثير من دول الاستبداد، إلى حكم الأقلية.

كان من المفترض أن يعلو صوت “العقل” ويحافظ النظام السياسي على حد أدنى من المروءة، ويلغي نتائج انتخابات هزلية هزيلة، ويعلن أن البلد في حالة شرود سياسي، ويؤسس لإطار دستوري جديد ومناخ سياسي سليم تستتبعه انتخابات جدية ونزيهة، لكن يبدو أن النظام المخزني فضل بدل كل ذلك أن يحافظ على صفته الاستبدادية في إدارة البلد واستفراده التام في اتخاذ قراراتها المصيرية.

إرادتان متفاوتتان ساهمتا بوضوح في رسم لوحة هذا العبث السياسي، واحد مركزية وثانية تبعية:

* إرادة مركزية: حافظت مؤسسة القصر خلال 2007 على هيمنتها واستفرادها واستحواذها بإدارة وتخطيط وتشريع السياسات العامة للمغرب، وبقيت المؤسسات “المنتخبة” منفذا مخلصا للاستراتجيات المرسومة (تعيين الحكومة، الخطاب الافتتاحي للدورة التشريعية، تدشين الملك لجل المشاريع الصغيرة والكبيرة…).

* إرادة تبعية: شكلت السنة التي نودع وخاصة المراحل المختلفة للانتخابات التشريعية الثامنة منحدرا جديدا في إرادة الأحزاب وقادتها الطامعة في الكراسي (خطاب حزبي انهزامي، تبرير ديماغوجي للصلاحيات الملكية، ديمقراطية داخلية مفقودة، سيادة معيار المصلحية، نزيف غير منقطع…).

ولعلنا جميعا نستحضر الطريقة التي غادر بها اليازغي وأحرضان وعصمان قيادة أحزابهم، وأكيد أننا لا ننسى النهم والجشع الغريب الذي حكم كثيرا من الأحزاب في نقاش المناصب عند تنصيب حكومة عباس الفاسي.

2- هدر الاقتصادسجل المغرب نسبة تضخم بلغت 2.2 خلال 9 أشهر الأولى من 2007، وهو الرقم الذي شكك فيه الخبير الاقتصادي المغربي عمر الكتاني-إلى جانب أرقام أخرى- معتبرا أنها مغالطات للتمويه على المواطن. مشيرا إلى أن العجز التجاري، الذي بلغ نهاية أكتوبر الماضي 110 ملايير درهم، تضاعف بسبب اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا.

يؤكد الخبراء أن المغرب يعيش وضعا اقتصاديا صعبا، إذ توقعوا ألا يتجاوز النمو الاقتصادي 2.5% بعدما توقعت الميزانية أن يبلغ 3.5 %، ليس لأسباب موضوعية بالدرجة الأولى وإنما بسبب سوء التدبير وجشع المسؤولين ونهب خيرات البلاد وهدر مقدراتها الاقتصادية والاستراتيجية.

يضاف إلى سفاهة المسؤولين في تبذير الأموال العامة في التفاهات والترهات، احتكار الأخطبوط الاقتصادي المغربي الخاص (مجموعة أمنيوم شمال إفريقيا ONA) لصفقات خصخصة القطاعات العامة وبيع ممتلكات الدولة لصالحه دونا عن باقي المنافسين الاقتصاديين.

وفي هذا السياق دعا الاقتصادي “عمر الكتاني” إلى “تغيير العقليات التي تسير الاقتصاد المغربي، لأن المسألة غير مرتبطة بالشق التقني بقدر ما هي مرتبطة بالشق السياسي وبطريقة تدبير السياسة الاقتصادية المتميزة بالريع، متهما الطبقة السياسية التي لا تتخذ أي قرار يعارض مصالحها” (التجديد عدد 1796).

وقد انعكست السياسة الاقتصادية المتبعة سلبا على الوضع الاجتماعي والمستوى المعيشي للمغاربة.

3- بؤس الاجتماعالنتائج الكارثية للهدر الاقتصادي ستتجلى بوضوح على المستوى الاجتماعي، فقر مدقع وبطالة متفشية وأمية مستمرة وقدرة شرائية كسيحة وسكن عشوائي غير لائق وزيادات في الأسعار مهولة وثبات في الأجور الهزيلة…

إذا كان من عنوان بارز ميز سنة 2007 في المغرب الاجتماعي فهو الاحتجاج، حيث واجهت شرائح المجتمع المختلفة “سفاهة” النظام السياسي وإسراف القطاعات الحكومية والخاصة بتنسيقيات وشبكات واحتجاجات وعرائض، وعاشت أغلب المدن على صخب الشعارات والوقفات والمسيرات الاحتجاجية المستنكرة للتفاوت الطبقي الصارخ (تفاوت الأجور قد يصل 1000 درجة).

ويكفي أن نستحضر هنا صورا متناقضة غريبة في بلد “الغرائب”، فحوالي ثلثي المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر (10 دراهم فقط) مقابل إسراف غير مفهوم على المهرجانات واستدعاء “الفنانين والفنانات” لإحياء السهرات الماجنة (مثلا هيفاء وهبي تقاضت 135 مليون عن “غناء” 20 دقيقة)، وقرابة مليون و98 ألف عاطل حسب المندوبية السامية للتخطيط لا يجدون شغلا وفي المقابل تبذير لا معنى له على برلمان يغط بعض أعضائه في النوم ويغيب أغلب أفراده عن مؤسسة تكلف المغاربة سنويا 400 مليون درهم.

شخصيا لا أفهم المعيار الذي يحتكم إليه ساستنا وهم يبذرون أموال الشعب بصفاقة على “الثقافة والرياضة والسياسة” مقابل شح شحيح على المشاريع الاجتماعية الحقيقية.

إن الواقع الاجتماعي البئيس، لم ينتج لنا إلا سلوكات وانحرافات مختلفة (“الحريك” عبر قوارب الموت، تسول بلغ محترفوه رسميا 195 ألفا و950 شخص، تفشي ظاهرة الإجرام المنظم، بيع للأعراض بشكل غير مسبوق…).

هذا هو واقعنا الاجتماعي المزري ومعاشنا البئيس الذي دفع رجلا مثل السيد “عز الدين” إلى أن يسكن هو وزوجه وأطفاله في مرحاض سيدي أحمد حجي بسلا في إنجاز وطني غير مسبوق.

4- مسخ الثقافةيفترض في الثقافة أنها إحدى أهم فضاءات صياغة الشخصية العامة وتثقيفها وتربيتها وتهذيبها، لذلك تحظى فلسفتها وموادها وبرامجها بأولوية بالغة في الرؤى الاستراتيجية والمشاريع السنوية للبلاد الواعية المحترمة لنفسها المنسجمة مع ذاتها، ويبقى العنوان الأبرز المؤطر لكل هذا هو انسجام الثقافة مع هوية المجتمع وعقيدته وأخلاقه ورؤيته للإنسان والأشياء والحياة والكون.

لنتأمل للحظات في الفلسفة الثقافية في بلد يقول بأنه إسلامي، مؤتمرات إشاعة الفحش والرذيلة (البولفار مثلا) وبرامج ثقافة الميوعة (استديو 2M، و”للالعروسة” مثلا) ومهرجانات للسينما “الوطنية” تمجد الجنس خارج إطار الزواج (مهرجان طنجة الأخير مثلا) وسياسة ثقافية رسمية ماجنة… بماذا يمكن أن نخرج؟

يمكننا أن نخلص بيقينية تامة إلى أن “الثقافة” في المغرب وجهتها هي إفساد الأخلاق العامة للمجتمع، وقبلتها هي تمييع الشباب وضرب كل معنى للقيم والأخلاق والالتزام التي تواضع عليها المغاربة وأقرها دينهم الحنيف.

بل إن السياسة الثقافية في المغرب ليست إلا نسخة رديئة للثقافة العربية التي لا تتغنى إلا بالجنس والزنا، وكأن كل المشاكل والهموم تم حلها ولا جمال ثمة ولا معنى يُتغنى به، ولا ترسخ إلا الانبطاح والاستسلام للواقع المتردي الذي نهوي إليه بقيادة الأنظمة العتيدة.

فدعاة العري والمجون من “فناني” الشرق والغرب مُرَحَّب بهم في بلادنا مُغدقة الأموال عليهم من جيوبنا أما “السهام” و”المشاهب” و”رشيد غلام” و”أحمد السنوسي” و”سعيدة فكري”… وكل من يتغنى بالقيم والوطن والأم والمدرسة والإنسان وهموم المجتمع والأخلاق وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فممنوع محاصر، ومهمش في أقل الأحوال.

-يتبع-