دلالة السياق

نخصص الحلقة الرابعة من هذه الدراسة للحديث عن السياق الذي صيغت فيه وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، ولا يخفى على أحد أن الإلمام بالسياق مهم لفهم متكامل لرسائل الوثيقة وكذا معرفة المعنيين بها. ونتناول في هذا الصدد السياق الذاتي والموضوعي والزمني.

السياق الذاتي: ثبات رغم الابتلاء

ويرتبط بجماعة العدل والإحسان التي تعرضت خلال السنة الأخيرة لحملة مخزنية شاملة ومستمرة استهدفت أعضاءها والمتعاطفين معها.

وهي حملة شاملة لأنها لم تستثن شريحة ولا منطقة، حملة طالت شمال المغرب وجنوبه، وغربه وشرقه، سواء في المدن أو البوادي، كما أنها طالت الذكور والإناث والصغار والكبار، والطلبة والموظفين والتجار والحرفيين، والقاعدة والقيادة.

وهي حملة مستمرة لأنها لم تتوقف طيلة هذه المدة كلها، أي أزيد من سنة ونصف لشكل بذلك أطول حملة ضد الجماعة.

وهي حملة خاصة لم يسبق لها مثيل ويتضح ذلك من خلال:

أ- حجم ما أنفق فيها من أموال وما استنفرته من جهود وما رصد لها من إمكانيات حتى أصبح منع العدل والإحسان الشغل الشاغل لرجال السلطة، وكلنا يتذكر تصريح وزير الداخلية لوكالة الأنباء الفرنسية يوم 31 ماي 2006 حين قال”إنه من خلال تكثيف أنشطتها تكون العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”.

ب- المشاركون فيها: سواء السلطة بكل أجهزتها العلنية والسرية، وما أكثرها، أو بعض الساسة والإعلاميين أو المثقفين الذين يتحركون بدافع العمالة للمخزن، أو بدافع عداء تاريخي أو سياسي أو إيديولوجي للجماعة، أو بسبب تخوف على ضياع مكاسبهم بسبب سعة انتشار الجماعة والإقبال الملفت على أنشطتها والحضور الكثيف لأعضائها في كل المناسبات العامة.

ج- الوسائل المستعملة فيها: وهي الوسائل التي تضرب عرض الحائط كل القوانين والأخلاق والأعراف حتى إنها وصلت إلى حد اختلاق الملفات الأخلاقية وخرق القانون وتسخير القضاء لاستصدار أحكام تخدم هوى جهات نافذة في السلطة.

د- هدفها: حيث هدفت هذه الحملة إلى:

– تشويه الجماعة للتنفير منها بعد النجاح الذي لقيته الأبواب المفتوحة التي نظمتها الجماعة والإقبال الكثيف عليها من قبل المواطنين بمختلف فئاتهم.

– التعتيم على الحيوية التي تعرفها الجماعة والإيحاء بأنها تعيش تراجعا وجمودا، وينخر جسمها خلافات داخلية.

– التضييق على حركة أعضائها من خلال استهداف مقراتها وتجهيزاتها لاقتناع السلطة أن العدل والإحسان هي الهيئة الوحيدة الموجودة في كل المناطق ووسط كل الشرائح وداخل كل المجالات، ووحدها التي تنافس “الدولة” في هذا الباب.

هذا سياق لا يجب أن يخفى على أحد، ولا يمكن فهم الوثيقة بدون بسطه وفهم أبعاده ومراميه. فهذه الحملة لم تنل من الجماعة وبقيت صامدة وثابتة بتوفيق من الله عز وجل، وبحكمة قيادتها التي لم تستدرج لردود الأفعال، وبفضل ثبات أعضائها ويقظة مؤسساتها وقدرتها على التأقلم مع كل الأوضاع سواء في السراء أو الضراء، أو في المنشط والمكره.

السياق الموضوعي: بلاد على حافة الهاوية.

ويرتبط بالجو العام الذي يطبع البلاد، فهي خرجت من مهزلة الانتخابات وما واكبها من مقاطعة شعبية واسعة رغم حملات الدعاية والإمكانيات التي رصدت لإنجاحها. والانتخابات، في الحقيقة، لم تكن إلا مؤشرا على حالة الغضب الشعبي وعدم الرضا على سياسات عامة سادت لعقود ولم تقد البلاد إلا إلى السكتة القلبية والهاوية والإفلاس.

لذلك حرصت الوثيقة على تقديم الصورة الحقيقية للبلاد من دون تزيين ولا تنميق ليتأكد للجميع عمق الأزمة التي تتخبط فيها البلاد واستحالة حلها بأوهام المشاريع والإشارات والشعارات والإصلاحات الترقيعية، وليكون الجميع على بينة، وليتجند الجميع للإصلاح والبناء بعيدا عن كل مزايدة أو تسويف أو أنانية. كما أنها تعبير عن موقف سياسي لفاعل مجتمعي يرفض أن يكون ضحية حملة تضليل تتلاعب بالأرقام وتسوق الوعود بالحديث عن مغرب النماء والأوراش المفتوحة والإنجازات المحققة و…

هذا السياق الموضوعي يفيد في فهم الوثيقة وخاصة من قبل من يرون فيها صفحة سوداء للبلاد وأنها لم تركز إلا على السلبيات، فهي لحظة مكاشفة ومحاسبة، ولا يمكن أن تصف الدواء قبل تشخيص الداء بوضوح وصراحة وتفصيل وشجاعة.

السياق الزمني: بعيدا عن ردود الأفعال.

دلالة التوقيت مهمة كذلك لفهم مضامين الوثيقة ورسائلها؛ فجماعة العدل والإحسان لم تشأ أن تكون الوثيقة ردة فعل على الحملة المخزنية ضدها، ولم ترد أن تكون شماتة أو تشفيا في الانتخابات / المهزلة، ولكنها اتخذت مسافة زمنية حتى تهدأ الأجواء وتتضح الأمور وتتوفر القابلية للاستماع والحوار.

كما أنها اختارت نهاية السنة لأن العادة جرت أن تكون مناسبة لرصد الحصيلة واستشراف آفاق جديدة، ولذلك ارتأت العدل والإحسان المساهمة في نقاش يفترض أن يفتح بهذه المناسبة، وأن يكون عموميا، ومفتوحا أمام كل فئات الشعب ومكونات المجتمع. ولذلك سيلاحظ المطلع على الوثيقة خلوها من أسلوب فرض الحلول أو إملاء المقترحات الجاهزة لأن هدفها بالأساس هو تحريك بركة آسنة تسمى تدبير الشأن العام ووضع السياسات العامة وأحسن الطرق والوسائل لتنزيلها حتى ينعم الشعب بالرفاه في الدنيا وبالفلاح في الآخرة “يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”.

كما أنها انتظرت الدورية العادية للمجلس القطري لترسل رسالتها. وفي ذلك دلالة أخرى نقف عندها في حلقة قادمة لنجيب عن سؤال:

لماذا صدرت هذه الوثيقة عن “مقدس”؟