الفصل الثاني: في تصور التغيير

منهاج النبوة في التغيير

في سورة البلد(90 سورة البلد مكيّة)بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ1. لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ

2. وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ

3. وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ

4. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ

5. أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ

6. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا

7. أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ

8. أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ

9. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ

10. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ

11. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ

12. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ

13. فَكُّ رَقَبَةٍ

14. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ

15. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ

16. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ

17. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ

18. أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ

19. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ

20. عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ

تبدأ السورة بالقسم، والقسم من الله يكون بما هو عظيم. أقسم بالبلد؛ مكة الكعبة المشرفة، كعبة العبادة. وأقسم بالنبي وهو حل عابد فيه. وأقسم بالمجتمع في هذا البلد، “ووالد وما ولد”.

للبلد شأن إذ هو موطن العبادة، وللنبي شأن إذ هو قدوة العابدين، وللناس شأن إذ هم مبشرون بالخروج من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

بداية التغيير، وحركة الفعل فيه هذه عواملها وقواعدها: بلد، ومجتمع، وصاحب رسالة.

“وأنت حل بهذا البلد”

أي مقيم فيه ومنه ولست أجنبيا عنه. “مُعَظِّم لَهُ، غَيْر مُرْتَكِب فِيهِ مَا يَحْرُم عَلَيْك”. (تفسير القرطبي)

داعية نبي وبلـد وناس. ناس يرى الداعية أنهم في كبد، يقسم الحق عز وجل أن الإنسان في كبد وعناء وشقاء. مهمة الداعية إخراج الإنسان من كبده وشقاوته. وكيف إن لم يكشف عن أسباب هذا؟.

“أيحسب أن لن يقدر عليه أحد”.

يتكبر الإنسان، ويتعالى بأنانيته على بني جنسه، فيوردهم نار الهوان، ويورد نفسه الهلاك والشقاوة.

“يقول أهلكت مالا لبدا”.

يتعالى بماله، وحبه لماله، يتخذ من المال طريقا للجاه والسلطان.

“أيحسب أن لم يره أحد”.

يحسب الإنسان أنه لا رقيب عليه، يفكر ويقدر بعيدا عن الرقابة الإلهية، والتوجيه الإلهي، والوحي الإلهي، يتأله بعقله، غافلا عن الله وذكره.

وهكذا الإنسان في كبد. في كبد أنانيته، وفي كبد ترفه وعادته، وفي كبد عقلانيته المتألهة.

تقول أنانيته: “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى”. (سورة النازعات آية 24).

وتقول عادته: “أهلكت مالا لبدا”.

وتقـول عقلانيته المتألهة: “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ “. (سورة غافر آية (29

في كبد هو الإنسان، في فتنة وبلاء. في ضلالة ثلاثية الأبعاد أنانية وعقلانية وعادة.

يتأمل الداعية الضلالة، يكشف عن جذورها. ثم يبدأ عملية العلاج، يبدأ بالدعوة، مذكرا بخلق الله للإنسان، وبما هو به معتد وبه يتجبر ويترف ويتمعقل.

“ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين”.

يبسط الداعية النظرة الفطرية للإنسان والكون من حوله. يذكره أن الله خالقه وخالق الكون من حوله، فيكيف يطغى ويظن أنه استغنى.

بعد هذا يرسم الداعية طريق الخلاص، بعد التذكير بمنطلقه وأساسه؛ وهو أن الله خلق الإنسان، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.

“وهديناه النجدين”.

يرسم الداعية الطريق المستقيم، يثبت رسم الهدى ويمحو رسم الضلالة.

“فلا اقتحم العقبة”.

يدعو الداعية الإنسان أن يقتحم العقبة، عقبة الكبد، كبد الأنانية والعادة والعقلانية. وما أدراك ما العقبة؟

“فك رقبة”.

هكذا يتخطى الإنسان أنانيته، يتحرر من التعالي على الخلق، ويسعى في فك الرقاب.

“أو إطعام في يوم ذي مسغبة”.

هكذا يقتحم عقبة العادة عقبة المال وحب المال، ينفق مطعما.

“ثم كان من الذين آمنوا”.

هكذا يتخطى عقبة الغفلة عن الله. فيؤمن به، وبغيبه وآخرته وجنته وناره، ويدرك معنى الموت والحياة والنشور.

يقتحم الإنسان عقبة الكبد والشقاء، لما يخرج، عن أنانيته فيفك الرقاب، وعن عادته فيطعم الطعام وينفق في سبيل الله، وعن عقلانية حين تخالط بشاشة الإيمان قلبه.

يقتحم كل هذا ويدعو غيره إلى الاقتحام.

“وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة”.

يحرص على الصبر في الجهاد والمرحمة فيه.

أما نجد الضلالة، فنجد تكذيب، وعاقبته شؤم.

“والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة”.

الذي كفر ولم يؤمن، كان عاقبته السوءى، نار موصدة.

يبين الداعية أن الدين اقتحام لعقبة الكبد، وأن مضمون الاقتحام هو إيمان معينه العبادة. وفك الرقاب برهان حب الناس، وحسن صحبتهم، بدل التعالي عليهم. وإطعام الطعام، برهان الخروج عن الترف وعوائده.

صحبة في الله، عَقِبَ أنانية. وذكر لله، عَقِبَ غفلة. وصدق في طلب وجه الله، عَقِبَ ترف وعادة وتعلق بالدنيا.

أول ما يحب الإنسان الداعية المصحوب. أول باب الهداية والتغيير وجود المصحوب ودلالة المصحوب وحب المصحوب. ثم اقتحام العقبة؛ تكون بالإيمان والبذل وحسن صحبة الخلق. بكلمة جامعة تكون بالعدل والإحسان.

“ثم كان من الذين آمنوا”.

يكون الاقتحام على شطري الصحبة والجماعة.

جماعة تتواصى تتشاور. “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”. (سورة الشورى آية 38)

وهكذا يكون الاقتحام في أحضان الصحبة والجماعة، في مصاعد العدل والإحسان والشورى.

هذا الدين: صحبة وجماعة (فاعل) وعدل وإحسان وشورى (موضوع).

الصحبة مقوماتها أنها “حل بهذا البلد”، شاهدة. شاهدة على الكبد، بصيرة بأسبابه، مبشرة باقتحامه، منذرة مغبته وسوء عاقبة من لم يقتحم.

الداعية شاهد عالم بالواقع وما يجري فيه، مبشرا بطريق اقتحامه، باسط خطته كالمحجة البيضاء، موقنا في النصر القريب، منذرا من أعرض أن يبوء بالخسران وسوء العاقبة. ثم هو في كل هذا القدوة الكاملة في الاقتحام. فهو المؤمن الموقن، وهو العادل القوي، وهو الخاضع لجلال الله الرحيم بخلقه. هو عبد الله فلا يقول للناس “كونوا عبادا لي من دون الله”. هو الموقن أن الله خالق كل شيء، وهو المستقيم على منهج الله.

الداعية شاهد عالم ومبشر ومنذر وهو عامل. علمه بما شهد، والتبشير بالهداية، والإنذار والتحذير من الضلال، هذا هو المنهاج النبوي.

المنهاج علم بالواقع وما يجري فيه، وعلم بالشريعة وخطة تنزيل الشريعة وعاقبة العدل عن الشريعة. هو عمل وسلوك، هو العلم والعمل معا.

والجماعة هذه مقوماتها: الإيمان بالله واليوم الآخر والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة.

نواظم ثلاث تنتظم أمر الجماعة المومنة:

(الأولى) تواص في الله؛ نصيحة وشورى.

(الثانية) صبر على الطاعة لله ورسوله.

(الثالثة) مرحمة؛ حب في الله عز وجل، يغذوه الإيمان بالله واليوم الآخر.

وعن الإيمان يفيض كل هذا. وهذه شروطه: صحبة ربانية، وذكر الله، وصدق في طلب وجه الله. (اقرأ سورة الفتح الآية 29).

جماعة المؤمنين “تواصوا بالمرحمة” فجمعتهم الصحبة الربانية، “وتواصوا بالحق” فجمعهم الذكر، “وتواصوا بالصبر” فجمعهم العمل والجهاد والصـدق مع الله في كل ذلك.