أجرت صحيفة “الوقت” البحرينية حوارا مهما مع الأستاذ أحمد بوعود، أحد أطر جماعة العدل والإحسان، حول عدد من القضايا المتعلقة بالتجديد الإسلامي المعاصر وإشكالاته وعلاقته بالواقع المعاش، نعيد نشر جزئه الأول تعميما للفائدة.

تقديم صحيفة “الوقت”:

الأكاديمي المغربي أحمد بوعود مهتم بالبحث في قضايا الاجتهاد والتجديد في الإسلام، وهو يقف عند جملة من التحوّلات التاريخية التي لابد من الوقوف عندها من أجل “”قراءة تاريخ الفكر الإسلامي عموما، وبحث سد باب الاجتهاد في جميع مجالات الفكر، وما نتج عن ذلك كله من استفحال القطيعة بين مؤسسة العلماء ومؤسسة الحكم، وبتعبير آخر القطيعة بين الفقه الفردي والفقه الاجتماعي، وحدوث الفجوة بين الشريعة والواقع التي أخذت في الاتساع مع تقدم الزمان””. وقد نشر بوعود عدداً من الكتب التي ناقشت هذه المسألة وارتباطاتها بالواقع، ومن ذلك كتابه “”الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع”” الذي اقترح فيه “”تجديد الفكر الإسلامي وفق تلك التحولات وفي إطار هذين المقصدين وذلك في مجالات علم الإحسان، مع علم العقيدة، وعلم الكتاب والسنة، وعلم المقاصد، وفقه الواقع””. ومن بين اهتمامات بوعود البحث في فقه الواقع وعلم المقاصد، حيث يجترح عدداً من المراتب التي تأسّست عليها، كما يقول “”اجتهاداتُ الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم”” مضيفاً إلى أن “”الاجتهادات غير الموفقة التي نسمع بها، والدعوة القاصرة”” ما هي “”إلا نتيجة لعدم فقه المقاصد ولجهل الواقع”.

سؤال: ثمة حديث متواصل حول الإصلاح في الإسلام، أو الإصلاح الدّيني، ومن اللافت أن هذه الموضوعة باتت واحدة من موضوعات البحوث والدّراسات الاستراتيجيّة في العالم الإسلامي وخارجه، ولكن الملاحظ أن هذه الموضوعة مازالت بطيئة في الإنتاج التراكمي، خصوصاً في دائرة الإسلاميين، حيث يُلحظ قلة المدارس التجديدية والمنهجيات القادرة على بلورة دعوات التجديد، ويمكن ملاحظة أنّ المدارس الإصلاحية السّائدة هي نتاج عقدين سابقين وأكثر. ما رأيكم في هذه النظرة؟ وما هي في نظركم الوسائل الكفيلة بتحويل الإصلاح الدّيني من مرحلة الدعوى إلى مرحلة الفعل والإنجاز؟

جواب: أشكر صحيفة “”الوقت”” على دعوتها الكريمة متمنيا لها مزيدا من النجاح والتوفيق، كما أشكر نادر المتروك على ما بذله من جهد للاتصال بي وإجراء هذا الحوار. بداية أشير إلى أني أفضل مصطلح “”التجديد الديني”” عوض “”الإصلاح الديني”” لما لهذا الأخير من حمولة فلسفية غربية ارتبطت بالصراع بين الكنيسة والعلم هناك، في حين أن المصطلح الأول -التجديد الديني- مصطلح نبوي كما في قوله صلى الله عليه وسلم “”إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها””. في الحقيقة إن الأمة اليوم تفتقر إلى جهود تجديدية للدين. ومن الصعب اليوم أن نتكلم عن التجديد في شخص فرد، بل يحتاج ذلك إلى جماعة وإلى مؤسسة. من هنا يأتي تفسير “”من”” الواردة في الحديث؛ إذ من الإجحاف قصرها على الفرد دون الجماعة. ومن يتتبع الساحة الفكرية في العالم الإسلامي لا يكاد يجد سوى جهود متناثرة هنا وهناك لا يستقيم معها تجديد.

سؤال: وإيلام تعوزون فقر جهود التجديد الديني في العالم الإسلامي؟

جواب: فقر الجهود التجديدية راجع في نظري إلى أمرين: الأول: إغفال المسار التاريخي للأمة الإسلامية، فبعدما عاش المسلمون أعواما في ظل النبوة والخلافة الراشدة، حيث القرآن حاكم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم متبعة، والدولة خادمة للدعوة وحامية لها؛ حدثت في تاريخ المسلمين صدمة كان لها أسوأ الأثر على حياة المسلمين، دنياهم وأخراهم، إذ انتقضت عروة الحكم وتحولت الخلافة إلى ملك عاض ثم جبري تكتوي بلظاه اليوم الحركة الإسلامية والعلماء العاملون وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه التحولات في عدد من الأحاديث، حيث وضح ملامحها ووضح خصائصها، ويؤكد هذه التحولات ويبين خطرها حديث النبي صلى الله عليه وسلم “”لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة””.

إنها تحولات خطيرة في تاريخ المسلمين أثرت على حياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، لا ينبغي إغفالها في نهضة المسلمين المعاصرة وفي أي بناء حضاري مرتقب حتى لا تكرر الأخطاء و””يعيد التاريخ نفسه””، وحتى يصح البناء. والأمر الثاني هو: عدم الجمع بين فقه الفرد وفقه الأمة، فالملاحظ في دعوة الأنبياء عليهم السلام أنها دائما ذات شقين، تقصد إلى توحيد الخالق عز وجل، وهو شأن فردي. وإصلاح ما فسد من أحوال الناس في سائر مناحي الحياة. وهذا شأن الأمة والجماعة.

سؤال: هل يمكن التأصيل القرآني لهذه النقطة بالذات؟

جواب: يحدثنا القرآن الكريم أن شعيبا عليه السلام أرسل إلى قومه لإصلاح فساد سائد هو الفساد الاقتصادي، إضافة إلى الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، ولوط عليه السلام، أرسل إلى قومه لعلاج التوحيد وقضية الفساد الأخلاقي الاجتماعي، والشيء نفسه مع موسى عليه السلام الذي بعث لإصلاح فساد سياسي ممثل في فرعون وملئه وآخر اقتصادي ممثلاً في قارون، إضافة إلى توحيد الله عز وجل. وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، أرسله الله تعالى بالقرآن الكريم بعد سلسلة من الرسالات أبلغت الإنسانية مرحلة الرشد تدريجيا ليكتمل لدى الإنسان منهاج الاستخلاف: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)) (المائدة :4)، فإن اتبع الإنسان هذا المنهاج وامتثل له تحقق له مقصدان: المقصد الأول: نال السعادة الأخروية والقرب من الله عز وجل، وهو هم فردي، وهي لب ما رغب فيه الشرع الحنيف، وهي الجزاء الأخروي الأوفى الذي حدثنا عنه القرآن الكريم في غير ما موضع، وكذا الحديث الشريف. والمقصد الثاني: كانت أعماله متفقة مع ضرورات الحياة الاجتماعية، وهذا مما يحقق الاستخلاف، وهو هم جماعي، ويساعد على تحقيق العبودية لله عز وجل. والأعمال المتفقة مع ضرورات الحياة الاجتماعية هي الأعمال التي تلتزم حدود الشرع، أوامره ونواهيه، وإن شئت فقل هي الأعمال الموافقة لمقاصد الشرع، وهي التي جعلها أهل المقاصد مندرجة في الضروريات من مقومات الحياة. على ضوء هذين المقصدين ينبغي أن يكون النظر في قضايا التجديد.

سؤال: يسود في الدّراسات الفقهيّة الحديثة مصطلح “”فقه الواقع””، وهو مصطلح رائج في مدرسة “”فلسفة الفقه”” الإيرانيّة، ومدرسة “”التفسير الموضوعي” التي طرقها محمد باقر الصّدر، كما أنه شاع مع الاتجاهات التحديثيّة في الفقه الإسلامي، كما هو مع الشيخ يوسف القرضاوي والجماعات الإسلامية المغاربيّة. كيف تبلور هذا المصطلح في البداية؟

جواب: كان اعتبار الواقع حاضرا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والمتتبع لكلامه صلى الله عليه وسلم يجد أجوبة متعددة للسؤال الواحد بتعدد السائلين واختلاف أحوالهم. مثلاً: فعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ نجد أجوبة متعددة وكذلك عندما سئل: أي الناس أفضل؟ وحين يقال له: أوصني. أو طلب منه عمل يُنتفع به، وغير ذلك حتى يخيل إلينا أن في أجوبته وتوجيهاته المختلفة تناقضاً، ولا يصح أن يكون التناقض في رسالة ربانية إلهية هي خاتمة الرسالات، لكن إذا وضعنا في اعتبارنا اختلاف أحوال السائلين زال ما قد يتوهم من تناقض.. لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أفقه الدعاة بواقع الناس وأحوالهم. ومن يستعرض السيرة النبوية الشريفة يجد النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس حسب أفهامهم، ويعاملهم ويخاطبهم حسب قدراتهم، كما كان يراعي أحوالهم في المنشط والمكره، ويعتبر حاجاتهم ويرأف بهم وييسر عليهم، ويرفع عنهم الحرج. وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم، يعلمون أسباب التنزيل، ومقاصد الشريعة العامة، وعادات العرب في أقوالها وأفعالها وأحوالها، ودخائل العدو الذي كانوا يجاهدونه، ومراتب التكليف من واجب الفعل أو الترك فما دونه، وعن كل هذا كانت تصدر اجتهاداتهم، ومنها اجتهادات عمر بن الخطاب الكثيرة التي راعى الواقعَ في تنزيلها. وعلى هذا المنوال سار العلماء قبيل سد باب الاجتهاد حتى قال أحدهم “”لا يحل لفقيه أن يقول بدرهم في شيء ولا خبرة له بالسوق””. لكن بعد سد باب الاجتهاد كما سبقت الإشارة ضعف هذا الوعي بالواقع.

سؤال: انطلاقاً من بحوثكم في هذا المجال، ما هي السياقات التاريخيّة لنشأة هذا المصطلح؟

جواب: نجد مصطلح الواقع وفقهه حاضرا عند ابن القيم رحمه الله الذي يقول في “”إعلام الموقعين”” “”لا بد من فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما..”” كما عقد فصلا بعنوان “”الفتوى تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، والحكمة في ذلك أن الشريعة بنيت على مصالح العباد في المعاش والمعاد””. وبعد ظهور الصحوة الإسلامية الأولى والنهضة العربية برز في ساحة الفكر الإسلامي توجهان: الأول: ينادي بالتشبث بالتراث الإسلامي بتفسيراته وتحليلاته ومشخصاته كما هي، ويدعو إلى الكتاب والسنة، دون أن يضع منهجا للفهم والتعامل معهما ومع التراث الإسلامي، ويرى أن الخلل ليس في ميراث المسلمين وإنما في التابعين. وهذا الطرف أدى به اختياره إلى الحرفية والسكون، وإلى منهج التكفير والتبديع والتحريم، وتضييق حدود الشرع. والثاني: ينادي بتجديد التراث الإسلامي (وضمنه الوحي) باعتباره جامدا لا يحقق نهضة وتقدما في مستوى تقدم الغرب ولا يلائم الواقع المعاصر. فهذا الطرف، وهو المنبهر بالغرب أدى به اختياره إلى العلمانية واللائكية، وهي طامة لم تعرفها القرون السابقة. هنا بدأ مصطلح فقه الواقع في الظهور والتبلور، فكتب فيه وتهمم به كثيرون مثل الأستاذ عبد السلام ياسين، والشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور عبد المجيد النجار، والشيخ عمر عبيد حسنه، وغيرهم.

سؤال: وما هي الضوابط التي تحكم هذا المصطلح وآليات عمله؟

جواب: إن التطرف في فقه الواقع، كما في التوجهين السابقين، يستدعي أولا: بيان أن فقه الواقع ليس من الأمور المبتدعة في الدين، بل هي مما يساعد على تجديده. ولنا خير مثال في القرآن الكريم الذي راعى واقع الناس في كثير من التشريعات (الخمر، الربا، الجهاد…)، وكذلك في سنة المصطفى صلى الله عليه سلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وفي اجتهادات العلماء. وثانيا: وضع ضوابط لهذا الفقه حتى لا تتعرض الشريعة للضياع وتصبح مرتعا للأهواء بدعوى فقه الواقع. هذه الضوابط أجملتها في كتابي “”فقه الواقع.. أصول وضوابط””، وترتكز على ضابط المقصد: حيث بينت أن ترتيب مقاصد الشريعة يعني أولوية إحداها على الأخرى. ومن ذلك كان الضروري مقدمًا على الحاجي، والحاجي مقدمًا على التحسيني، وبفهم الواقع تتبين لنا هذه المقاصد عند كل قضية، ومن ثم تقديمها على الأخرى وكيفية العمل عند التعارض؛ فإذا كانت مراعاة الحاجي تفضي إلى الإخلال بالضروري، فإنه لا يقدم عليه باعتبار أن الضروري أعلى مرتبة منه، لذلك وجبت بعض الواجبات على المكلفين رغم ما فيها من مشقة، فتحتمل حفظًا للضروريات الخمس. وكذلك لا يراعى التحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بالضروري أو الحاجي، لذلك أبيح كشف العورة عند العلاج، وتناول المحرم والمسكر عند الاضطرار. وهناك ضوابط من مصادر التشريع الإسلامي، وبيّنتُ أن المصلحة لا يمكن تقديرها إلا بالنظر العميق في الواقع، إلا أن هذه المصلحة – والمفسدة أيضاً- لا يمكن اعتبارها إلا بشروط تطابقها مع ما رمى إليه الشرع من أهداف، وقد حُددت هذه الشروط في مصادر التشريع الإسلامي على اختلاف بين العلماء في اعتبارها والأخذ بها، وهي حاضرة يرتبط بها الواقع ارتباطاً وثيقاً، وتمثل الباب الواسع لاجتهاد معاصر ودعوة راشدة تناسب الزمان والمكان، وبها تنضبط العلاقة بين الاجتهاد وفقه الواقع.