من القضايا الأساسية في نقاش الحركة الإسلامية، خصوصا في المرحلة الحالية، إذ هي مرحلة مخاض عسير ينبئ بولادة جديدة تكون الكلمة فيها لأصحاب النيات الصادقة والنفوس الطاهرة والقلوب المتحلية بزينة القرآن، تصديقا لموعود الله ورسوله، في هذه المرحلة تثار قضية القيادة: من يقود وأي قيادة لهذه المرحلة؟ وما هي معالمها الأساسية كي تسير سفينة الحركة على بصيرة من أمرها، وترسو على شاطئ التمكين والعزة، وتحفظ الوعد، وتدور مع سنن الله في رضا واستسلام؟ قيادة وطليعة تجيب عن أسئلة الحيارى وتملأ الصف الإسلامي صدقا، وتوجه بوصلة الجموع المسلمة.

هذه الأسئلة وغيرها تجد صدقيتها من كون “القيادة -طليعة الركب ورأس القافلة- وتأثيرها على الصف بليغ وعميق… فإن هي تخاذلت ويئست عرضت الصف للتخاذل واليأس، وإن هي صمدت أمام الملمات وثبتت في وجه التحديات أشاعت في نفوس الأفراد والجنود روح الأمل والإقدام(1). فما هي أهم الصفات التي ينبغي أن تتميز بها القيادة والطليعة المجاهدة في المرحلة هاته وما بعدها؟

1- الربانية قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران79.

هي صفة تجعل شخصية المؤمنة القائدة والطليعة المجاهدة متعالية عن سفاسف الدنيا متوجهة إلى الله عز وجل سائرة على درب النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نهج الصالحين من سلف الأمة، سائرة مع الأمة وبالأمة “يذكون فيها جذوة الإيمان ويربون، ويعلمون ويجددون ما بَلِيَ من عقيدة، ويصلحون ما فسد من أخلاق وتبلد من عقول، وتوقظ ما فتر من همم”(2) طليعة تمتح من المعين النبوي الصافي، تقود وتنظم وتعطي دون أن يكون لها من الأمر حظ لنفسها. وإلا انكفأت وصارت تنظر نظرة قاصرة مقصرة تصير معها الحركة في مهب الريح لا توجهها إلا الأحداث اليومية والنزاعات الداخلية والخارجية.

إن صفة الربانية في القيادة والطليعة المجاهدة تجعلها في منأى عن المساومات أو الإغراءات والابتزاز والمقايضة: “والله لو وضعوا الشمس عن يميني والقمر عن شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته”، نعم هذا هو دستور القيادة الربانية حتى يصير دالاّ عليهم فهم مصطفون لإشاعة الأمن والرحمة وتثبيت الخطى وتقويم الانحراف لا يضرهم في ذلك من خالفهم، همهم البناء والتنظيم والزحف انتظارا وتحقيقا لموعود الله ورسوله.

وعلى النقيض من ذلك لئن غابت هذه الربانية وصارت القيادة زعامةَ، والكراسي مطلبا، وهدف القادة لأن يكونوا وزراء قبل أن يكونوا شهداء، إذا كان ذلك انحصر التأثير وضاع الأفق وحمل التنظيم بدرة التساقط والتهاوي -عافانا الله-، ولكَم حار الشباب المسلم وهو يقلب وجهته كل مرة نحو القيادة الجديدة والتنظيم الجديد ويرجع في كل مرة “بخُفي حنين” من أفغانستان إلى الجزائر إلى السودان…بل وأصبح من “موضة” الحركة الإسلامية ما يسمى “المراجعات”، وصار الظهور الإعلامي الشغل الشاغل. فسعت الحركة الإسلامية وراء ردود الأفعال الوقتية الملتصقة بالأرض لا ترقى إلى الهدف الأسمى والغاية الكبرى التي من أجلها قامت هذه الحركات المباركة. فيا تُرى لِمَ لم يعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم حركة اجتماعية أو نعرة قومية، وقد كان له من المقومات ما يعينه على ذلك، ثم يجمع العرب وبعد أن يستجمع السلطان بيده يستخدمه في إقرار عقيدة التوحيد؟ ولِمَ لم يتخذها “استراتيجية” عندما عرضوا عليه التداول على عبادة الله وآلهتهم؟

إن الطاغوت واحد أيا كانت تركيبته، ومهما تعددت أقنعته، وطريق الله واحد لا يحابي أحدا، والقيادة القادرة على زحزحة هذا الطاغوت واجتثاث مفاسده هي القيادة الربانية، السائرة على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطليعة التي تشم الأمةُ منها رائحة النبوة، تهفو إليها القلوب قبل العقول، وتربط الجند بالله، بالسماء قبل الأرض والدولة والسلطان (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة). وليس غريبا أن نجد اليوم من الحركات الإسلامية من تنسج على منسج تبادل المواقع في القيادة والتسيير على غرار الأحزاب والتنظيمات المدنية، وتعيِّر غيرها باحتكار القيادة للسلطة، ولا خبر ولا حديث عن قلب رباني يجمع على الله، قلب وارث يكون جسرا لنيل رضا المولى، ويهديك طريق الهجرة إلى الله، لا إلى دنيا تصيبها أو امرأة تنكحها أو دولة وسلطان تمتشق فيهما سيفك قبل قرآنك.

وهذه القيادة -بلا ريب- اصطفاء رباني وعناية إلهية: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها”(3)، وأعِد أخي الكريم الحديث -أعزك الله- وبعد أن تصلي على صاحبه، قف وقفة مع كلمة “يبعث” ثم شاركني الجواب: أالقيادة(4) ترشيح وانتخاب؟ أهي صراع الكراسي والنفوذ؟ أم هي اصطفاء واختيار من العليم الحكيم؟

2- الإحسان أولا ننطلق في الحديث عن هذه الخاصية من اللفظتين القرآنيتين الأصيلتين: “العدل” و”الإحسان” لنستجلي صفة الباعث في حركة القيادة الربانية والطليعة المجاهدة، هل الباعث في الحركة هو طلب رضا الله أولا وأخيرا؟ أم تراها مناكفة للخصوم ليس إلا؟ هل الباعث حب لله ورسوله، وطمع في نواله؟ أم هو خبز وكسب والتصاق بالثرى؟

ولعل القيادة التي كان الباعث الثاني محركها وموجهها، كانت كحاطب بالليل، بل وصرفت الجهود في ما هو فرع ثانوي ونسيت الأصول… فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم على مدى ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة لا هم له إلا صقل القلوب وربطها بالله عز وجل في استعلاء تام عن المراتب والمكانات الأرضية، ولما استنصره الصحابة ذكَّرهم بمن نُشروا بالمناشير ومشطوا بالأمشاط …فكانت قلوب وعقول الجيل الفريد على الإحسان، ولما باعوا أنفسهم وأموالهم لله عز وجل واسترخصوا السلطان وزهدوا فيه استأمنهم على الخلافة.

وهَاكَ الصورة على لسان الشهيد سيد قطب التي يرسمها في معالمه “فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض -كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم… أصبحوا أمناء على الأمة الكبرى… أمناء على العقيدة… وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم…”(5). ولا عجب  أيضا- من أن يكون مسلمة الفتح من نقض عروة الحكم في أول فرصة وامتحان، فمالت القلوب إلى السلطان وعَزَّ طالب الإحسان، فعلِمتَ ما كان.

ولكَم طرأ في عصرنا الحديث من تطاحن للقادة والطلائع شركاء الأمس في الخندق الواحد في أفغانستان والسودان و…ومن قادة الحركة الإسلامية من يتفهم(6) الاعتداء على بيوت وحرمات إخوانهم وجيرانهم في الصف من لدن قوى البغي والاستكبار، وذاك داء عضال، دون بلْسَمِهِ قلع الجبال وحصي الرمال، ما لم يتداركك بلطفه الكبير المتعال.

ولا غرابة أن نجد أحد منظري الفكر الإسلامي المعاصر ممن خبر الحركة والعمل الإسلاميين، الأستاذ عبد السلام ياسين يقرع ناقوس الخطر تحذيرا من الانزلاق والانجراف نحو السلطة بقلب خاوٍ إلا من مطلب أرضي، خاصة وأن هامش الخطأ ضاق للحركة الإسلامية إذ سيكون المسمار الأخير في نعش آمال الشباب المتلهف المشرئب إلى التغيير والتحرر من ربقة الدنيا والطاغوت. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لا نمل التذكير بهذا ولن نكف عنه، فلأن نرابط في مساجدنا حامدين ذاكرين تالين مائة سنة حتى يولد إيماننا فيَشِبَّ فيقوى خير من مغامرة باسم الإسلام والقلوب فارغة إلا من طلب السيف للتسلط على العباد”(7).

“ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا”.

حفظك الله ورعاك أخي الحبيب

—————————————

1- فتحي يكن: المتساقطون على طريق الدعوة ط 6-1985 ص76.

2- عبد السلام ياسين: رجال القومة والإصلاح. منشورات الصفاء للإنتاج 2001 ص42-43.

3- رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه.

4- أقصد بالقيادة: الدلالة على الله والتربية والسلوك إلى الله لا رئاسة الدولة.

5- سيد قطب: معالم في الطريق. دار الشروق ط2000 ص35.

6- مجلة منار الهدى العدد8 السنة5 دجنبر2006/يناير2007 ص16 و17.

7- عبد السلام ياسين: مقدمات لمستقبل الإسلام ط1-2005 ص45.